مدينةٌ يحاصرها الانحطاط

مدينةٌ يحاصرها الانحطاط

طفلٌ وحماره المحمل بالحطب في تعز اليمنية التي تعيش نقصًا حادًا في المواد الأساسية (Getty)

لن يعود أخي إلى المنزل هذه الليلة.. لقد تم حجزه في المدخل الغربي للمدينة من قبل نقطة تفتيش تابعة لمليشيا الحوثي والمخلوع صالح والسبب أنه يحمل معه أسطوانة غاز منزلي. خلال ستة أشهر مضت، تفاوت الحصار الغذائي والسلعي والدوائي الذي تضربه مليشيا الحوثي وصالح على تعز، لكنه بلغ ذروته في اﻷسابيع اﻷخيرة.

يقوم جنود الحوثي وصالح بفتح اسطوانات الغاز، وتفريغ محتواها، ثم يتم تسليمها لأصحابها

باﻷمس ضمتني جلسة المقيل بنخبة من الكتاب والصحفيين وقادة المجتمع، قال شاعر بأنه رأى امرأة عند حاجز المليشيا في المدخل الشرقي وهي تحمل مؤونة عائلتها "كيلو طماطم، كيلو بطاطا وبعض الخضروات" التي اشترتها من سوق قرب مدخل المدينة التي نفدت السلع من أسواقها جراء الحصار قبل أن يوقفها جنود المليشيا ويفرغوا مؤونتها بعنجهية في اﻷرض ويدوسوها بنعالهم.. قال آخر بأنه شهد حالات كهذه عند مروره بحواجز المليشيات.. أكد ذلك آخرون.

يقول جنود المليشيا الطائفية بأنهم يقطعون أي إمداد عن "الدواعش"، وهذا يصل إلى حد منع دخول كيلو بطاطا أو سلطة خضراء إلى مدينة صغيرة ومكتظة بمئات اﻵلاف من المدنيين الجائعين.
مراسل صحيفة عربية، في نفس المقيل، قال بأنه خرج إلى سوق متاخم للمدخل الغربي لشراء غالون بنزين لمولده الكهربائي في ظل انقطاع الكهرباء نهائيًا عن تعز لقرابة 180 يومًا، استوقفه حاجز المليشيا وأخذ منه غالون البنزين وبعد إصرار الصحافي على استعادته قام أحدهم بإفراغ الغالون في اﻷرض وأعاده فارغًا.

اﻷمر لا يقتصر على منع دخول البنزين والديزل، بل كذلك اسطوانات الغاز التي يقوم جنود الحوثي وصالح بفتحها وتفريغ محتواها، إلى أن تنفد ثم يتم تسليمها لأصحابها. قد لا تصدقون أن تبلغ الدناءة بمجرمين أن يمنعوا دخول كيلو الطماطم او اسطوانة الغاز أو غالون الديزل. وقد لا تصدقون بأن يتم حجز مخزون هذه المدينة من الغاز ومنعه عن مواطنيها لشهور طوال.. لينتهي السيناريو بسرقة الحوثيين لـ10 آلاف اسطوانة بغرض بيعها في السوق السوداء وتفجير الباقي. وقد لا تصدقون أن المليشيا استنزفت مخزون القمح بتعز وخزنت السلاح في مصنع صوامع الغلال اﻷكبر عربيا بمدينة عدن ليتم استهدافه من قبل الطيران ويتطاير الدقيق في البحر الذي أصبح عجينًا، فيما يموت ملايين اليمنيين جوعًا. لن تصدقوا وجود قذارة كهذه في هذا العالم.. وأن يصل خبث جماعة عرقية وطائفية فاشية إلى هذا المستوى من الانحطاط.

اقرأ/ي للكاتب: سيِّدُ القوارِض العجوز

نحن أيضًا لم نصدق التاريخ وهو يروي لنا مبهوتًا تدمير اﻷئمة الزيديين لبيوت معارضيهم، ونهب أموالهم ومحاصيلهم وحصار المدن وقطع الرؤوس والتمثيل بالجثث، وإجبار اﻷسرى على حمل رؤوس ذويهم المقطوعة والسير بها أيامًا وأسابيع لملاقاة حاكمهم "الإمام" الذي نكّل بهم، لم نصدق أن الإمامة الزيدية أبادت طائفة زيدية كـ"المطرفية" عن بكرة أبيها ﻷنها فقط قالت بعدم حصر تولي الإمامة عرقيًا في نسل الحسن والحسين.

لم نصدق ما حكاه التاريخ عن تدمير المنارات والمساجد، حتى كره الناس الدين والتدين. ولم نصدق البردوني حين حكى لنا عن دنس البلاد التي "باعت اﻷرض في شراء السماد" حتى أصبح تدمير البلد ومن فيه وسيلة "قرآنية" لحكم آل محمد وأحفاده. ولم نصدق أن حب أحفاد محمد (الهاشميين) فرض غصب على كل مسلم لدخول الجنة، ولو كانوا تجار مخدرات وسلاح ومهربين ومختلسين كبار.. وأن بغض المجرمين منهم جريمة، توجب التنكيل في الدنيا والنار في اﻵخرة!

لم نصدق أن بغض بعض المجرمين من "الهاشميين" جريمة، توجب التنكيل في الدنيا والنار في اﻵخرة

لم نصدق ولم نؤمن بوجود قبح كهذا حتى رأيناه بأعيننا، وعايشناه بلحمنا ودمنا وجوعنا وقهرنا، كان خيالنا القبيح متواضعًا للغاية، وأخبثنا طويةً كان يقول بتغير الزمان وانتهاء نعرات الطوائف القذرة. لقد تهنا جميعًا في اﻷناشيد الوطنية لعقود وفي "النضال" ضمن "مشاريع وطنية". وها هو المشروع الوطني يتحول إلى "لو استطعنا قطع الهواء عنكم يا أبناء تعز لقطعناه" كما يقول صحفي صديق على لسان مقاتل حوثي.

"نحن جميعًا يمنيون" هكذا يبرر ويفسر صحفي آخر يتحاذق لمصلحة طائفيته، هذا الصراع، في مسعى لخلق خصوصية وطنية تقوم على حق طائفته في أن تقتل وتنهب، وحق باقي اليمنيين في الموت ذلًا خاشعين وهاتفين بحياة القتلة والوطن الماخور.

إن تفاصيل بسيطة كهذه أجدر بأن تذكر وتناقش من كل تنظيرات الساسة الملاعين في اليمن، بمن فيهم نخبة صنعاء القذرة التي تتحفظ وتتستر على كل هذا الإجرام بدعوى عدم تأجيج النزعة الطائفية والعنصرية! ﻷن هذه التفاصيل لن ترد في أعمال مصور يتقاضى سبعة آلاف دولار عن يوم واحد يصور فيه اﻷوضاع الحميمة لصاروخ هبط في صنعاء القديمة لترفع أوروبا عقيرتها ضد استهداف التراث طلبًا لشيك سعودي جديد يصمغ الشفاه.

وﻷن هذه التفاصيل لن توردها قناة فضائية، تستنكف من توظيف مراسل لها في مدينة ليست في حسابات الأوغاد الاستراتيجيين، ولا معنى لها في أدبيات دول تشتري الحماقات وخدع القبائل الجبانة وذقون المتأسلمين الانتهازية. لا أحد يريد معرفة هذه التفاصيل، ولا حتى نحن الموجوعين بما هو أبشع وأنكى.. لكننا نحاول وسنحاول الحديث عنها، مهما بدا ذلك ساذجًا ومثيرًا للضجر.

اقرأ/ي للكاتب: 

الحوثيون والكلاب

من القات اليمني إلى حبوب الهلوسة العربية