ultracheck
  1. قول

مسار سوريا وإسرائيل.. هندسة الأمن فوق جمر الجولان

4 سبتمبر 2026
مبنى هيئة الأركان العامة السورية
مبنى هيئة الأركان العامة السورية بعد تعرضه لقصف إسرائيلي (Getty)
عبد الله مكسور عبد الله مكسور

شكّل فتح قناة اتصال مباشرة وسرّية بين دمشق وتل أبيب في باكو، عاصمة أذربيجان، لحظة فارقة في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد. فالمسار الحالي بين سوريا وإسرائيل بدا طبيعيًا أن ينطلق من نقطة تبدو صغيرة جغرافيًا، لكنها كبيرة في دلالاتها السياسية.

استضافة باكو للقاء جمع مسؤولين سوريين وإسرائيليين لم تكن مجرد ترتيب لوجستي عابر، بل حملت وظيفة سياسية تتجاوز إطار الاجتماع ذاته، إذ مثّلت اختبارًا أوليًا وحقيقيًا لفكرة الاتصال المباشر في بيئة إقليمية كانت تعيد تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات.

وتكمن أهمية تفاصيل هذا المسار السري، التي تسرّب بعضُها لاحقًا، في أنها جاءت عقب تحوّل جذري في البيئة السورية. فالدولة التي اعتادت إسرائيل التعامل معها لعقود عبر منظومة الأسد، أصبحت أمام سلطة جديدة تسعى إلى بناء شرعية دولية، واستعادة مؤسساتها، وإعادة تعريف علاقاتها الإقليمية.

في المقابل، وجدت إسرائيل نفسها أمام سوريا مختلفة، تطرح فرصًا استراتيجية مرتبطة بتراجع الدور الإيراني في الساحة السورية، مقابل مخاطر جديدة تتصل بإعادة بناء الجيش السوري وطبيعة علاقته بتركيا.

هكذا، حملت باكو، بكل ما يحيط بها من سرّية وهشاشة، سؤالًا تأسيسيًا للمسار بأكمله: أي صيغة أمنية يمكن أن تنتج علاقة قابلة للاستمرار بين دمشق وتل أبيب، وهما لا تزالان تحملان إرثًا ثقيلًا من الصراع؟

لا شكَّ أن سقوط الأسد أعاد ترتيب موقع سوريا في المعادلة الإسرائيلية. وهذه لحظة لا يمكن تجاوزها لفهم المسار الحالي. فطوال عقود، استندت إسرائيل إلى تصور مستقر نسبيًا: نظام سوري شديد العداء سياسيًا، مع قدرة محدودة على المبادرة العسكرية، ووجود إيراني متنامٍ أصبح بعد 2011 جزءًا مما اعتبرته إسرائيل تهديدًا مباشرًا. وسقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ديسمبر لعام 2024 جاء ليزيل ركنًا مركزيًا من هذه العقيدة، ويفتح في الوقت نفسه فراغًا أمنيًا وسياسيًا على امتداد الأراضي السورية.

دخلت إسرائيل المرحلة الجديدة وهي تحمل خبرة عملياتية واسعة داخل سوريا، وتتعامل مع انهيار الترتيب الأمني الذي حافظ على هدوء جبهة الجولان لعقود. أما دمشق الجديدة فوجدت نفسها أمام مهمة مزدوجة: بناء الدولة واستعادة احتكارها للقوة، وضمن هذا بطبيعة الحال التعامل مع وجود عسكري إسرائيلي داخل أراضٍ سورية سيطرت عليها إسرائيل بعد سقوط الأسد.

لا شكَّ أن سقوط الأسد أعاد ترتيب موقع سوريا في المعادلة الإسرائيلية. وهذه لحظة لا يمكن تجاوزها لفهم المسار الحالي. فطوال عقود، استندت إسرائيل إلى تصور مستقر نسبيًا: نظام سوري شديد العداء سياسيًا، مع قدرة محدودة على المبادرة العسكرية

بعد أشهر من هذا الواقع ومن أحداث مرّت بها سوريا. أدّت إلى قصف إسرائيل لمبنى قيادة الأركان في ساحة الأمويين بقلب العاصمة السورية دمشق، ظهرت مفارقة تاريخية مهمة في شكل مختلف: سوريا ما بعد الأسد تريد بناء جيش لدولة جديدة، وإسرائيل التي تخوض حروبًا على جبهات عدة، تريد أن تتأكد من طبيعة هذا الجيش قبل اكتمال بنائه. وبين هذين المسارين دخلت تركيا في قلب المعادلة من خلال ترتيبات تضمنت تدريب القوات السورية ودعم إعادة بنائها، مع إشارات لتواجد محتمل في حمص وغيرها. الأمر الذي أضاف بعدًا إقليميًا إلى قضية كانت تبدو في ظاهرها سورية إسرائيلية. لاحقًا أشار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى تواصل الدعم التركي لإعادة بناء الجيش السوري، مع تأكيد دمشق تمسكها بهذا الدعم، وعزم أنقرة على متابعة مشروعها.

تحويل الاتصال السري إلى مسار

بعد أشهر وفي لحظة باريس "المعلنة" أخذت القناة التي بدأت "سريًّا" في باكو شكلًا أكثر انتظامًا. ففي تموز/يوليو 2025 اجتمع مسؤولون سوريون وإسرائيليون رفيعو المستوى برعاية المبعوث الأميركي توماس باراك، في لقاء وُصِفَ بأنه أعلى اتصال رسمي بين سوريا وإسرائيل منذ أكثر من ربع قرن. جاء الاجتماع بعد سلسلة لقاءات سرية، الأمر الذي يكشف تدرجًا محسوبًا في الانتقال من القنوات الأمنية إلى الاتصال السياسي. وقد كانت العاصمة الفرنسية المكان الذي بدأت فيه الولايات المتحدة هندسة المسار بصورة مباشرة. 

أدركت واشنطن أن سقوط الأسد أوجد فرصة لإعادة بناء العلاقة السورية مع الغرب، وهذا يتطلب منع تحول الجنوب السوري إلى جبهة مفتوحة، وبدوره يحتاج – بطبيعة الحال- إلى تفاهمات إسرائيلية سورية. وفي ذات الوقت أدركت واشنطن أن أنقرة أصبحت جزءًا من معادلة الأمن السوري الجديد، وأن أي ترتيبات جديدة تحتاج إلى استيعاب مصالح تركيا. ربما لهذه الأسباب اتخذت باريس وظيفة المختبر السياسي لقدرة واشنطن على إنتاج أرضية مشتركة بين الطرفين، فجرى اختبار استعداد دمشق للانخراط في ترتيبات أمنية، واستعداد إسرائيل لتخفيف بعض عملياتها العسكرية وضبط تحركات المستوطنين الجدد. وكانت النتيجة الأولية إيجابية بما يكفي لاستمرار المسار، مع بقاء القضايا الجوهرية مفتوحة أمام جولات لاحقة.

معادلة الأمن الإسرائيلي والسيادة السورية

ما تسرّب عن تفاصيل التفاوض يكشف عن اختلاف عميق في نقطة الانطلاق. تنظر دمشق إلى الأمن من زاوية استعادة الدولة لقدرتها على التحكم بأرضها وقواتها وتحالفاتها. وتنظر إسرائيل إلى الأمن من زاوية قدرتها على منع تشكل أي تهديد عسكري جديد قرب حدودها. وكل تصور يحمل منطقه التاريخي الخاص. بالنسبة إلى سوريا، يشكل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 الذي وقعه حافظ الأسد، مرجعًا قانونيًا وسياسيًا مهمًا. فقد أنشأ ترتيبات فصل بين القوات، ومنطقة عازلة تحت إشراف الأمم المتحدة، ونظامًا حافظ على هدوء الجبهة لعقود. لذلك تبدو العودة إلى الاتفاق، أو بناء صيغة مطورة منه، منطقية في التصور السوري للمرحلة المقبلة.

أما إسرائيل فتتحرك من تجربة مختلفة. فقد أدى انهيار النظام السابق إلى زوال السلطة التي اختبرتها إسرائيل باعتبارها معروفة ومفهومة والأهم منضبطة السلوك، وظهرت سلطة جديدة ترتبط بتركيا وتعيد بناء جيشها. لذلك تجاوزت تل أبيب ترتيبات خطوط الـ 101 التقليدية بعد إعلانها انهيار اتفاق فض الاشتباك لتضمن قدرة أكبر على مراقبة البيئة العسكرية السورية الجديدة وتحولاتها. ومن هذه الزاوية تشكّلت العقدة المركزية الرئيسية: دمشق تريد ترتيبات تعيد تعريف الحدود الأمنية من داخل مفهوم السيادة، بينما تريد إسرائيل ترتيبات تجعل السيادة السورية مقيدة بشروط أمنية إسرائيلية قابلة للمراقبة. وهذه الفجوة سترافق كل مرحلة لاحقة من التفاوض. ما نقل مسار التفاهمات إلى سعي لإيجاد خريطة أمنية، وبحلول 2026 أصبحت المفاوضات أكثر تحديدًا. 

فقد كشف الشيباني أن دمشق وتل أبب توصلتا على الورق إلى تفاهمات واسعة بشأن اتفاق أمني، تتضمن هذه التفاهمات مناطق أمنية متعددة في الجنوب السوري، بينها منطقة عازلة تنتشر فيها قوات الأمم المتحدة، ومناطق أخرى يسمح فيها بوجود القوات السورية بدرجات متفاوتة. هذه الصيغة تحمل جذورًا واضحة في نموذج 1974، مع تعديلات تعكس البيئة والتغيّر الجديدان. فالمنطقة العازلة تمنح إسرائيل طبقة من الاطمئنان، فيما يسمح وجود القوات السورية في مناطق أخرى إلى إبقاء مظاهر السيادة والدولة. ليصبح توزيع القوة العسكرية داخل الجنوب جزءًا من هندسة سياسية أوسع. لكن الخرائط وحدها لا تنتج الأمن. فالترتيبات تحتاج إلى تحديد نوع الأسلحة، حجم القوات، آليات المراقبة، طرق معالجة الخروقات، الجهة التي تفصل بين روايات الطرفين عند وقوع حادث، والجهة القادرة على فرض التصحيح. 

هذه التفاصيل هي التي تحدد إن كان الاتفاق سيصبح نظامًا أمنيًا مستقرًا أم وثيقة تفاهم قابلة للتآكل. وهذه الظروف تُظهر أهمية أميركا والأمم المتحدة معًا في المعادلة. الأولى تمتلك النفوذ السياسي، والثانية توفر الشرعية وآليات المراقبة. لتبقى القدرة الفعلية على إلزام إسرائيل وسوريا مرتبطة بتصميم الاتفاق نفسه.

في الفهم السوري كان واضحًا بعد قصف مبنى قيادة الأركان، أن فلسفة دمشق كانت تنطلق في المسار من منطق التفاوض إلى إدارة الخطر وربما تجميده أو إبعاده فقط، لذلك جاء إنشاء آلية اتصال وتنسيق أمني مباشر في كانون الثاني/يناير 2026 كنتيجة طبيعية لتراكم الاتصالات السابقة. حيث انتقلت الخطوات السورية الإسرائيلية من لقاءات سياسية وأمنية متفرقة، سريّة حينًا ومعلنة طورًا آخر، إلى محاولة بناء قناة دائمة تستطيع التعامل مع الحوادث قبل تحولها إلى أزمات. وما تسرّب من معلومات حينها أن اجتماع يناير ضم الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة السوري إلى جانب مسؤولين إسرائيليين، تحت رعاية أميركية. وهذه الخطوة تكشف عن إدراك جميع الأطراف لطبيعة البيئة الجديدة. 
 

تمر سوريا بمرحلة إعادة بناء عسكري وأمني، وإسرائيل تراقب هذه العملية بصورة مكثفة، فيما أصبحت تركيا لاعبًا عسكريًا مباشرًا داخل سوريا. لذلك فإن كل حركة ميدانية أدَّت إلى إنتاج قراءة مختلفة لدى الأطراف الثلاثة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح قنوات منع الاحتكاك جزءًا من الأمن ذاته. فقيمة القناة تظهر عندما تكون قادرة على نقل التحذير بسرعة، وتفسير النوايا، ومنع اتخاذ قرار عسكري بناءً على معلومة ناقصة. ولذلك كان نجاح المسار مرتبطًا منذ البداية بقدرة هذه الآلية على العمل في لحظة الامتحان. وجاء الاختبار بعد الجنوب والوسط في الشمال السوري، حيث تداخلت الحسابات الإسرائيلية مع التعاون العسكري السوري التركي. لتنظر تل أبيب إلى تنامي دور أنقرة على التراب السوري باعتباره تطورًا استراتيجيًا يحتاج إلى مراقبة دقيقة وضبط شديد، وهذا بالضبط ما دفع تركيا إلى قلب المعادلة وفق المنطق الإسرائيلي.

في 14 آب/أغسطس من العام الجاري، كشفت المكالمة الهاتفية التي جرت بين رئيس الموساد الجديد رومان غوفمان، وهو ذاته يشغل منصب مدير مكتب نتنياهو، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني حجم الحساسية التي بلغها الملف التركي. ووفق الإعلان السوري الرسمي والتسريبات السابقة من وكالات الأنباء تناول الاتصال الوجود العسكري التركي، وصفقات السلاح والطائرات المسيرة المقدمة للجيش السوري. وطبيعة النقاش هذه تظهر سوريا باعتبارها مساحة تنافس تركي إسرائيلي داخل دولة تعيد بناء نفسها. 

ترى دمشق أن التعاون مع أنقرة يشكّل جزءًا من استعادة قدرتها الدفاعية، فيما تنظر إسرائيل إلى هذا التعاون بوصفه احتمالًا لنشوء بنية عسكرية جديدة تحت تأثير قوة إقليمية كبرى. وفي المقابل، تقف واشنطن في منتصف هذه المعادلة؛ إذ تحتاج إلى دعم إعادة بناء الدولة السورية، وتدرك في الوقت نفسه أهمية الدور التركي، وتسعى كذلك إلى تجنّب صدام تركي–إسرائيلي داخل الساحة السورية.

وبذلك، أصبح مستقبل أي اتفاق سوري–إسرائيلي محتمل مرتبطًا إلى حدّ كبير بقدرة واشنطن على إدارة هذه العلاقة الثلاثية. غير أن هذه الإدارة الهشّة كانت بحاجة إلى اختبار فعلي للنوايا ومدى الاستعداد للمضي في اتفاق، فجاءت الضربة التي استهدفت مدارج ومنشآت قاعدة أبو الظهور في 18 آب/أغسطس كاختبار مباشر للترتيبات التي بُنيت خلال أشهر من الاتصالات.

لاحقًا، أعلنت إسرائيل أنها تحركت لمنع إقامة موطئ قدم عسكري تركي في القاعدة، في حين نفت دمشق وأنقرة وجود أي خطط من هذا النوع. وبصرف النظر عن الأضرار المادية، تتجاوز أهمية الضربة هذا الجانب، إذ وقعت في سياق كان يشهد تواصلًا مباشرًا بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، وجاءت بعد أيام قليلة من مكالمة غوفمان والشيباني.

ويكشف هذا التزامن عن فجوة واضحة بين مسار الاتصال السياسي وقدرته الفعلية على التأثير في القرار العسكري والحسابات الأمنية.
الأخطر أن قاعدة أبو الظهور تقع في شمال سوريا، قريبًا من المجال الذي تتحرك فيه تركيا استراتيجيًا. لذلك حملت الضربة احتمالًا يتجاوز العلاقة السورية الإسرائيلية، لتهدد بشكل عملي بإدخال الجيش التركي في معادلة التصعيد. فخطر احتمال الصدام التركي الإسرائيلي المؤجل كان من أسباب الالتفات المباشر لإدارة الأزمة بسرعة. بهذا المعنى، أصبحت قاعدة أبو الظهور في الشمال، بعد ضرب تدمر، والتوغل الإسرائيلي المستمر في الجنوب لحظة كشفت حدود النظام الناشئ لإدارة الخلاف.

أزمة الثقة

كل خطوة في الاتصالات السرية والمعلنة تحيلنا إلى المسألة المركزية في المسار التي تقع تحت عنوان الثقة. وهذه تتعلق بقدرة كل طرف على تصديق المعلومات التي تصله من الطرف الآخر. إسرائيل تحتاج إلى التأكد من طبيعة الوجود العسكري التركي والسوري، وسوريا تحتاج إلى التأكد من أن التحذيرات الإسرائيلية ستظل ضمن القنوات السياسية. أما واشنطن فتحتاج إلى بناء آلية تجعل المعلومات المشتركة أكثر موثوقية من التقديرات المنفردة. وهذا النوع من الأزمات يوضح الفرق بين الاتصال ومنظومة منع النزاع. فالاتصال يتيح نقل الرسائل، بينما تحتاج منظومة منع النزاع إلى قواعد تحدد ما يحدث بعد وصول الرسالة. هل يتوقف القصف؟ هل يتم الاجتماع فورًا؟ هل تتدخل واشنطن؟ هل تستطيع لجنة مشتركة التحقق من الوقائع؟ ومن يتحمل كلفة التصعيد؟ هذه الأسئلة العملية هي التي أعادت المسار إلى العاصمة الأردنية عمّان بعد أيام قليلة. 

في 23 آب/أغسطس الجاري، عقد وفد سوري اجتماعًا مع وفد إسرائيلي قاده رئيس الموساد الجديد، برعاية أميركية، لبحث خفض التصعيد ووقف الهجمات والاعتقالات والعمليات داخل سوريا، وإعادة إطلاق مفاوضات الاتفاق الأمني، إضافة إلى منع انتقال التوتر التركي الإسرائيلي إلى التراب السوري. وفي هذه الصورة التي تم تقديمها تختلف وظيفة عمّان عن وظيفة باكو أو باريس. فالعاصمة الفرنسية صنعت ما يمكن تسميته إطار التفاوض، بينما جاءت العاصمة الأردنية بعد أزمة كادت تدفع القناة إلى التوقف. لذلك كان الاجتماع أقرب إلى غرفة طوارئ سياسية وأمنية في ذات الوقت للمسار كله. وبطبيعة الحال فإن اختيار الأردن يحمل دلالة جغرافية وسياسية. 

الأردن دولة ترتبط باتفاق سلام مع إسرائيل، وتحافظ على علاقات وثيقة مع دمشق، وتملك خبرة طويلة في إدارة الملفات الأمنية الحدودية. كما أن وجودها يوفر مساحة عربية للمفاوضات تمنح العملية غطاءً إقليميًا.لذلك أعادت عمّان بدعم واشنطن الطرفين إلى الطاولة، لكنها تركت السؤال الأساسي مفتوحًا: كيف تتحول التهدئة من قرار مؤقت إلى قاعدة ثابتة تحكم السلوك العسكري؟

في قلب هذا السؤال والمسار تحتل واشنطن موقعًا فريدًا. غريبًا وغرائبيًا في ذات الوقت، فهي الطرف القادر على جمع دمشق وتل أبيب، والمؤثر في إسرائيل، والمنفتح على تركيا، والداعم سياسيًا للسلطة السورية الجديدة. والمتمتع بعلاقات راسخة مع عمان، وهذه الأدوات جميعها تجعل الدور الأميركي مركزيًا في صناعة الاتفاق المستقبلي. مع ذلك، تظهر حدود هذا الدور كلما اصطدمت الوساطة بقرار عسكري إسرائيلي مستقل. لأن القيمة الحقيقية للوساطة تتحدد بقدرة واشنطن على تحويل التفاهم السياسي إلى سلوك ميداني. وهذا يتطلب ضمانات أكثر صلابة من مجرد نقل الرسائل.

تحتاج دمشق إلى ضمان أميركي يرتبط بالانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات. وتحتاج إسرائيل إلى ضمانات تتعلق بإعادة بناء الجيش السوري وعلاقاته العسكرية. وتحتاج تركيا إلى قناة تمنع تحول وجودها في سوريا إلى سبب لمواجهة مباشرة مع إسرائيل. لذلك ربما تستطيع واشنطن بناء الإطار، فيما يحتاج الإطار نفسه إلى آليات تنفيذ مستقلة نسبيًا عن المزاج السياسي اليومي. وكلما اتسعت صلاحيات هذه الآليات، ارتفعت قدرة الاتفاق على مقاومة الأزمات. وكلما بقيت الترتيبات رهناً بقرارات سياسية منفردة، بقي المسار معرضاً للاهتزاز.

لكن العقدة الأكثر صعوبة تتجمع حول العلاقة بين الانسحاب الإسرائيلي والقيود المفروضة على القوات السورية. دمشق تطالب بالعودة إلى المواقع التي كانت قائمة قبل 8 كانون الأول/ديمسبر 2024، وإعادة العمل باتفاق فض الاشتباك، وربط الترتيبات الأمنية بوقف الغارات والاعتقالات. وفي المقابل، تريد إسرائيل ترتيبات تمنحها ضمانات واسعة تجاه القوات السورية وقدرة على مراقبة أو ضبط التحالفات الجديدة التي تبنيها دمشق. وهذه المعادلة تحتاج إلى ترتيب متزامن للخطوات. انسحاب إسرائيلي تدريجي يقابله انتشار سوري محدد، ومراقبة دولية، وآلية تحقق، وضمانات أميركية. وكل خطوة ينبغي أن تنتج خطوة مقابلة، بحيث يصبح الاتفاق سلسلة مترابطة من الالتزامات. 

ربما تستطيع هذه الصيغة معالجة هاجس السيادة السورية وهاجس الأمن الإسرائيلي في الوقت نفسه. لكنها تحتاج إلى قرار سياسي إسرائيلي بشأن حجم الانسحاب، وإلى قرار سوري بشأن طبيعة الانتشار العسكري، وإلى قدرة أميركية على ضمان الالتزام. وهذا كله يفسر أسباب تمسك دمشق الجديدة باتفاق عام 1974 بوصفه نقطة انطلاق عملية يمكن المراكمة عليها. لأنه يقدم نموذجاً قائماً للترتيبات العسكرية والمراقبة الدولية، مع حاجة واضحة إلى تحديثه وفق واقع سوريا الجديد.

الجولان ينتظر دوره

في خلفية كل هذه الحسابات يبقى الجولان حاضرًا وغير حاضر في الآن نفسه. إسرائيل احتلت الهضبة في حرب 1967 – تسيطر إسرائيل على ما يقارب 1200 كم من مساحة الجولان البالغة 1800 كم، أي ما تحتله إسرائيل من أراضي الجولان يفوق مساحة مملكة البحرين بـ 1.6 مرة، لاحقاً أعلنت تل أبيب ضم الجولان عام 1981، ثم اعترفت إدارة البيت الأبيض بالسيادة الإسرائيلية عليها خلال الدورة الأولى من حكم دونالد ترامب عام 2019. وفي المقابل، تتمسك دمشق بمطالبتها بالهضبة، فيما تعتبر الأمم المتحدة ومعظم المجتمع الدولي – بما في ذلك السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق توماس برّاك- بالجولان أرضًا سورية محتلة.

لكن منطق دمشق حاليًا في التعامل مع هذا الملف يعتمد على ترتيب مرحلي. الاتفاق الأمني يوفر أولًا إطارًا لوقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها إسرائيل بعد سقوط الأسد، ثم يمكن الانتقال إلى ملفات السلام والجولان. وقد صاغ الشيباني هذا التدرج بصورة واضحة عندما ربط فتح موضوع السلام والجولان بوقف العدوان والتوصل إلى ترتيبات أمنية. وهذا التأجيل ربما يحمل فائدة تفاوضية في تقديرات الإدارة السورية الجديدة، لأنه يسمح لها بتجميع مكاسب ملموسة قبل فتح الملف الأصعب. وهو في ذات الوقت يحمل فائدة لإسرائيل، لأنه يتيح لها اختبار سلطة دمشق الجديدة وسلوكها العسكري والإقليمي قبل الدخول في مفاوضات على قضية كبرى تعتبرها تل أبيب سيادية ودينية. ورغم كل هذا سيظل الجولان معياراً نهائياً لحدود التسوية. فأي اتفاق أمني يستطيع إدارة الجبهة، بينما يبقى الترتيب الشامل مرتبطًا بتحديد مستقبل الأرض.

بين الاتفاق الأمني وإدارة الصراع

بعد كل تلك المحطات التي انعقدت منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر لعام 2024، يظهر أن المسار السوري الإسرائيلي يتحرك الآن بين نموذجين. الأول اتفاق أمني مرحلي قد يتحول تدريجيًا إلى مسار سياسي أوسع. والثاني ترتيب طويل الأمد لإدارة النزاع، يثبِّت خطوطًا أمنية جديدة، لكنه يؤجل الملفات السيادية الثقيلة.والمؤشرات الحالية تمنح النموذج الأول فرصة قابلة للحدوث، لأن الولايات المتحدة تدفع نحو اتفاق، ودمشق تبدي استعدادًا للتفاوض، والقنوات الأمنية على أعلى المستويات ما زالت تعمل حتى بعد الضربات والتهديد بالتصعيد. وفي الوقت نفسه، تشير المواقف الإسرائيلية العلنية إلى استمرار التشدد تجاه الانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها تل أبيب داخل سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وإلى استمرار القلق من إعادة بناء الجيش السوري والتعاون العسكري مع تركيا. 

منطق دمشق حاليًا في التعامل مع هذا الملف يعتمد على ترتيب مرحلي. الاتفاق الأمني يوفر أولًا إطارًا لوقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها إسرائيل بعد سقوط الأسد، ثم يمكن الانتقال إلى ملفات السلام والجولان

لكن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الاتفاق على إنتاج مصالح مشتركة تتجاوز لحظة التهدئة. يستطيع التعاون الاقتصادي، وفتح المعابر، وترتيبات المياه والطاقة، والتجارة الحدودية، وآليات الاتصال العسكري أن تمنح الاتفاق حياة سياسية يومية. لذلك نلمس في أغلب البيانات المرتبطة بمسار الاتصال بين دمشق وتل أبيب تحدّثًا عن فرص تعاون تجاري واقتصادي، وآمال النهضة الواسعة التي تنتظر المنطقة، ما يفتح الباب أمام تحويل الأمن من ملف عسكري صرف إلى شبكة مصالح أوسع. وعند هذه النقطة يصبح الاتفاق أكثر قدرة على الصمود أمام تغير الحكومات. بخاصة أن إسرائيل مقبلة على انتخابات حاسمة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وأي حكومة إسرائيلية مقبلة قد تعيد تعريف سقف التفاوض أو بتعبير تل أبيب التنازلات، ما يجعل توقيت الاتفاق وآليات تثبيته مسألة استراتيجية بحد ذاتها.

رغم تعدد العواصم والمسارات، يطفو سؤال على السطح: أي طريق ينتظر سوريا وإسرائيل؟ وبقراءة متأنية ومنطقية لتسلسل الأحداث، يجد المراقب نفسه أمام مسار يتقدم عبر الأزمات. باكو فتحت قناة الاتصال، وباريس حاولت إعطاء القناة شكلًا تفاوضيًا، وآلية يناير عملت على تحويل التفاهم إلى بنية اتصال، وأبو الظهور اختبرت قدرة هذه البنية على منع التصعيد، ثم جاءت عمّان لإعادة تثبيت المسار. 

وهذا التسلسل يمنح المفاوضات قدرًا من الاستمرارية يصعب تجاهله، حتى مع اتساع فجوة الثقة. لتبرز مجموعة من السيناريوهات حول مآلات هذا المشهد، ربما يتمثل أوّلها في اتفاق أمني مرحلي، وهو الأكثر انسجامًا مع الوقائع الحالية. شروطه تشمل وقف الضربات، وانسحابًا إسرائيليًا متدرجًا إلى خطوط السابع من كانون الأول/ديسمبر لعام 2024، وانتشارًا سوريًا مضبوطًا ومنضبطًا، إلى جانب تفعيل المراقبة الدولية، وضبط الخروقات، وتفسيرها، وفرض معالجة لها، وآلية واضحة لكلفة عدم الالتزام، بالإضافة إلى الضمانات الأميركية، وترتيبًا واضحًا للدور التركي. 

أما السيناريو الثاني فيتمثل في تسوية أمنية طويلة الأمد لكنها غير نهائية، تجمِّد الملفات السيادية. وهذا المسار يصبح مرجحًا إذا تعذر التوافق حول الانسحاب والجولان، مع استمرار الحاجة إلى منع الاحتكاك.أما السيناريو الثالث فيتركز في فكرة انهيار المسار كله وعودة العمل العسكري، الذي قد تزداد احتمالاته مع أي ضربة توقع تركيا وإسرائيل في مواجهة مباشرة، أو مع استمرار العمليات الإسرائيلية من دون مقابل أو ثمن سياسي واضح. لكن التقدير الأكثر واقعية حاليًا يشير إلى اتفاق أمني محدود ومتدرج، مع تأجيل السلام والجولان. وهذا المسار يمتلك زخمًا سياسيًا وأمنيًا كافيًا لاستمرار التفاوض، فيما تحتاج التسوية الشاملة إلى تحول أعمق في الحسابات الإسرائيلية والسورية والتركية والأميركية. وبذلك يصبح السؤال المركزي أمام المرحلة المقبلة متعلقًا بقدرة الأطراف على تحويل قنوات إدارة الخطر إلى قواعد ملزمة للسلوك. وهذه النقلة وحدها ستحدد ما إذا كانت باكو وباريس وعمّان قد شكلت مراحل أولى لاتفاق تاريخي، أم محطات متقدمة في إدارة صراع طويل.

كلمات مفتاحية
أم درمان

السودان وأسئلة ما بعد الحرب.. معالجة الآثار أم أسبابها؟

تتقاطع رؤية غراس الساخرة بشكل صارخ مع واقع السودان اليوم، وما ينتظره عند وضع الحرب أوزارها

متصدقش

"متصدقش" .. شعار مرحلة

لا أعتقد أنّه جال بذهن وزير الدّعاية النّازيّ، جوزف غوبلز، أنّه سيكون لقوله "اكذب ثمّ اكذب حتّى يُصدّقك الآخرون" مستقبلٌ زاهر

La Plegaria

بلاد الغيابات

غياب أدب الرسائل والاعترافات من الفضائح الكبرى في الفكر الإبداعي الأدبي العربي

كأس أمم أفريقيا
رياضة

نهائي أمم أفريقيا أمام "كاس".. هل يبقى اللقب في المغرب أم يعود إلى السنغال؟

النتيجة النهائية ستحدد ما إذا كان لقب أمم أفريقيا سيبقى للمغرب استنادًا إلى قرار "كاف"، أم أن "كاس" ستلغي القرار وتعيد الاعتبار إلى النتيجة التي انتهى إليها النهائي على أرض الملعب

النفط
أعمال

هامش الأمان يتقلّص.. العالم يقترب من استنزاف مخزونه النفطي الاحتياطي

أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية النفطية لا تزال موجودة عالميًا، والجزء الأكبر منها غير متاح عمليًا للاستخدام الفوري

نوبل
علوم

جائزة نوبل للكيمياء.. عالمان يحلان لغزًا عمره أكثر من قرن

فاز العالمان الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2026، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتناظر

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

تصاعد مقلق.. الذكاء الاصطناعي يوسّع إنتاج مواد الاعتداء على الأطفال

لا تكمن المشكلة في كمية المحتوى وحدها، بل في سهولة إنتاجه وتعديله باستخدام أدوات أصبحت متاحة على نطاق أوسع