ultracheck
  1. ثقافة
  2. أدب

مراسلات بين وليام جولدنج ومحرره تكشف كواليس صناعة أعماله الأشهر

23 ديسمبر 2025
2559.jpg
وليام جولدنج (The Guardian)
هناء نصيرهناء نصير

هذه المقالة هي ترجمة لمقالة William Golding: The Faber Letters review – the making of a masterpiece للكاتب بليك موريسون في صحيفة "الغارديان".

____________________________

عندما قدم وليام جولدنج "إله الذباب" إلى فايبر في العام 1853، كانت قد رفضت على الأقل سبع مرات، وربما يصل عدد مرات الرفض إلى عشرين مرة. كان بإمكان تشالز مونتيث أن يخمن، من الحال المزرية لأوراق النصّ المنسوخ، الدوائر التي دار فيها العمل. كما وصفها قارئ من قراء فايبر: "سخيفة وغير مثيرة للاهتمام، قمامة مملة. بلا مغزى". لكن مونتيث، الشاب، الجديد في الوظيفة، رأى إمكانات الكتاب، وأشار على جولدنج، المدرس الأربعيني من ساليزبيري، الطرائق التي قد تحسن العمل. روجعت الرواية وأعيد الاشتغال عليها والحذف منها أكثر مما توقع مونتيث، حتى أصبحت فيما بعد من كلاسيكيات الفصول الدراسية. وهكذا بدأت صداقة بين المؤلف والمحرر استمرت أربعين عامًا.

كانت بدايات مراسلاتهما البريدية في غاية الرسمية؛ أخذ الأمر حوالي عامين حتى تحولت عزيزي مونتيث وعزيزي جولدنج، إلى عزيزي تشارلز وعزيزي بيل. لكن كاثنين من أبناء الريف، درسا الأدب الإنجليزي في أوكسفورد، حدث بينهما تناغم. وبعد عملية الانقاذ التي جرت للرواية الأولى، بقي جولدنج ممتنًا لأية مساعدة يمكنه الحصول عليها: "أنا بين يديك كالعادة. ليس لدي شعور محدد بالتملك تجاه الكتاب". للسنوات القليلة التالية، لمسة مونتيث كانت رقيقة: بحماس، قد يصل لحدّ الانبهار، أكد لجولدنج أن مسودتي روايتيه "الورثة"، و"سقوط حر" كانتا كاملتين. لكن مع الروايات الأخيرة، مثل "البرج"، و"طقوس العبور"، أضحت الملاحظات التحريرية أقسى وأشمل. لكن ذلك لم يحدث انفصالًا. "دائمًأ ما كان لدي شعور بوجودك هناك، حاضرًا دون أن تتنفس، تحت رقبتي!" يكتب جولدنج. لكنه لم يفكر أبدًا جديًا في الانتقال لدار نشر ثانية؟

ليس كأنه توقف عن القلق، سواء حول كتابته عددًا قليلًا جدًا من الكتب ("أدرك أي مساهم غير مرضٍ في قائمتك أكونه") أو بيع عدد قليل من نسخ رواياته ("أحظى باعتراف عالمي، لكني غير مقروء")، أو حين أتى النجاح، هذا ثراء فاحش ("حساباتكم ترسل لنا مبالغ غير معقولة من المال"، "هل أصبح ملوثًا بالنزعة للتربح"). قلق ألا يفوق مستوى كتابته الخربشة، اعتاد الاستخفاف بالمسودات التي يرسلها: "هذه الفوضى المزرية"، "حمل من براز سمك القد"، "يبدو أنني كتبت العمل بالكامل ويدي مقيدة خلف ظهري". في مسودة رواية "سقوط حر"، استخدم جولدنج "كلمة نابية". لم يعترض مونتيث ("هذا التأدب السخيف في استخدام بديل للكلمة النابية، سيكون سخيفًا) لكنه أوضح أن رابطة الكتب قد تعترض مما قد يدمر البيع. تراجع جولدنج، وفي الرواية المنشورة، استخدمت عبارة "كاذب حقير".

عمله على تحرير "إله الذباب" يقف على قدم المساواة مع عمل ماكسويل بيركنز على "جاتسبي العظيم"، إدوارد جارنيت على "أبناء وعشاق"، وعذرا باوند على "أرض الخراب"

بمرور الوقت، مع تزايد الدعوات لإلقاء محاضرات بالخارج، والتعاقد على تحويل الروايات إلى أفلام، وتواصل اثنين من الأكاديميين ("توأم ملائكي")، نمت ثقة جولدنج. في الولايات المتحدة، "دُلل، ورُفع إلى مصاف النجوم، وأُشيد به، واستُقبل بحفاوة بالغة" في جو من "الولع المفرط بالثقافة الإنجليزية". عند عودته إلى بلاده، مُنح وسام الإمبراطورية البريطانية، مما جعله يشعر "بالفخر والخجل في آنٍ واحد، كفتاة أنجبت ثلاثة توائم غير شرعيين". وإدراكًا منه لمخاطر الإفراط في المديح، اتهم نفسه بالغرور، وقلق من أن يصبح "محنطًا قليلًا، إن لم يكن محنطًا بالكامل". لكن المراجعات أرعبته ("كم أجد نفسي معتمدًا بشكل لا يُصدق على المديح أو اللوم - بشكل مثير للاشمئزاز")، وحرص على أن يكون خارج البلاد يوم النشر، "حين تسقط البلطة". كان يكره إجراء المقابلات، ورفض معظم العروض.

على الرغم من اعتيادهما اللقاء كصديقين، إلا أن مونتيث بذل الكثير من الجهد لرفع حالة الكاتب المعنوية، شأنه شأن زملائه الآخرين في دار فابر الذين أُرسلت إليهم هذه الرسائل، التي علّق عليها تيم كيندال ببراعة. عناوين الكتب كانت كابوسًا. فإلى أن استقر فابر على رواية "إله الذباب"، أطلق غولدينغ عليها عنوانًا مملًا هو "غرباء من الداخل"، واقترح، مازحًا، عنوان "انتصاب في بارتشستر" لما أصبح لاحقًا رواية "البرج". ورغم حرص مونتيث الشديد على عدم الإساءة للكاتب، إلا أنه كان يضغط لخروج أعمال جديدة وتسريع نشرها. حقق نجاحًا باهرًا في بداياته، إلى أن واجه غولدينغ فترة عصيبة في منتصف مسيرته، حيث انشغل بالسفر والجولات المحاضرات والإفراط في الشرب، فلم يعد قادرًا على كتابة الروايات. ثم جاءت المرحلة المتأخرة المظفرة التي تضمنت ثلاثيته البحرية. وصف غولدينغ الجزء الأول، "طقوس العبور"، بأنه "كلام فارغ"، لكنها فازت بجائزة بوكر.

لم يرد في الرسائل ذكر إفراط الكاتب في شرب الخمور، كذلك مشكلات صحة ابنه العقلية. كارثتان تعرض لهما أثناء الإبحار، جراحة بتر الثدي التي أجريت لزوجته آن، أو فوزه بجائزة نوبل. كذلك لم يرد فيها معاناة جولدنج الشديدة حال تأخر مونتيث (تأخر لمدة أسبوع!) في إرسال ملاحظاته على ما أرسل إليه حديثًا من كتابة: "قلبي ليس في قدمي، بل هو مدفون تحتهما" كما جاء في إحدى مداخل مذكراته؛ المقتبس هنا في المقدمة. إنها صداقة حميمة ومثمرة ("بطريقة ما، أنا ككاتب جزئيًا من صنعك" جولدنج مخاطبًا مونتيث) لكن الخطابات ليست حميمية كمذكراته. قرب النهاية، حين أصبح جولدنج يراسل محريين آخرين، بمن فيهم ماثيو إيفانز وجون بودلي، كانت مراسلاته أقصر وأقرب للعملية. كل التقدير لإخلاص فايبر لنشرهم كتاب من ستمائة صفحة، مما يعني عدم توقع شرائه من جمهور واسع. تأمل فقط في القليل من الفكاهة الخبيثة والنميمة القاتلة بين المراسلات المتبادلة.

كان مونتيث أيضًا ناشر لاركين، هيوز، وهايني. عمله على تحرير "إله الذباب" يقف على قدم المساواة مع عمل ماكسويل بيركنز على "جاتسبي العظيم"، إدوارد جارنيت على "أبناء وعشاق"، وعذرا باوند على "أرض الخراب". في سنوات تالية، يوضح كيندل، اعتاد مونتيث السفر إلى كورنوال للإقامة عدة أيام مع جولدنج، وتحرير كتابته حول زجاجات النبيذ. وحتى عندما تقاعد، استمر مونتيث في لعب دور الناصح والممكن. يكشف الكتاب دقائق المهنة: محاولات الإقناع، العقود، مواعيد التسليم، والجوائز. من الجيد أيضًا رؤية كل تلك التفاصيل الغريبة، مثل شكاوى غولدينغ من مضايقات تلاميذ المدارس الذين يدّعون أن نظارات بيغي في رواية "سيد الذباب" لم تكن لتُستخدم لإشعال النار، أو انزعاجه من صورة دعائية في مجلة فوغ، مُعاد نشرها مع صور أخرى هنا، والتي "تجعلني أبدو كما لو كنت جالسًا في مركز شرطة أحاول تبرير حيازتي لمجموعة من البطاقات البريدية القذرة". إنه عالم نشر مفقود- غداء وعشاء مع مشروبات كحولية بدلًا من شطائر سريعة التحضير على المكتب؛ رسائل مكتوبة بخط اليد بدلًا من رسائل البريد الإلكتروني- ولكنه عالم ساحر على أية حال.

كلمات مفتاحية
حيدر الغزالي

حوار| حيدر الغزالي: غزة منحتني أصعبَ إقامةٍ أدبية في الحرب

تُرجمت نصوصه التي يكتبها على صفحته الشخصية في منصة "فيسبوك" إلى ثماني لغات

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png

قصائد حسن عامر.. عن النسيان الدرامي ومواجهة مسرحة الحياة

قراءة في تجربة الشاعر حسن عامر

book-web-sawt.jpg

"الأرض التي ملكت قلبي" .. محاولة غير مقنعة لتكريم أبطال لم يتوقف عندهم التاريخ

مراجعة رواية "الأرض التي ملكت قلبي" للكاتب المصري محمد المشد

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

بين الوهم والعلاج: تطبيقات الذكاء الاصطناعي تهدد سلامة المرضى

يلجأ ملايين المرضى حول العالم إلى روبوتات المحادثة والتطبيقات الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على "تشخيصات"، لكن ذلك تسبب بالكثير من الأضرار

صورة تعبيرية
مجتمع

الهند تشدد قبضتها على منصات التواصل الاجتماعي بقاعدة الإزالة خلال ثلاث ساعات

يُنظر إلى هذا القرار على أنه تأكيد لموقع الهند كواحدة من أكثر الدول تشددًا في تنظيم المحتوى على الإنترنت

برشلونة
رياضة

آراوخو يكشف معاناته مع القلق والاكتئاب ويؤكد: الاستراحة أنقذتني

كشف قائد برشلونة رونالد آراوخو عن معاناة طويلة امتدت لعام ونصف مع القلق، قبل أن تتطور إلى اكتئاب دفعه في النهاية لطلب استراحة مفتوحة من كرة القدم

لاريجاني وبوسعيدي
سياق متصل

لاريجاني في مسقط ونتنياهو إلى واشنطن: ما دلالات التحركات المتزامنة؟

التقى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، في مسقط، سلطان عُمان هيثم بن طارق ووزير الخارجية بدر البوسعيدي