مخترعون جزائريون.. تحت عدسة التجاهل

مخترعون جزائريون.. تحت عدسة التجاهل

احتجاجات طلابية في الجزائر سنة 2011(صورة أرشيفية/فاروق بعطيش/أ.ف.ب)

ثلاث سنوات من البحث عن جهة تتبنى المشروع، المتمثل في سيارة رباعية الدفع فولاذية بتكلفة لا تتجاوز 120 ألف دينار جزائري أي ما يعادل ألف دولار، هي سيارة اخترعها الشاب عبد الرحيم كويني بالجزائر، عندما كان عمره 17 سنة، كان حلمه اختراع سيارة جزائرية مائة بالمائة، لكن بات الأمل تدريجيًا بعيد التحقيق، ليترك السيارة في مرآب بيت العائلة.

آلاف الكفاءات الجزائرية لم تجد حاضنة لها في بلدها، إلا أنها في رحلة دائمة للبحث عن محيط يحترم العقل البشري ويساعد الفرد على تحقيق الأحلام

عبد الرحيم لا يزال يعانق الحلم ليواصل دراساته العليا في أي دولة تتبنى مشروعه بعدما تحطم أمله الأول، يقول لـ"الترا صوت" : "إن الكثير من الشباب الباحثين عن إنجاز أحلامهم أو أفكارهم في الواقع تعلقوا بتحقيق الحلم، ولكنهم فشلوا في بداية الطريق، ليلجؤوا إلى بلدان أخرى احتضنت إنجازاتهم وأفكارهم، بعد أن تعبوا من اللهث والبحث عن جهة تتبنى مشاريعهم في الجزائر".

اقرأ/ي أيضًا: تونسية شابة تقدم أملًا جديدًا لمرضى الزهايمر

كثيرة هي الأسماء التي أفل نجمها في الجزائر وسطع نجمها تحت سماء أخرى، هكذا قضى التجاهل على "الحلم الجزائري". "حلم تكسر أمام أسوار عالية، قتلت الطموح في قلوب الكثيرين وتمكن آخرون من معانقة الحلم في بلد آخر"، هي كلمات قالها الطالب الجامعي حسين سايحي من مدينة الجلفة جنوبي العاصمة الجزائرية لـ"الترا صوت"، وهو الذي درس علوم الكيمياء ولأنه كان مولعًا بكل ما له علاقة بالإنسان، كان يبحث دومًا عن حلول لمشكلة ما، لما وجده من أمراض متفشية في بعض المناطق الجنوبية في البلاد، والمثير في الأمر أن حسين تمكن من إيجاد حل للمياه الملوثة بطريقة بسيطة، حيث اخترع آلة لتصفية المياه قبل وصولها إلى الحنفية، يقول عنها إنها "لا تكلف الكثير، خصوصًا إن تم تطويرها دون اللجوء إلى مضخات كبرى". ويحاول حسين الآن أن يكمل دراسته في جامعة ألمانية بهدف أن يرى مشروعه النور.

أما فوزي بن رحمة، فهو شاب جزائري تمكن من اكتشاف استعمال الطاقة الشمسية من أجل شحن بطاريات الهواتف الذكية بالاعتماد على الضوء وأشعة الشمس، وذلك دون اللجوء إلى الطاقة الكهربائية، ليجد التكريم والاعتراف في بريطانيا بعد أن صال وجال كما يقول بين الجامعات ومراكز البحوث في الجزائر لكنه لم يجد آذانًا صاغية.

كما لفت بن رحمة إلى أنه تمكن من الحصول على اتفاق مع بعض الشركات الأجنبية التي ستتبنى مشروعه وتمكنه من تصنيع اختراعه قبل طرحه في الأسواق العالمية. إيجاد بدائل للطاقة واقتصاد الطاقة المستعملة يهم الملايين من البشر، اختراع في نظر بن رحمة بدأ بفكرة بسيطة لينفذها في أرض الواقع خارج الوطن، "أين وجد التثمين والتكريم والتحفيز أيضًا"، يضيف المتحدث.

اقرأ/ي أيضًا: شاب تونسي يكتشف ثغرات في فيسبوك ويكافأ

الآلاف من الكفاءات الجزائرية والمواهب لم تجد حاضنة لها في الجزائر، إلا أنها في رحلة دائمة للبحث عن محيط آخر يحترم العقل البشري ويساعد الفرد على تحقيق الأحلام، "حقيقة لا يمكن غض الطرف عنها"، يقول الباحث في علم الاجتماع الأسري السعيد بن تريعة لـ"الترا صوت"، مشددًا على أن هؤلاء "يجدون الاعتراف والتقدير في جامعات وبلدان أخرى تحترم عقولهم، والمؤسف أننا نسمع عن إنتاج الكفاءات الجزائرية في الخارج من خلال الإعلام فقط عقب نجاحهم وراء البحار".

مقابل التجاهل في بلادهم، تجد الكفاءات الجزائرية محيطًا أكثر احترافية في البلدان الغربية يوفر لهم كافة الإمكانيات المادية والدعم المعنوي

"العباقرة والعقول الجزائرية تجد ضالتها في دول تتسابق على استقطابهم"، تقول سعيدة بن مرابط، الأستاذة في علوم الفيزياء بجامعة باب الزوار للتكنولوجيا، لـ"الترا صوت"، حيث يجدون محيطًا أكثر احترافية يوفر لهم كافة الإمكانيات المادية والدعم المعنوي لتطوير اختراعاتهم، وقد مر بها خلال سنوات التدريس بأكبر جامعة للتكنولوجيا في الجزائر، العشرات من الكفاءات الشابة لكن تتأسف المتحدثة من عدم الاستفادة منهم، ما جعل الجزائر تخسر الآلاف من الأدمغة التي وجدت طريقها في الدول الأوروبية وأمريكا.

"نقطة النهاية هي عند انتهاء المخترع من إنجاز مشروعه في الواقع"، يقول الإعلامي ياسين محمدي لـ"الترا صوت"، لافتًا إلى أنه "من المفرح أن نسمع عن كفاءات جزائرية متخرجة من جامعات جزائرية تمكنت من تحقيق الكثير وتقدم فائدة للمجتمع لكن هذه الفرحة سرعان ما تتحول إلى خيبة أمل حين نعلم أن هؤلاء لا يجدون أدنى اهتمام في بلدهم الجزائر". لا يستغرب محمدي من أن يحصل جزائريون في المهجر على المراتب الأولى في مسابقات الاختراعات، مؤكدًا أن "القليل من الثقة والدعم المادي يمكن أن يحقق للجزائري المعجزات"، واصفًا البيئة في الجزائر بـ"الطاردة للكفاءات".

البداية بالنسبة لأي مخترع تكون بسيطة، ونقطة الضوء تتسع لتنير مساحات مظلمة في حياة أي مخترع، هكذا يبدأ المخترع طريقه بإمكانيات قليلة ليكبر الحلم وتكبر معه الحقيقة في الواقع، لكن التجاهل والعراقيل التي تحول دون تنفيذ مشروعه تجعله يحمل حقائبه ويذهب دون رجعة بحثًا عن بيئة حاضنة له وعن تقديم الأفضل للإنسانية.

اقرأ/ي أيضًا:

الجرجاوي.. الصعيدي الذي فتح اليابان

الجزائر بعد "قرارات الإلغاء".. ماذا حصل للجامعات؟!