مراسلون بلا حدود: حرية الصحافة عام 2026 في أدنى مستوياتها
30 ابريل 2026
سجّل التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2026، الصادر عن مراسلون بلا حدود، تدهورًا غير مسبوق، حيث وصلت حرية الإعلام إلى أسوأ مستوياتها منذ ربع قرن، في مؤشر يعكس تحولات عميقة وخطيرة في المشهد الإعلامي العالمي.
تراجع تاريخي ومؤشرات مقلقة
وحسب التقرير الصادر صباح الخميس، فللمرة الأولى منذ إطلاق التصنيف عام 2001، بات أكثر من نصف دول العالم (52.2%) ضمن فئة "صعب" أو "خطير للغاية"، مقارنة بنسبة 13.7% فقط عام 2002. كما انخفض متوسط تقييم الدول إلى أدنى مستوى في 25 عامًا، وسط تآكل مستمر لحق الوصول إلى المعلومات.
الأخطر أن أقل من 1% فقط من سكان العالم يعيشون اليوم في دول تُصنَّف أوضاع الصحافة فيها بأنها "جيدة"، بعد أن كانت النسبة 20% قبل ربع قرن، ما يعكس انكماشًا حادًا في فضاء الحريات الإعلامية.
القانون كسلاح ضد الصحافة
أبرز ما ميّز تصنيف 2026 هو الانهيار الكبير في المؤشر القانوني، الذي سجّل أسوأ أداء بين المؤشرات الخمسة (القانوني، السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، والأمني). فقد شهد أكثر من 60% من الدول تراجعًا في هذا الجانب، نتيجة تزايد استخدام القوانين لتجريم العمل الصحفي.
1% فقط من سكان العالم يعيشون اليوم في دول تُصنَّف أوضاع الصحافة فيها بأنها "جيدة"، بعد أن كانت النسبة 20% قبل ربع قرن، ما يعكس انكماشًا حادًا في فضاء الحريات الإعلامية
وتشير المعطيات إلى تصاعد توظيف قوانين الأمن القومي ومكافحة الإرهاب كأدوات لتقييد الصحفيين، ليس فقط في الأنظمة الاستبدادية، بل أيضًا داخل بعض الديمقراطيات، ما يعكس تحولًا عالميًا نحو "الشرعنة القانونية للقمع".
مناطق النزاع: الصحافة تحت النار
لعبت الحروب دورًا مركزيًا في هذا التراجع، خاصة في دول مثل العراق (162)، السودان (161)، واليمن (164)، حيث أصبح العمل الصحفي محفوفًا بالمخاطر.
وفي فلسطين (156)، أدى العدوان الذي يشنه الاحتلال الإسرائيلي إلى استشهاد أكثر من 220 صحفيًا في غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينهم 70 أثناء أداء عملهم، ما يجعلها واحدة من أكثر البيئات دموية للصحافة في العصر الحديث.
كما تستمر روسيا (172) في تضييق الخناق على الإعلام وسط الحرب على أوكرانيا، بينما تحتل إيران (177) مواقع متأخرة وسط تصاعد القمع الداخلي والتوترات الخارجية، وفقًا للتقرير.
أنظمة مغلقة وقمع مستمر
لا تزال الدول ذات الأنظمة الاستبدادية تحتل ذيل الترتيب، مثل الصين (178)، كوريا الشمالية (179)، وإريتريا (180)، التي بقيت في المرتبة الأخيرة للعام الثالث على التوالي.
وفي هذه البيئات، يُعتقل الصحفيون لفترات طويلة دون محاكمة، كما هو حال الصحفي داويت إسحاق، الذي أمضى 25 عامًا في السجن في إريتريا.
تحولات سياسية وتأثيراتها
شهدت بعض الدول تدهورًا حادًا بسبب تغيرات سياسية، مثل هونغ كونغ التي فقدت 122 مرتبة منذ خضوعها للسلطة الصينية، والسلفادور التي تراجعت 105 مراتب منذ 2014.
أما النيجر، فسجلت أكبر تراجع هذا العام (-37 مرتبة)، نتيجة تداخل العنف المسلح مع القمع العسكري.
في المقابل، برزت سوريا (141) كحالة استثنائية، حيث حققت أكبر تقدم (+36 مرتبة) بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، ودخول البلاد مرحلة انتقال سياسي.
الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية: تراجع مقلق
في القارة الأميركية، تراجعت الولايات المتحدة إلى المرتبة 64 (-7)، مع تصاعد الخطاب المعادي للصحافة خلال فترة دونالد ترامب، إضافة إلى تقليص دور مؤسسات إعلامية دولية مثل "صوت أميركا".
كما تعاني أميركا اللاتينية من مزيج خطير من العنف المرتبط بالجريمة المنظمة والضغوط السياسية، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في دول مثل الأرجنتين، البيرو، وفنزويلا.
تآكل الحماية وتصاعد الإفلات من العقاب
تشير البيانات إلى أن آليات حماية الصحفيين إما غائبة أو غير فعالة في أكثر من 80% من الدول، في وقت يتزايد فيه الإفلات من العقاب وتتراجع فعالية القانون الدولي.
ورغم وجود مبادرات مثل التشريعات الأوروبية لحماية الإعلام، إلا أن تطبيقها على المستوى الوطني لا يزال محدودًا، ما يفاقم الأزمة.
ووسط هذا الواقع، تحذر "مراسلون بلا حدود" من أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن حماية الصحافة لم تعد مسألة مبدئية فقط، بل ضرورة ملحة تتطلب سياسات فعلية وإرادة دولية حقيقية لوقف هذا التدهور المستمر.