مرسوم رئاسي يضمن حقوق الأكراد وسط توتر شمال شرقي سوريا
17 يناير 2026
أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع إصدار مرسوم خاص يهدف إلى ضمان حقوق المواطنين الأكراد وصون خصوصيتهم الثقافية واللغوية، مؤكدًا أن الأكراد جزء أصيل من النسيج الوطني السوري. وفي كلمة مصوّرة، دعا الشرع الأكراد إلى عدم الانجرار وراء ما وصفه بـ"روايات الفتنة"، مشددًا على تمسكه بوحدة سوريا واستقرارها وتنميتها.
ما هو المرسوم (13)؟
ينص المرسوم رقم (13) لعام 2026 على اعتبار الهوية الكردية مكوّنًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحّدة. ويتضمن المرسوم ثماني مواد، كان من أبرزها المادة (3) التي تنص على أن تُعد اللغة الكردية لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يُشكّل الكرد فيها نسبةً ملحوظة من السكان، كجزء من المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي، حيث كانت اللغة الكردية سابقًا لا تُعتبر رسمية في البلاد ولا يُسمح بتدريسها ويُمنع التحدث بها.
كما نصّت المادة (4) على إلغاء العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافة التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وتُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات، والمقصود بـ "إحصاء 1962" في سوريا هو "إحصاء الحسكة الاستثنائي"، الذي نتج عنه تجريد مئات الآلاف من الأكراد السوريين من جنسيتهم بحجة أنهم ليسوا سوريين وأنهم قدموا من أراضٍ مجاورة، ليصبح هؤلاء الأشخاص "سوريين أجانب" دون حقوق مدنية أو سياسية، بما في ذلك حقوق الملكية والعمل والتعليم والترشح.
كذلك نصّت المادة (5) على أن يُعد عيد "النوروز" (21 آذار/مارس) عطلة رسمية، وهو عيد يحتفل فيه الكرد والفرس بمناسبة رأس السنة الكردية وبداية فصل الربيع.
ينص المرسوم رقم (13) لعام 2026 على اعتبار الهوية الكردية مكوّنًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحّدة
وكان الشرع قد أصدر المرسوم رقم 188 لعام 2025 في 29 أيلول/سبتمبر، القاضي بتحديد الأعياد الرسمية، ولم يشمل عيد النوروز، ما أثار وقتها موجة من الانتقادات من المكوّن الكردي اعتراضًا على عدم تضمين عيدهم عطلة رسمية.
ما هو موقف الإدارة الذاتية من المرسوم الرئاسي؟
وبعد هذا المرسوم بساعتين، أصدر مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، بيانًا قال فيه: "بناءً على دعوات من الدول الصديقة والوسطاء، وإبدائنا لحسن النية في إتمام عملية الدمج والالتزام بتنفيذ بنود اتفاقية العاشر من آذار، قررنا سحب قواتنا غدًا صباحًا الساعة 7 من مناطق التماس الحالية شرقي حلب، التي تتعرض لهجمات منذ يومين، وذلك نحو إعادة تموضع في مناطق شرق الفرات".
وفي أول رد رسمي، قالت الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا إنها تابعت المرسوم الصادر عن الرئيس السوري أحمد الشرع، والمتعلق بحقوق الشعب الكردي في البلاد، مؤكدةً في هذا السياق أن "الحقوق لا تُصان بالمراسيم المؤقتة، وإنما تُحمى وتُرسّخ عبر الدساتير الدائمة التي تعبّر عن إرادة الشعوب والمكوّنات كافة".
وأضافت، في بيان، أن "إصدار أي مرسوم، مهما كانت نواياه، لا يمكن أن يشكّل ضمانة حقيقية لحقوق المكوّنات السورية، ما لم يكن جزءًا من إطار دستوري شامل يقرّ ويصون حقوق الجميع دون استثناء"، مشددةً على "ما ورد في العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية بشأن ضرورة صياغة دستور ديمقراطي تعددي يحمي ويصون حقوق جميع المكوّنات والمجتمعات والمعتقدات السورية، باعتبار هذا التنوع مصدر قوة سوريا وجمالها الحقيقي".
واعتبرت الإدارة الذاتية أن المرسوم "قد يُعد خطوة أولى"، إلا أنه "لا يلبّي طموحات وآمال الشعب السوري الذي قدّم تضحيات جسام وخاض ثورة حقيقية من أجل نيل حقوقه المشروعة وبناء دولة ديمقراطية ينعم فيها الجميع بحياة حرة وكريمة قائمة على العدالة والمساواة".
وختمت بالتأكيد مجددًا أن "الحل الجذري لقضية الحقوق والحريات في سوريا يكمن في حوار وطني شامل، وفي دستور ديمقراطي لا مركزي يضمن الشراكة الحقيقية بين جميع السوريين، ويضع أسس دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية".
التحالف الدولي يدخل على خط دير حافر
وكان قد سبق كلًا من مرسوم الشرع وبيان عبدي اجتماع قوات التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في منطقة دير حافر في ريف حلب الشرقي، لبحث خفض التصعيد مع الحكومة السورية. ونقلت وكالة "فرانس برس" عن المتحدث باسم "قسد"، فرهاد الشامي، قوله إن "لقاءً جمع أعضاء قيادة قسد مع قيادة التحالف الدولي في دير حافر لبحث خفض التصعيد"، فيما أفاد مصدر عسكري حكومي سوري بأن "رتلًا للتحالف الدولي" دخل المنطقة الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب شمال سوريا.
وتُعد قسد حليفة للتحالف الدولي في محاربة تنظيم داعش، ويُخصَّص لها تمويل سنوي من قبل وزارة الدفاع الأميركية، حيث خُصص لها 130 مليون دولار ضمن موازنة عام 2026.
وفي السياق الأميركي وصل كل من المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس باراك، وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، صباح اليوم السبت، إلى مدينة أربيل، حيث من المقرر أن يجتمعا في وقت لاحق.
وأفاد موقع "المونيتور" الأميركي، أمس الجمعة، بأن أربيل، ستحتضن لقاء مرتقبًا بين توم باراك وعبدي، وسط تصاعد التوترات التي تهدد بتقويض اتفاق هش بين قسد ودمشق
ومع صباح اليوم، انسحبت قوات "قسد" من منطقة دير حافر، وأعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري أن قواتها بسطت سيطرتها العسكرية الكاملة على مدينة دير حافر. وأضافت الهيئة أن وحدات الجيش تعمل حاليًا على تأمين المدينة وتنفيذ عمليات تمشيط لإزالة الألغام والمخلّفات الحربية.
"قسد" بين النفوذ الميداني والاندماج مع الدولة السورية
تسيطر قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، والتي يُقدَّر قوامها بنحو 100 ألف مقاتل بحسب تصريح عبدي، على ما يقارب 26% من مساحة سوريا، ضمن المنطقة الممتدة شمال شرقي سوريا، أو ما يُعرف بمنطقة شمال شرق الفرات، وهي منطقة تتمركز فيها غالبية الكرد في سوريا إلى جانب مكوّنات أخرى من العرب والسريان. كما تشمل هذه المنطقة نحو 90 % من الثروة النفطية السورية.
وعقب سقوط نظام الأسد، وُقّع "اتفاق العاشر" من آذار بين الحكومة السورية و"قسد"، الذي يقضي في بنده الثاني بأن "المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية". كما ينص البند الرابع على "دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز".
وجرت مجموعة من المفاوضات بين الجانبين للاتفاق على آلية الاندماج، حيث أصرت "قسد" على أن تندمج قواتها بشكل كتلة واحدة ضمن الجيش، إلى جانب تحويل نظام الحكم من المركزي إلى اللامركزي أو إلى الفيدرالية، وهو ما لم تقبل به الحكومة السورية.
وخلال فترة المفاوضات، استمر وقوع اشتباكات متفرقة على خطوط التماس، إلى أن انتهت مهلة تنفيذ اتفاق آذار مع نهاية العام الماضي. وبدأت في 8 كانون الثاني/يناير معركة حيي الأشرفية والشيخ مقصود ضمن محافظة حلب، التي تسيطر عليهما "قسد". وبعد خمسة أيام من المعركة، انسحبت قوات "قسد" من الحيين إلى شمال شرق الفرات، لتبدأ التحضيرات للمعركة الثانية ضمن منطقة دير حافر شرقي محافظة حلب، حيث أعلن الجيش السوري في 13 من الشهر نفسه دير حافر ومسكنة ومحيطهما منطقة عسكرية مغلقة، وبدأ كل من الطرفين بالتحشيد العسكري، لتكون المنطقة على حافة مواجهة جديدة.