مرسي بين محاكمتين.. شهادات حول الرئيس والإنسان

مرسي بين محاكمتين.. شهادات حول الرئيس والإنسان

لافتة للرئيس المصري الأسبق، الراحل محمد مرسي (Getty)

محمد مرسي، أستاذ الفلزات والبرلماني الأسبق، أول رئيس لحزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وأول رئيس مدني منتخب في مصر، و"السجين الصامد"؛ ألقاب حملها ومناصب تقلدها، حتى فارق الحياة في 17 حزيران/يونيو الماضي، عن عمر يناهز 68 عامًا. 

"مرسي.. رئيس بين محاكمتين"، وثائقي أنتجه التلفزيون العربي عن شهادات وقراءات في سيرة وشخصية محمد مرسي

قصة حياة لرجل تحول من شاهد على الأحداث، لمحورها الرئيسي. ويكفي ذكر اسمه في حد ذاته ليذكّر الجميع بواحدة من أكبر التحولات والأزمات التي حلت على المنطقة العربية في السنوات الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: وفاة محمد مرسي.. الرئيس المنتخب الوحيد في مصر ضحية للقتل البطيء

الأستاذ الجامعي محمد مرسي، الرئيس المصري الأسبق لجمهورية مصر العربية، من خلف الشاشات وبعيدًا عن الإعلام؛ كيف كانت شخصيته وكيف كان حضوره بين الشخصيات العامة، وكيف كانت آراؤه الشخصية التي لم تكن تظهر للعلن عادة.

هذا ما حاول وثائقي "مرسي.. رئيس بين محاكمتين" من إنتاج التلفزيون العربي، الإجابة عنه، عبر شهادات وقراءات من شخصيات عدة مقربة من مرسي، من بينهم نجله عبدالله، إضافةً إلى مسؤولين سياسيين تعاملوا معه خلال فترة صعوده السياسي، وكذلك شخصيات دولية بارزة، من بينهم أحمد داوود أوغلو، وزير الخارجية ورئيس الوزراء التركي السابق، والرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، والمرشح المصري الأسبق لانتخابات رئاسة الجمهورية أيمن نور، وصحفيون التقوا به في بعد الثورة من بينهم الصحفي الجزائري عثمان لحياني، وكذا قيادات في جماعة الإخوان المسلمين.

أستاذ الجامعة

قبل يومٍ واحد من ذكرى ميلاده، في 20 آب/أغسطس، بث التلفزيون العربي وثائقيًا تحت عنوان "مرسي رئيس بين محاكمتين"، وبصوت نجله عبدالله مرسي، سرد الوثائقي في البداية معلومات بسيطة حول مرسي؛ ميلاده ووفاته وتعليمه الجامعي، وحصوله على شهادة من جامعة جنوب كاليفورنيا عام 1982، حتى أصبح أستاذًا في هندسة الفلزات.

مرسي وداوود أوغلو
محمد مرسي وأحمد داوود أوغلو

الدراسة الاكاديمية لمرسي، أثّرت، كما قال الضيوف، على شخصيته وطبيعته كسياسي، فأحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي الأسبق، قال: "أنا ومرسي نمتلك تجربة أكاديمية، أنا في علم الاجتماع وهو في الهندسة، ما جعل الحوار- الذي جرى بعد تولي مرسي الرئاسة- من الناحية الفكرية ممنهج وسلس"، فيما قال الصحفي الجزائري عثمان لحياني الذي أجرى حوارًا صحفيًا مع مرسي خلال فترة رئاسته لحزب الحرية والعدالة، إن مرسي "بحكم خبرته كمهندس مرتبط بالعمل في الحياة اليومية في مصر، قال لي: مصر تحتاج معجزة".

وعن بداية سطوع نجم مرسي في العمل العام بعد انتخابه في برلمان 2000، يتذكر أيمن نور -المرشح الرئاسي الأسبق وزميل مرسي في برلمان 2000- ما ساهمت فيه خلفية مرسي الأكاديمية في عمله بالبرلمان، قائلًا: "محمد مرسي كان يؤمن بالمعلومات، والجزء العلمي كان واضح في شخصيته، فكان يؤمن بجودة العمل، وليست كثرة العمل. فأذكر له استجواب أو اثنين، لكنهما كانا من أقوى الاستجوابات في هذا الوقت".

وبالرغم من تلك الطبيعة الأكاديمية إلا أن نور يشير لطبيعته البسيطة وتضامنه مع الجميع فيشر إلى واقعة حدثت في كانون الثاني/يناير 2005، عندما دافع مرسي عن نور قبل اعتقاله من داخل البرلمان، بعد إعلان أيمن نور نيته الترشح لانتخابات الرئاسة في تلك الفترة، وحاول مرسي الدفاع عن نور بجسده، وفقًا لرواية أيمن نور.

بعد الثورة

كان الاعتقال الثاني الشهير لمحمد مرسي قبل 28 كانون الثاني/يناير 2011. وبعد عزل مبارك بدأت مرحلة جديد في حياة مرسي، حيث كان أول رئيسًا لحزب سياسي يمثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ نشأتها. و"لم يحاول الإخوان في تلك الفترة الانتقام من خصومهم السابقين"، وفقًا لما قاله الصحفي الجزائري عثمان لحياني، والذي قال له محمد مرسي عندما كان رئيسًا لحزب الحرية والعدالة في حوار صحفي تعليقًا على محاكمة مبارك: "فصيل الإخوان لا ينظر للمسألة من باب العدالة الانتقامية. والإخوان معنيون فقط بأن تأخذ العدالة مجراها، وأن يحصل الشعب على العدالة من كل المسؤولين الذين تورطوا في نهب المال العام".

وعقب فترة قصيرة كان مرسي يستعد لخطوة أخرى أكثر محورية، وهي الانتخابات الرئاسية. سرد الفيلم بعض الروايات من أيمن نور، ومختار العشري، رئيس اللجنة القانونية لحزب الحرية والعدالة سابقًا، تشير أغلبها إلى أن مرسي لم يكن من المفضلين لخوض الإخوان للانتخابات الرئاسية، وكان غير مرحب لترشحه شخصيًا. 

وقال مختار العشري عقب قرار استبعاد خيرت الشاطر من الانتخابات الرئاسية: "أبلغتُ  مرسي بأنه سيكون مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية فظل مرسي يرد: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون". 

نجل مرسي أيضًا نقل عن والده حديثًا عائليًا عقب إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية، إذ قال مرسي: "رقبتي في حبل المشنقة في مقابل وجودي على كرسي الرئاسة، فأنا أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، وأنتم ستعانون الكثير".

 الرئاسة

عقب تولي مرسي رئاسة الجمهورية بيومين، التقى بوزير الخارجية التركي وقتها أحمد داوود أوغلو. يتذكر أوغلو اللقاء قائلا: "أبرز ما لامسته من الرئيس مرسي، أنه كان واضحًا في أفكاره دون مواربة ولا يشعرك أن في جعبته أمور يخفيها. والأمر الثاني هو التواضع، فتشعر أنه صديقك وليس رئيس دولة وأنا وزير خارجية"؟

فيما قال الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي، إن مرسي كان أقرب لتوءم سياسي له: "كان لدينا أهداف واحدة أهم: نجاح الثورات في البلدين، فرأيت فيه تومًا سياسيًا. وبالرغم من المخاوف التي كانت لدى الجميع حول الإخوان المسلمين ومحاولة سيطرتهم على السلطة، إلا أن مرسي كان أكثر الناس استعدادًا للانفتاح داخل مصر".

محمد مرسي ومنصف المرزوقي
محمد مرسي ومنصف المرزوقي

وتابع المرزوقي: "بالنسبة لي هذا الرجل أكثر ديمقراطية واحترامًا لحقوق الإنسان من هؤلاء المدعين للديمقراطية وحقوق الإنسان الذين ارتموا في أحضان العسكر. لا أشمت فيهم اليوم، ولكن عندما أرى الطريقة التي عاملهم بها العسكر باحتقار، أجد أنها أفضل طريقة للتعامل معهم ليكونوا درس للأجيال القادمة".

من جانبه رصد أيمن نور تحولات كبيرة في شخصية مرسي، قائلًا: "كان الرئيس أكثر مرونة وهو رئيس من كونه نائبًا أو رئيسًا لحزب الحرية والعدالة، وتغيّر بشكل كبير، وأصبح أكثر بساطة وهدوءًا وقبولًا بالآخر. وقال لي: مستعد أركب السيارة الخاصة ونذهب للمختلفين من القوى المدنية للحديث معهم".

هبة زكريا وهي إعلامية ومقربة من عائلة مرسي، تسرد أيضًا حديثًا معه: "قابلته وطلبت منه أن يغضب ويرد على منتقديه ومنتقدي أسرته، فنظر لي وقال: عاوزاني أغضب؟! الغضب من الشيطان. نحن نؤسس لدولة قانون".

تمهيد للإطاحة

في محور "التمهيد للإطاحة"، أشار ضيوف الوثائقي إلى أن بعض الدول الغربية لم تكن مرحبة بالتجربة الديمقراطية في الوطن العربي طالما على رأسها إسلاميين، وكذلك بعض الدول العربية. 

أيمن نور قال عن ذلك: "قرار الانقلاب قرار إقليمي قبل أن يكون محلي. هذا القرار لم يتخذ في مصر. وقد أنفقت عليه المليارات. وهذا كان مصير أي شخص سوف يأتي بالديمقراطية". 

وعلى ما يبدو لم يكن مرسي مغيبًا تمامًا عما يدبر له بل كان يتوقعه. ويعزز الرئيس التونسي الأسبق، المنصف المرزوقي تلك الرؤية، بالإشارة إلى خطاب مرسي خلال القمة العربية في الرياض، الذي رفع فيه صوته عندما تحدث عن المؤامرات. ووفقًا للمرزوقي، لم يكن يفهم السبب وراء ذلك، لكن بعد ذلك وضح للمرزوقي أن مرسي كان واعيًا بخطة تدبرها الإمارات".

ويذكر السفير الإيراني السابق في مصر، مجتبى أماني، شهادته في الوثائقي، مشيرًا إلى أن اللقاء الأول بينه وبين مرسي كان في حضور علي أكبر صالحي وزير الخارجية الإيراني السابق، وكان مرسي مصرًا على تحسين إيران لعلاقتها مع الإمارات والسعودية، فرد عليه صالحي، وفقًا لشهادة أماني: "لقد طالبوا من إيران عكس ذلك، فقد طالبوا- في إشارة لبعض الدول العربية- إلا أن تعزز طهران علاقتها مع مرسي والإخوان"، وقد تعجب مرسي كثيرًا من هذا الأمر، وفقًا لأماني.

ويقول أماني إن مرسي كان قد سمح للإيرانيين بالقدوم إلى مصر، واستطاع إقناع الأجهزة الأمنية بذلك. لكن أماني تلقى خبرًا سريًا بأن السعوديين أبلغوا وكلاءهم في مصر، أن زيارة السياح الإيرانيين "خط أحمر".

المحاكمة

اتفق أغلب الضيوف على أن محاكمة مرسي بعد عزله كانت محاكمة سياسية، وهو الأمر غير الدستوري. وقد وصفها الضيوف بـ"المحاكمة غير العادلة ولا المبررة"، بالإشارة إلى ظروف الحبس والعزل التي وضع فيها مرسي.

ووفقًا لنجله، فإن عائلته لم تلتقِ به سوى ثلاث مرات، أما محاموه فالتقوا به أربع مرات فقط طوال فترة حبسه. ويقول عبدالله محمد مرسي إنهم، أي عائلته، لم يعلموا بموت مرسي إلا من خلال الإعلام، إذ لم يتلقوا إخطارًا رسميًا من الأجهزة الأمنية إلا في الساعة 11 مساءً.

على ما يبدو لن يكن مرسي مغيبًا عما يدبر له، بل كان يوتقعه، وهو الأمر الذي أكده الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي

يضيف عبدالله مرسي أنه لم يسمح للأسرة بحضور الغسل والكفن إلا على مستوى بسيط، وأنه تم إجباره، أي عبدالله مرسي، على توقيع أوراقٍ منها ما يثبت أن وفاته طبيعية، وأن الأجهزة الأمنية رفضت دفن مرسي في مسقط رأسه بقرية العدوة في محافظة الشرقية كما أوصى، ودُفن في مقبرة مرشدي جماعة الإخوان المسلمين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سياسيون حول وفاة مرسي: "تعرّض لجرائم تستوجب المحاكمة"

وثائقي "الساعات الأخيرة".. كيف كانت آخر لحظات حكم مرسي؟