مزن النّيل.. أو كيف فقدنا بوصلتنا للسّودان؟
18 ابريل 2026
نادرًا ما أثارت وفاة ناشطة عربيّة كلّ هذا الكمّ من الحُزن في معظم أرجاء المنطقة، مثل ما حصل مع رحيل الباحثة والكاتبة السّودانيّة، مزن النّيل. فقد نصّب المتابعون للشّأن السّودانيّ الفقيدةَ مُتحدّثةً باسم شبابها وتطلّعاتهم وأحلامهم. وقد استحقّت ذلك اللّقب وانتزعته باقتدار. فإلى جانب نشرها كمًّا هائلًا من المقالات عن بلادها، إلى جانب قضايا العدالة والتّنمية، دأبت المهندسة الرّاحلة على التّشبيك والتّواصل مع تنظيمات شبابيّة، من المحيط إلى الخليج، بهدف التّعريف بقضايا السّودان وتفسيرها وتفكيكها.
وفاة النّاشطة ذكّرتنا بأنّ السّودان – المُغيّب إعلاميًّا، في معظم الأحيان - شهد، انطلاقًا من عام 2018، ثورةً بديعةً، من حيث التّنظيم والشّعارات والأهداف، وقف شبابها بشجاعة وتصميم أمام آلة قمع هائلة. وبالرّغم من أنّ عام 2019 ليس بالبعيد، في تاريخ الدّول والشّعوب، على الأقلّ، فإنّه يبدو، اليوم، جزءًا من ماضٍ غابرٍ.
بل إنّ الوضع في السّودان دخل نفقًا مظلمًا لا تلوح أيّ مؤشّرات على خروج وشيك منه. دخل الحرب الدّمويّة عامها الرّابع، مع تعاظم الجرائم، من إبادة وتجويع إلى تشريد عشرات الملايين. على معظم وسائل الإعلام وفي بيانات المنظّمات الدّوليّة، تتواتر جملة واحدة بصيغ مختلفة، مفادها أنّ السّودان بات يرزح تحت أخطر أزمة إنسانيّة في العالم. لكن، لا شيء يحول دون استمرار هذه المأساة.
في تحقيق مطوّل، نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانيّة، نهاية الشّهر المنقضي، تتكشّف حقائق مفزعة، ليس أقلّها أنّ تقدير الموقف في الدّوائر الرّسمية الأميركيّة والبريطانيّة كان يُحذّر، منذ عام 2023، من خطورة الوضع في السّودان، عمومًا، وفي الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، خصوصًا. ينقل المقال عن مصادر استخباراتيّة في لندن قولها إنّ لها من القرائن ما يُؤكّد أنّ قوّات الدّعم السّريع تسعى إلى "تصفية أهالي المدينة من غير العرب".
وفاة النّاشطة ذكّرتنا بأنّ السّودان – المُغيّب إعلاميًّا، في معظم الأحيان - شهد، انطلاقًا من عام 2018، ثورةً بديعةً، من حيث التّنظيم والشّعارات والأهداف، وقف شبابها بشجاعة وتصميم أمام آلة قمع هائلة
ويوضح المقال أن البعثة البريطانية لدى مجلس الأمن استمعت إلى إفادة ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، بشأن الإجراءات الممكنة، حيث دعا صراحة إلى نشر قوة مراقبة تابعة للأمم المتحدة بشكل عاجل في محيط الفاشر، قائلًا: "إن لم نفعل، سيموت هؤلاء الناس. لقد توسّلت إليهم".
توصّل الأميركيّون إلى التّقدير ذاته. بيد أنّ الصّحيفة تُشير إلى إخفاء التّقييم الاستخباراتيّ الّذي كان من شأنه أن ينتهي بتصنيف الحادثة على أنّها إبادة جماعية. ويعتقد مصدر تحّدثت إليه "الغارديان" أنّ التحذير أخفي "لحماية اتّفاقيّة الدّفاع المشترك بين الولايات المتّحدة والإمارات العربيّة المتّحدة".
وتميط الصّحيفة اللّثام عن لقاء جمع مبعوث الرّئيس الأميركيّ إلى أفريقيا، مسعد بولس، بمسؤولين إماراتيّين وسعوديّين ومصريّين، قُبيل سقوط الفاشر في أيدي قوات الدّعم السّريع بيومين، في خريف العام الماضي، فتقول إنّ "محاولات المناقشة قوبلت بالرّفض القاطع، إذ أفادت مصادر بأنّ الإمارات هدّدت بالانسحاب من الاجتماع فور ذكر المدينة".
وذكرت المنسّقة المقيمة للأمم المتّحدة في السّودان، دينيس براون، الأسبوع الجاري، أنّ ستّة آلاف شخص على الأقلّ قُتلوا خلال ثلاثة أيّام، حين سيطرت قوّات الدّعم السّريع على مدينة الفاشر. بيد أنّ معظم الشّهادات تُؤكّد أنّ الرّقم أكبر بكثير ممّا هو مُعلَن.
وكانت الصّورة واضحة بالنّسبة لمزن النّيل، إذ شدّدت، العام الماضي، في لقاء مع موقع "المفكّرة القانونيّة على أنّ "حياة المدنيّين، بل وحتّى حياة الجنود ليستا ضمن أولويّات الأطراف المتحاربة"، وتابعت: "الحرب الحالية، بالإضافة لكونها حربًا على السّلطة بين فصيلين من النّخبة المسلّحة، هي أيضًا حرب إخضاع للحراك الثّوريّ السّودانيّ وعمليّة تهدف لإعادة حصر القرار السّياسيّ بين النّخب المسلّحة وإخراج الحراك الشّعبيّ الثّوريّ من المعادلة".
لم يكن من باب المبالغة أن كتب المخرج السّودانيّ، ياسر فايز، في نعيه مزن النّيل قائلًا إنّ بلاده فقدت امرأة عظيمة في وقت حرج. وأضيفُ على ما قاله فايز أنّ العالم فقد أيضًا، برحيل مزن النّيل، بوصلةً أساسيّةً لفهم أزمات السّودان شديدة التّعقيد.
ولعلّ الدّرس الأبرز الّذي يُمكن أن نستلهمه من تجربة الرّاحلة - الثّريّة رغم قِصرها - هو ضرورة ابتكار وسائل لفهم علميّ لطبيعة الاستغلال في السودان، بعيدًا عن التّهافت والاستقطاب، مع التّشديد على التّنظيم الشّعبيّ الواعي. لكن، في الأثناء، لا صوتَ يعلو فوق صوت المدافع، في بلاد مزّقتها الصّراعات والانقسامات، ناهيك عن التّدخّلات الإقليميّة والدّوليّة المُدمّرة.