ultracheck
  1. قول

مركز الثقل الداعشي

19 فبراير 2017
أنصار الشيخ عمر عبد الرحمن يتظاهرون أمام السفارة الأمريكية بالقاهرة (Getty)
بلال علاء بلال علاء

في كل تيار، هناك ما يمكن تسميته بمركز ثقله الأيديولوجي، جوهر روحه، من يقف عند هذا الثقل سيكون دائمًا أكثر قدرة على الإطاحة بخصومه الداخليين، ساحبًا منهم كل شرعية وكل قدرة على مقاومته، مهما اختلفوا معه.

لم يكن غريبًا إذن أن يترحم الإسلاميون على عمر عبد الرحمن، المتورط بدون شك في دماء المئات من المدنيين الأبرياء، كما لم يكن غريبًا أن يتمكن السلفيون في مصر من هزيمة الإخوان فكريًا بعد الثورة وإجبارهم على فعل كل ما يريدون حتى ولو كان ذلك يعرض الثورة كلها للخطر، ولم يكن غريبًا، أن تنتصر داعش بمنتهى السهولة على خصومها من الجهاديين في سوريا، بدون أي قدرة على المقاومة حتى من جبهة النصرة نفسها.

شيء مذهل مشاهدة أعضاء القاعدة التكفيريين الذين يفجرون أنفسهم في كل مكان، وهم يستسلمون للدواعش خوفًا من أن يقعوا في "الفتنة"

وبنفس المنطق، لم يقدر الأخف إسلامية من النصرة على الصمود ضدها في أي حرب، وعندما صعدت مجموعة أكثر تطرفًا من النصرة في إدلب في الشمال، أي جند الأقصى، وقررت هذه المجموعة الصغيرة جدًا مواجهة القاعدة وحلفائها ولكن من موقع أكثر إسلامية منها، لم تتمكن النصرة من الصمود ضدها، وانتصرت جند الأقصى على كل خصومها من الجهاديين، وأجبرتهم أخيرًا على أن يفتحوا الطريق لها لتنضم إلى قوات داعش في الرقة.

هذا لا يعني أنه ليست هناك اختلافات بين الإسلاميين بتنوعاتهم، بل يعني تحديدًا أنه لو تركت هذه التيارات في صراع داخلي بدون مؤثرات خارجية فإن الغلبة الفكرية والمادية ستكون دومًا من نصيب الأكثر تطرفًا، حتى لو كان هذا الأكثر تطرفًا يكفرهم هم أنفسهم ويقتلهم بدون أي تردد فإن أيديهم ستظل مرتعشة في مواجهته.

اقرأ/ي أيضًا: "جبهة النصرة"... داخل تنظيم "القاعدة" أم خارجه؟

إنه شيء مذهل مشاهدة أعضاء القاعدة التكفيريين الذين يقتلون خصومهم دون أدنى إحساس بالذنب، ويفجرون أنفسهم في كل مكان، وهم يستسلمون للدواعش خوفًا من أن يقعوا في "الفتنة"، ثم مشاهدة الجهاديين الآخرين الذين بنوا أمجادهم على خلفية تشددهم في مواجهة الثوار السوريين، وهم يستسلمون بنفس الطريقة للنصرة، وهكذا.

دائمًا ما يشعر الإسلامي الأقل تطرفًا، بما يشبه الخيانة وهو يشاهد نسخة أكثر تشددًا منه، ويتحرج من الوقوف ضده، يشعر أن هذا المتطرف قد تمكن من الصمود ومواجهة العالم بشكل كان عليه هو أن يقوم به، وبما أنه قد عجز عن ذلك، فلا أقل من الاستسلام له في حالة حدوث قتال داخلي، أو الترحم عليه وتمجيده في حال مقتله على أيدي الآخرين.

من الصعب بالتأكيد الجزم بمركز الثقل الروحي للإسلاميين، إلا أنه يمكن القول أن هذا المركز شديد القرب من القدرة على مواجهة العالم كله بروح عدمية تريد تحكيم الشريعة فيه ولو على أطلاله، وكلما كانت هذه الروح أكثر أصالة في جماعة ما، كلما كانت قدرة الجماعات الأخرى على مواجهتها شديدة الضعف.

ولذلك كلما كانت أي جماعة إسلامية أكثر تصالحًا مع العالم، كلما فقدت جاذبيتها الأيديولوجية، ومن هنا كلما رأى الإسلاميون شخصًا يكفر مجموعات أكثر تنوعًا، كلما أحسوا أنه أكثر أصالة ورسوخًا وقدرة على التضحية منهم، وبالتالي عجزوا تمامًا، عن الصمود فيه وجهه، حتى لو كانت كل الحسابات السياسية والعقلانية تدعوهم لذلك، إنه أمر لا يتعلق بالشجاعة بل بالإحساس والأصالة.

يمكن القول إن مركز الثقل الروحي للإسلاميين شديد القرب من القدرة على مواجهة العالم كله بروح عدمية تريد تحكيم الشريعة فيه

لقد كانت المجموعات المسلحة التابعة للمعارضة السورية قطعًا أكثر شجاعة وثباتًا وقدرة على الإنجاز في مواجهة الأسد، وهي التي قامت بتحرير جل المناطق التي تخضع الآن لحكم القاعدة بنسختيها (داعش والنصرة)، ولكن بعد عملية أسلمة الحرب السورية، كانت هذه المجموعات نفسها، التي انتصرت في عشرات المعارك، تتراجع بشكل مخزٍ ومثير للشفقة أمام أعدائها الأكثر إسلامية منها، واحتاجت إلى أن تقتل داعش منها الآلاف بدم بارد لكي تبدأ في تكوين عقيدة قتالية ضدها.

كان الثقل الروحي لهذه الجماعات في القضاء على حكم الأسد والوقوف ضد بطشه، ولهذا امتلكت قدرة هائلة للوقوف في وجهه، ولكنها عندما دخلت في حرب جديدة، ذات ثقل روحي جديد، وهو الادعاء بتحكيم الشريعة، انهزمت بمنتهى السهولة.

إن أمرًا شبيهًا، خاضته جماعة الإخوان بالنسبة لموقفها من الثورة، لقد كانت هذه الجماعة الكبيرة التي شاركت في الثورة، غير قادرة على تعبئة أعضائها للمشاركة في الحراك الثوري بعد سقوط مبارك، وقررت الدخول في حلف مع الجيش الذي سيطيح بها بعد حين، ولكنها فعلت ذلك بسهولة، عندما امتلكت اعتصامها الخاص الشبيه بها، ورفعت شعارات إسلامية جذرية، وعندها تحولت الجماعة الإصلاحية المهادنة، إلى جماعة مجنونة تقاوم بدون أي أمل حكم عسكري مدعوم شعبيًا دون أن ينقص انعدام الأمل هذا حماسة أعضائها للاحتراق في سبيل ما لن يتحقق أبدَا.

اقرأ/ي أيضًا: السيسي خائفٌ من ثورة جديدة

كذلك كانت الجماعات الثورية بعد سقوط مبارك في مصر، والتي كان ثقلها الروحي في مواجهة العسكر، غير قادرة على لجم نفسها من الدخول في مواجهات عبثية مع الشرطة بدون أي هدف، وغير قادرة على فض اعتصامات مطولة كان الجميع متشكك أن من يتحكم فيها مندسون تابعون للأمن، وهذا لأن هذه المجموعات لم تكن قادرة على الابتعاد عن هذا المغناطيس، وكلما ادعى أحدهم امتلاكه كانت تعدو خلفه، وربما هذا يفسر قدرة إسلامي مثل حازم أبوإسماعيل على اجتذاب الكثير من مؤيدي الثورة، لأنه كان الإسلامي الوحيد القريب من هذا الثقل (مواجهة العسكر).

دائمًا ما يشعر الإسلامي الأقل تطرفًا، بما يشبه الخيانة وهو يشاهد نسخة أكثر تشددًا منه، ويتحرج من الوقوف ضده

بينما لم يقدر كل الإسلاميين على أن يفعلوا مثله، وبنفس المنطق، وبتطور الأحداث، عندما انتقل الثقل الروحي من مواجهة العسكر إلى مواجهة الإسلاميين المتحالفين معهم، لم يتمكن الثوريون المدركون لخطورة عودة الجيش للحكم مرة أخرى، من جذب الآخرين نحوهم، بينما توجه الكثيرون لهذا المغناطيس تاركين خلفهم أي شعارات ديمقراطية أو ثورية سبق أن رفعوها، وحتى عندما بدأ البعض منهم يدرك الخطورة، كان الثقل الروحي له معاداة الإسلاميين، والذي امتلكه النظام بشكل كامل، يعيده مرة أخرى لتأييد النظام ولو بتبريرات سطحية عن ضرورته المرحلية.

كل هذا لا يعني بالضرورة أنه لا سبيل لمقاومة المغناطيس الأيديولوجي، ولكن أن ذلك يحتاج عادة لتغيير الثقل الروحي للتيارات التي تقع في تلك المشكلة، وهذا التغيير عادة ما يحتاج لسنوات طويلة، تجعل ذاكرة الملاحم القديمة، التي يستمد منها هذا الثقل معناه، تخفت وتحل مكانها أساطير جديدة بأثقال روحية أخرى، كما أنه يحدث أحيانًا أن يخرج من هذه التيارات شخصيات استثنائية تكون قادرة على جعل نفسها ثقلًا روحيًا جديدًا، وبهذا تكون قادرة على تغيير أفكار ومعتقدات، لم يكن ممكنًا التخلي عنها فيما سبق، ولكن هذا أمر لا يمكن التعويل عليه أبدًا.


اقرأ/ي أيضًا:
تداع حر في عالم يتهاوى
ليس داعش وحده داعش

كلمات مفتاحية
عزمي بشارة

هجوم "معاريف" على عزمي بشارة: "صناعة عدو" وتغطية للفشل في معركة الدعم الأميركي

عندما تبدأ أقدم تحالفات إسرائيل وأكثرها موثوقية في منطقة الشرق الأوسط بالتآكل بشكل واضح، يُتاح أمام المعلقين والباحثين المهتمين بالشأن الإسرائيلي عادةً مسارٌ يستحيل انتهاجه

الحوار المهيكل

إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا بين منطق التسوية وإعادة إنتاج المرحلة الانتقالية

يقف المشهد السياسي الليبي أمام مفارقة مركّبة: من جهة، تبدو الحاجة إلى سلطة تنفيذية موحّدة شرطًا عمليًا لإنهاء الانقسام المؤسسي وتوفير بيئة انتخابية قابلة للإدارة

إيتمار بن غفير

من "العائلات الثكلى" إلى "المواطن الأمني": كيف تعيد إسرائيل توزيع العنف داخل المجتمع؟

أثار قرار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بتعيين أفراد من "العائلات الثكلى" كمراقبين على أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية جدلًا واسعًا

(Getty)
مجتمع

ماذا نعرف عن قانون "المساعدة على الموت" الذي أقرّه البرلمان الفرنسي؟

ينشئ القانون إطارًا قانونيًا جديدًا يسمح لبعض المرضى البالغين المصابين بمرض غير قابل للشفاء يهدد حياتهم بالحصول على مساعدة لإنهاء حياتهم

وزارة الثقافة المصرية
مجتمع

وزارة الثقافة المصرية تبحث عن وزير.. أبرز الأسماء ومعايير الاختيار

منذ أن تقدمت الدكتورة جيهان زكي باستقالتها من منصب وزيرة الثقافة، تصاعدت التكهنات داخل الأوساط الثقافية بشأن الشخصية التي يمكن أن تخلفها

كوليج دو فرانس
حقوق وحريات

القضاء الفرنسي ينتصر للحرية الأكاديمية.. إلغاء قرار منع ندوة المركز العربي في كوليج دو فرانس

ألغت المحكمة الإدارية في فرنسا قرار كوليج دو فرانس القاضي بإلغاء ندوة بعنوان "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة"

كأس العالم 2026
رياضة

"خيانة التيكي تاكا".. كيف أنقذ أطفال الشوارع المنتخب الإسباني من فخ الاستحواذ السلبي؟

قطف المنتخب الإسباني ثمار بيئته، حيث اعتمدت صناعة المواهب في إسبانيا على الساحات والأرصفة الخرسانية المنتشرة في طول البلاد وعرضها