محمود فهمي عبّود.. الجسد الأنثويّ صرحُ المدينة

محمود فهمي عبّود.. الجسد الأنثويّ صرحُ المدينة

يكون الجسد مقدّمًا، على أنّه الأصل أو البداية الفائقة لايّ إمكان في الواقع

يستثمر الرسّام العراقيّ محمود فهمي عبود (1962) في لوحاته مَلكة التخييل إلى حدود قصوى. التخييل، هنا، باعتباره أداةً في إدماج كائناتٍ اللوحة، على اختلافها، بطريقة ليست مألوفة للرائي. إنّه شغل الخيال على اللعب بالأحجام المتداخلة (أجسادٌ أنثويّة تطغى في الغالب) بما لا يتناسب في عين المتلقي مع مقاديرها الطبيعية. ثمّة انزياح نحو دلالات مضافة تجاوز هذه المقادير.

في لوحات العراقيّ محمود فهمي عبود، الجسد اليوميّ السمين يتخذ أسطح البيوت كأريكة

المزاج السوريالي في أعمال ابن مدينة بابل لا يحيل، بشكل مطلق، على مزاج المدارس السوريالية التي نعرفها عند كبار رسامي هذا التيار، بل إن خلفَ هذه الفنتازيا المظهّرة في الأجساد الأنثويّة، تقبع المدينة المائية ثابتًا رئيسيًا كخلفية أو كإطار موضوعيّ دائم يؤطر اللوحة ويساهم في تكميل إحالات تلك الأجساد. التخييل الأساسيّ يكون في جعل المدينة، سيما هذه المدينة النهريّة، بكل محمّلاتها وهوياتها المائية، هي المساحة التي فيها تتقلّب الاجساد الشهوانية من خارج المألوف، أو هي المساحة التي فيها تتداخل صور كائناتٍ بوظائف جديدة ليست في حسبان الرائي.

اقرأ/ي أيضًا: محمد الوهيبي.. صورة فلسطين البدوية

تفاقم الألوان المستخدمة في اللوحات مزاج الثيمة. إنّه التلوين الذي يلائم فانتازيا هذه الأجساد المشادة، بحيث ينسحب هذا التنوع اللونيّ، بما يشبه طغيانا قسريًا، على كامل أشياء اللوحة وكائناتها. وينسحب تاليًا على المدينة العربية إذ تنطبع لونيًا بمزاج هذا التنويع.

لوحات عبّود هي تشييد هذا النمط من الأجساد الأنثويّة باعتبارها محرّكًا مركزيًا لكل الدلالات التي تتصل بتفاصيل اللوحة، أو بوظائفها المتخيّلة الصعبة على وجه التحديد. (الجسد البيتيّ المتثاقل في قدرته على الطيران، الجسد اليوميّ السمين في اتخاده أسطح البيوت كأريكة. الجسد في نظراته المتكاسلة الدالة إذ يقابل قطًّا يبدو مألوفًا وموازيًا إنّما بحجم يجاوز أحجام القطط الطبيعة أيضًا. المجرى النهريّ دجلة أو الفرات أو النيل.. الذي يشق المدينة العربية المائيّة إذ يتحول مغطسا لأقدام الأنثى.. جسد الأنثى بثوبه المحزّم الأرجواني إذ يضاهي، بحجمه في إحدى اللوحات، قبة الجامع في الخلفيّة!).

تحيل أجساد النساء، إذ تتبدّى في معظم اللوحات بأحجام فائقة، إلى تقديم هذه الأجساد باعتبارها ليست تفصيلًا في حيوات المدينة. إنه صرح الأجساد الفاتنة بسمنتها، إذ تفوق بيوتَ المدينة حجما في الغالب. الجسد المنفلت نسبيًا والمتكاسل في تمدّده الشهواني داخل المساحة أو داخل عين المتلقي. 

اقرأ/ي أيضًا: ديانا حلبي.. عيون في جنازات جماعية

بهذه الفهم، يكون الجسد مقدّمًا، على أنّه الأصل أو البداية الفائقة لايّ إمكان في الواقع. إنّه، في بساطة عريه النسبيّ، حُرّ ويحيل، بطبيعة الحال، إلى السؤال المركزي في ذهن الرائي عن حيوزاته الكامنة وأدواره في ذهن المدنية العربية الحالية.