مزارعو أوروبا أمام "حصاد كارثي".. موجات الحر والجفاف تضرب الغذاء
18 أغسطس 2026
تواجه الزراعة الأوروبية واحدة من أصعب مواسمها في العقود الأخيرة، بعدما تسببت موجات متتالية من الحر الشديد والجفاف في أضرار واسعة للمحاصيل والثروة الحيوانية، ودَفعت مزارعين في أنحاء القارة إلى التحذير من حصاد "كارثي" في بعض القطاعات.
وبحسب تقرير لصحيفة "الغارديان"، فإن الخضراوات والحبوب من بين أكثر المنتجات تضررًا، فيما باتت تداعيات الطقس المتطرف تمتد إلى إنتاج الحليب والبيض والعنب، في مؤشر على أن أزمة المناخ لم تعد تهديدًا مستقبليًا للزراعة الأوروبية، بل أصبحت واقعًا يضغط مباشرة على الغذاء ودخل المزارعين.
موجات حر متتالية
لم تكن المشكلة في موجة حر واحدة، بل في تتابع فترات الحرارة الشديدة بالتزامن مع نقص الأمطار وتراجع الموارد المائية. هذا التراكم حرم التربة والمحاصيل من فرصة التعافي، وجعل تأثير كل موجة جديدة أكثر قسوة من سابقتها.
تواجه الزراعة الأوروبية واحدة من أصعب مواسمها في العقود الأخيرة، بعدما تسببت موجات متتالية من الحر الشديد والجفاف في أضرار واسعة للمحاصيل والثروة الحيوانية
وفي أجزاء من غرب ووسط أوروبا، أدى استمرار نقص المياه إلى مضاعفة الأضرار الناجمة عن الإجهاد الحراري، وأثر في محاصيل شتوية وصيفية على حد سواء، وفق بيانات مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية.
وتأتي هذه الظروف بعد تقديرات سابقة أظهرت أن موجة الحر التي ضربت أوروبا في حزيران/يونيو وحدها تسببت في خسارة نحو 9 ملايين طن من محاصيل الحبوب، بما يعادل نحو ملياري يورو من الإيرادات المفقودة.
فرنسا.. ضربة قاسية للحبوب والخضراوات
تبدو فرنسا من أكثر الدول الأوروبية تضررًا، إذ يتوقع أن ينخفض إنتاج الحبوب، وخصوصًا الذرة، بنحو 35% مقارنة بالعام الماضي، ليعود إلى مستويات لم تُسجل منذ نحو أربعة عقود. أما قطاع الخضراوات، فتتراوح الخسائر بحسب المحصول بين 25% و100%، ما يعكس حجم الضغط الذي تعرضت له النباتات بسبب الحرارة ونقص المياه.
ولم تقتصر التداعيات على المحاصيل، إذ يعاني مربو المواشي أيضًا من ارتفاع درجات الحرارة. فالإجهاد الحراري الذي تتعرض له الأبقار يؤدي إلى تراجع إنتاج الحليب، بينما أدى انخفاض إنتاج التبن، الذي يستخدم علفًا خلال الشتاء، إلى تراجع الإمدادات بنحو 30% عن المتوسط.
وتحاول الحكومة الفرنسية تخفيف الضربة عبر إجراءات دعم مالي، من بينها حزمة مساعدات فورية بقيمة 145 مليون يورو للمزارعين المتضررين.
إيطاليا تدفع فاتورة الجفاف
في إيطاليا، وصلت الأزمة إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 60% من الأراضي الزراعية تأثرت بالجفاف، مع تركّز الأضرار في وادي بو، أحد أهم المناطق الزراعية في البلاد. وتعرضت محاصيل أساسية مثل الأرز والذرة وفول الصويا لأضرار كبيرة، فيما تجاوزت الخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي 3 مليارات يورو.
ولا يتعلق الأمر بالخسائر المالية وحدها، فالجفاف يفرض قيودًا على استخدام المياه ويجعل المزارعين أمام معادلة أكثر صعوبة، فكيف يحافظون على المحاصيل في وقت تصبح فيه المياه نفسها موردًا نادرًا؟
إسبانيا.. الحبوب والعنب تحت الضغط
في إسبانيا، تعرض إنتاج الحبوب لضربة مماثلة، بينما امتدت الأزمة إلى قطاع النبيذ. وتشير التوقعات إلى احتمال انخفاض إنتاج النبيذ بنحو 20%، بعدما أدت الحرارة والجفاف إلى إنتاج حبات عنب أصغر حجمًا.
وتكشف أزمة العنب عن طبيعة مختلفة من المخاطر، فالحرارة لا تؤدي فقط إلى انخفاض كمية الإنتاج، وإنما يمكن أن تغير توقيت النضج وتركيبة المحصول وجودته، ما يفرض على المزارعين إعادة التفكير في مواعيد الحصاد وأساليب الزراعة.
وفي فرنسا أيضًا، بدأت بعض مزارع الكروم موسم الحصاد بصورة مبكرة للغاية، في ظل تسارع نضج العنب نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر منذ الربيع.
الحيوانات أيضًا تدفع الثمن
لم تسلم الثروة الحيوانية من الأزمة. فارتفاع الحرارة يفرض ضغوطًا مباشرة على الأبقار والدواجن، ويؤدي إلى انخفاض إنتاج الحليب وزيادة مخاطر نفوق الطيور. وتراجعت إمدادات الأعلاف نتيجة ضعف نمو الأعشاب وإنتاج التبن، ما يعني أن المزارعين لا يواجهون فقط مشكلة في المحاصيل التي يبيعونها، بل أيضًا في توفير الغذاء لحيواناتهم خلال الأشهر المقبلة. كما أدى الإجهاد الحراري إلى تراجع إنتاج البيض نتيجة نفوق الدواجن في درجات الحرارة القصوى.
أزمة للمزارع وللمستهلك
تداعيات هذه الخسائر لا تتوقف عند أبواب المزارع، فضعف المحاصيل يعني انخفاض المعروض من بعض المنتجات، وهو ما يمكن أن يرفع تكاليف الغذاء ويزيد الضغوط على المستهلكين.
وتكتسب أزمة الحبوب أهمية خاصة؛ فقد أظهرت تقديرات سابقة أن موجة الحر في حزيران/يونيو تسببت وحدها في تدمير ملايين الأطنان من المحاصيل، ما أثار مخاوف بشأن انعكاس الخسائر على أسعار الغذاء في أوروبا.
وفي الوقت نفسه، يواجه المزارعون ارتفاعًا في تكاليف التكيف، من الري والتبريد إلى تغيير مواعيد الزراعة والحصاد واختيار أصناف أكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف. وفي بعض المناطق، اضطر المزارعون إلى تغيير ساعات العمل نفسها، والانتقال إلى الحصاد والعمل ليلًا لتجنب ذروة الحرارة والاستفادة من الرطوبة المتاحة خلال ساعات الليل.
المناخ يعيد رسم خريطة الزراعة
ما يحدث في أوروبا هذا الصيف لا يمثل مجرد موسم سيئ بالنسبة للمزارعين، بل يسلط الضوء على تحول أعمق في العلاقة بين الزراعة والمناخ.
فالمزارع الأوروبي الذي كان يعتمد على مواسم يمكن التنبؤ بها نسبيًا بات يواجه درجات حرارة أعلى، وفترات جفاف أطول، وموجات حر متكررة، وتغيرًا في توقيت الأمطار ومواعيد نضج المحاصيل.
وتزداد صعوبة التحدي مع تزامن الجفاف والحرارة؛ فالمحصول الذي يتعرض للإجهاد الحراري في ظل توفر المياه قد يستطيع التعافي جزئيًا، لكن نقص المياه يجعل قدرة النبات على مقاومة الحرارة أكثر محدودية.
وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن الجفاف الأوروبي في 2026 يرتبط بمزيج من الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري وظروف "إل نينيو" القوية، وقد أدى إلى أضرار واسعة في الزراعة من هولندا إلى البوسنة ووسط وشرق أوروبا.
هل تكفي المساعدات؟
تسعى الحكومات الأوروبية إلى تقديم دعم مالي للمزارعين، لكن المساعدات الطارئة لا تعالج أصل المشكلة. فالمزارع يستطيع الحصول على تعويض عن خسارة محصول، لكنه سيظل معرضًا للخسارة نفسها إذا تكررت الظروف المناخية القاسية في الموسم التالي. ولهذا تتجه الأنظار إلى إجراءات طويلة الأمد تشمل تحسين إدارة المياه، وتطوير شبكات الري، وتخزين المياه، وتغيير أنواع المحاصيل، وتحسين خصوبة التربة، واستخدام أصناف أكثر مقاومة للجفاف والحرارة.
لكن سرعة تغير الظروف المناخية تضع المزارعين أمام سباق مع الزمن. فحتى الاستثمارات التي كانت تبدو كافية قبل سنوات قد لا تكون كذلك في ظل مواسم أكثر حرارة وجفافًا.
إنذار يتجاوز الزراعة
تكشف أزمة 2026 أن تغير المناخ لم يعد قضية تخص البيئة وحدها، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بالأمن الغذائي والاقتصاد والأسعار ودخل ملايين العاملين في القطاع الزراعي.
وإذا استمرت موجات الحر والجفاف بوتيرة متزايدة، فقد تضطر أوروبا إلى إعادة التفكير في جزء من خريطتها الزراعية، فما الذي يمكن زراعته، وأين يمكن زراعته، وكمية المياه التي يمكن تخصيصها له، وكيف يمكن حماية المزارعين من خسائر تتكرر عامًا بعد عام؟
وبذلك، فإن "الأزمة غير المسبوقة" التي يعيشها المزارعون الأوروبيون قد تكون أكثر من موسم زراعي صعب، إنها اختبار لقدرة القارة على تكييف نظامها الغذائي مع مناخ يتغير بوتيرة أسرع من قدرة كثير من المزارع على التكيف معه.








