مساعي المغرب ليصبح من عظماء كرة القدم.. طموح رياضي وتحديات اجتماعية
24 ديسمبر 2025
منذ مطلع القرن العشرين، حين كانت الرباط محصورة داخل أسوار المدينة العتيقة، تغيّر وجه العاصمة المغربية بشكل جذري. اليوم تمتد الرباط على طول الساحل الأطلسي لعشرات الكيلومترات، في مشهد عمراني منخفض الارتفاع ظاهريًا، لكنه محاط برموز تعكس طموح دولة تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة كروية عالمية صاعدة.
في شمال المدينة، يفرض برج محمد السادس نفسه كأحد أعلى المباني في أفريقيا، فيما يتربع في الجنوب ملعب الأمير مولاي عبد الله، الذي افتُتح حديثًا في أيلول/سبتمبر، بتصميمه العصري، ليكون أحد أحدث ملاعب القارة.
يسير المغرب بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانته كقوة كروية كبرى، مدعومًا باستثمارات ضخمة وبنية تحتية عالمية لكن الطريق إلى "القوة العظمى الكروية" لا يمر فقط عبر الملاعب والأبراج
وفي المجمع نفسه، تحوّلت القاعة المتعددة الرياضات إلى مركز إعلامي ضخم، تعلوه لافتة تجمع علم المغرب وخريطة البلاد وصورة الملك محمد السادس، في تذكير واضح بأن الاستثمار الرياضي يحظى برعاية مباشرة من رأس الدولة.
استثمار ملكي ورهان على كرة القدم
هذا الاستثمار المكثف في البنية التحتية الرياضية جعل من المغرب ركيزة أساسية في كرة القدم الأفريقية. فالمملكة ستستضيف كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، كما يُشيَّد حاليًا الملعب الكبير الحسن الثاني في ضواحي الدار البيضاء، بطاقة استيعابية تصل إلى 115 ألف متفرج، ما يجعله عند اكتماله الأكبر في العالم، ومرشحًا لاستضافة المباراة النهائية للمونديال.
لكن هذا الطموح الرياضي لا يحظى بإجماع داخلي كامل، ففي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، شهدت عدة مدن مغربية احتجاجات على أولويات الإنفاق العام. وبينما تبدو ملاعب كأس أمم أفريقيا 2025 (AFCON) مذهلة من حيث الشكل والتجهيز، يطرح جزء من الرأي العام تساؤلات حول الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين اليومية، وعلى رأسها القطاع الصحي.
انتقادات للإنفاق العام ومؤشرات صحية مقلقة
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة "ذا أثلتيك"، فخلال الأشهر الماضية، انتشرت تقارير عن وفيات نساء أثناء الولادة بسبب ضعف النظام الصحي. ووفق مؤشر الأمن الصحي العالمي لعام 2021، حلّ المغرب في المرتبة 108 من أصل 195 دولة، فيما جاء في مرتبة أكثر تراجعًا هذا العام، بحلوله 131 من أصل 141 دولة في مؤشر خاص بالرعاية الصحية للنساء، ما يعكس فجوة واضحة بين الطموح الرياضي والواقع الاجتماعي.
ورغم ذلك، لم تظهر هذه المخاوف بوضوح في شوارع طنجة أو الرباط خلال الأيام التي سبقت مباراة افتتاح كأس أمم أفريقيا 2025 بين المغرب وجزر القمر. غياب الاحتقان الظاهر لا يعني اختفاء المشكلات، بقدر ما يشير إلى أنها قد تكون كامنة تحت السطح.
"حان وقت المغرب"
على الصعيد الكروي، يواجه المنتخب المغربي ضغوطًا مضاعفة. فالأسود لم يتوجوا بلقب كأس أمم أفريقيا منذ عام 1976، ولم يبلغوا النهائي منذ 2004. ورغم الإنجاز التاريخي بالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 كأول منتخب أفريقي وعربي يحقق ذلك، إلا أن الخروج المخيب من النسخة الأخيرة للكان في ساحل العاج أعاد طرح سؤال "اللقب الغائب".
مدرب المنتخب، وليد الركراكي، الذي تولى المهمة عام 2022، يُعد أحد أبرز رموز التحول الحالي. اللاعب السابق المعروف بصرامته الدفاعية في الملاعب الفرنسية، نجح كمدرب في ترجمة سنوات من الاستثمار الكروي إلى نتائج ملموسة. لكن التحدي، كما يراه، لم يعد في المشاركة المشرفة، بل في ترسيخ عقلية الفوز.
وقبيل مواجهة جزر القمر، "والتي انتهت بفوز المغرب" شدد الركراكي على ضرورة الانتقال من ذهنية "المنافس" إلى ذهنية "البطل"، معتبرًا أن الهدف لا يقتصر على الأداء الجيد، بل على "إعطاء المجد للبلد".
وخلال المؤتمر الصحفي، وجّه الركراكي رسالة مبطنة للجماهير، مطالبًا إياها بلعب دورها الحقيقي، وعدم الاكتفاء بالتقاط الصور في "حدث اجتماعي لا يُفوّت". فالرباط، رغم كونها العاصمة الإدارية، ليست القلب الكروي النابض للمغرب، وهو دور لطالما لعبته الدار البيضاء، موطن الأندية الأكثر شعبية والجماهير الأكثر حماسًا.
ورغم ذلك، قرر المنظمون إبقاء المنتخب في الرباط في حال تصدر مجموعته، وهو ما اعتبره البعض ابتعادًا عن الأجواء الضاغطة التي لطالما منحت "الأسود" أفضلية نفسية أمام الخصوم والحكام. ففي حين يرمز ملعب الرباط إلى عقلانية التخطيط وحداثة الدولة، قد يفتقد، كما لمح الركراكي، إلى تلك "الشرارة" الجماهيرية القادرة على حسم التفاصيل الصغيرة.
تنظيم مثالي
الملعب الجديد، الذي يشبه من الخارج "أليانز أرينا" في ميونيخ، ومن الداخل "ملعب النور" في لشبونة، نال إشادة مسؤولي "فيفا" و"الكاف" بوصفه منشأة "عالمية الطراز". لكن مشهد المدرجات لم يكن مكتملًا. فبحسب الاتحاد الأفريقي، بلغ الحضور 60,180 متفرجًا، أي أقل من الطاقة القصوى بأكثر من 7 آلاف مقعد، وسط تشكيك صحفيين محليين في الرقم الحقيقي.
ويرى هؤلاء أن السوق السوداء وارتفاع أسعار التذاكر، خاصة في أول استضافة مغربية للبطولة منذ 1988، حرم شريحة واسعة من الجماهير من الحضور.
انتصار بلا صخب كبير
على أرض الملعب، نجح المغرب في تجاوز جزر القمر، بعد شوط أول متعثر وإضاعة ركلة جزاء، قبل أن يفرض تفوقه في الشوط الثاني بهدفين. ولم تتحرك الجماهير بقوة إلا بعد هذا التقدم، حتى أن هدفًا استثنائيًا بضربة مقصية من البديل أيوب الكعبي لم يُشعل المدرجات كما كان متوقعًا.
ويبدو أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانته كقوة كروية كبرى، مدعومًا باستثمارات ضخمة وبنية تحتية عالمية. لكن الطريق إلى "القوة العظمى الكروية" لا يمر فقط عبر الملاعب والأبراج "وفقًا لذا أثلتيك"، بل يتطلب توازنًا دقيقًا بين الطموح الرياضي، والعدالة الاجتماعية، وروح الجماهير التي كانت ولا تزال قلب كرة القدم النابض.