13-يونيو-2016

تفجير في بغداد تبنته داعش (Getty)

قبل أيام جمعتني الصدفة مع أحدهم. هذا الـ"أحدهم" أصغر حوت في مجموعة الحيتان الكبيرة، لكنه مثلهم يأكل كلما سنحت له الفرصة. يمارس كل أساليب هواية الارتقاء على حساب دماء الضحايا، ويقلد الحيتان الكبيرة في الخطوات التي صعدت بهم وأوصلتهم إلى ما هم عليه الآن.

الانتهازي يريد أن تُقتل أعدادٌ أخرى، ليفخر في أي اجتماع أمام الآخرين بأن إنتاجه ارتفع وقتل شخص آخر

الـ"أحدهم" يُحدثني أن المجموعة التي يقودها قُتل فيها 17 شخصًا في حادثة معينة. فقلت له نعم، كثير من العراقيين فقدوا في تلك الحادثة. يرد علي، لا، هؤلاء هم من كان يتصدى للقضية، وهؤلاء لديهم استحقاقات يجب أن يحصلوا عليها، ونحن نعتبر من الأوائل الذين أعطينا ضحايا، على عكس الآخرين لديهم عدد قليل من القتلى.

اقرأ/ي أيضًا: الحكومة في الجزائر.. طوبى للفاشلين

كان يتفاخر بأعداد القتلى التابعين لمجموعته، ويبدو من خلال حديثه أنه يريد أن تُقتل أعدادٌ أخرى، حتى يبقى يفخر في أي اجتماع أمام الآخرين بأن إنتاجه ارتفع وقتل شخص آخر. كثيرون مثل حال هذا الحوت الصغير، لكنهم يساومون بأرقام أكبر، 100 قتيل، 200 قتيل، وربما يزيدون على الأرقام الحقيقية أضعافًا حتى يكسبون أكثر.

اليوم وفي أي اجتماع أو لقاء يُعقد بين قادة الأحزاب السياسية العراقية، تحديدًا الشيعية منها، يخال لك أنك في مزاد القتلى البشري. فإذا ما أراد أحدهم أن يستقوي أمام خصمه أو منافسه، فسيتطرق بكل تأكيد لأعداد الذين قتلوا في انفجار أو في معركة ضد تنظيم داعش.

مزاد القتلى هذا لن ينتهي، فهناك من يعتاش على دماء هؤلاء، فكلما ازدادت أعداد القتلى ازدادت مكاسب هؤلاء. الأحزاب الإسلامية التي دخلت للعراق بعد عام 2003، ليس لديها إنجاز يُذكر. كل ما لديها أنها "أحزاب ضحت وأعطت دماء"

اقرأ/ي أيضًا: عقلية المجتمع الذكورية: رامز جلال مثالاً

يمر صاحب أمنية "يا ليتنا كنا معكم"، بسيارته المصفحة وقوافل الحمايات، أمام ملصقات الشهداء مبتسمًا

اليوم علينا نحن الذين اضطررنا العيش في عراق ما قبل 2003 أن ندفع ضريبة إيديولوجيات تلك الأحزاب، وأن ندفع ثمن ملاحقة صدام لهم، فهم "متفضلون علينا لأنهم أسقطوا صدام". هذا التحايل الكبير الذي حصل لنا من مجموعة سياسية بائسة رسخ فكرة واحدة، وهي أن "هؤلاء قاتلوا صدام فعليهم أن يتقاسموا أموال البلد".

بعض المحسوبين على رجال الدين دائمًا ما يقولون عندما يقرؤون أو يسمعون مقتل الإمام الحسين "يا ليتنا كنا معكم"، فهذه الـ"ليتنا" تحققت الآن، لكن لم يكن مع العراق أحد منهم، من يقف الآن هم مجموعة من غير الانتهازيين، ومقاتلين من الذين ذاقوا مرارة العيش في حكم صدام و"حكم الشيعة" الآن، بينما بقي أولئك الذين يتفاخرون بأعداد القتلى يحسبون مكاسبهم مع كل جثة تمر بطريق النجف حيث مثواها الأخير.

تعلق بعض الأحزاب السياسية اليوم صور المقاتلين الأبطال الذين قتلوا في المعارك ضد الإرهاب، وهي تفخر بهم، بينما بقيت عوائل أعداد كبيرة منهم بلا شيء يمكنه من توفير الحد الأدنى للعيش لهم، فيما يمر صاحب أمنية "يا ليتنا كنا معكم"، بسيارته المصفحة وقوافل الحمايات من أمام تلك الصور مبتسمًا "هؤلاء شهداؤنا فخرنا"، فيما تبقى عوائل القتلى تتمنى قضاء يوم كامل دون جوع.

اقرأ/ي أيضًا:

إعلاميون ضللوا الرأي العام في مصر

الامتحانات الثانوية اللبنانية: الغش هو الحل!