محمود درويش: عندما يبتعد

محمود درويش: عندما يبتعد

محمود درويش وديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدًًا؟"

ألترا صوت – فريق التحرير

تسعى هذه المساحة إلى استعادة قصيدة في ديوان ومشاركتها كما لو أنها وليمة. إنها محاولة لاكتشاف الشعر في وجوهه الصافية، وبحث فيه، ومعه أيضًا، عن القدرة السحرية لدى هذا الكائن على اختصار الأشياء والوقائع والحكايات في كلماتٍ، كلماتٍ وحسب.


قصيدة "عندما يبتعد"، من ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدًا" (1995) الذي افتتح فيه اشتغاله الشعري على سيرته الذاتية، التي استمرت في دواوين أخرى مثل "الجدارية".

ولعل أفضل ما يقال عن القصيدة، التي تروي مشهد استبدال المكان بأناس وسكّان جدد، هو ما قاله الشاعر نفسه، في حوار أجراه الناقد صبحي حديدي عام 1996، ونشر بالفرنسية لأول مرة، ولم يُنشر بالعربية إلى في 2009.

  • ولكن ماذا عن الحضور الكثيف لشخصية السيد المسيح؟ أهي مصادفة محضة أنّ عدد قصائد مجموعتك الأخيرة هو 33، بعدد سنوات عمر يسوع؟

لعلها ذلك النوع من المصادفات التي تنشأ عن منطق داخلي لا تحكمه المصادفات أبدًا! في كل حال، إنني أشعر بخيلاء خاصة لأنني أنتمي إلى البلد الذي أنجب يسوع، وكان حاضنة لأخلاقيات استثنائية في التسامح والفداء والانحياز إلى صفّ الفقراء والجائعين والمعذبين والمرضى. وإذ يشهد العالم أكثر من جلجلة في كل يوم، فإنني أسترجع بكثير من الاعتزاز حقيقة أن الجلجلة الأولى بدأت في فلسطين. وهو استرجاع يشحذ وعيي الشخصي، ويسلّحني بقوة أخلاقية خاصة، ويفتح أمامي فضاء إنسانيًا رحبًا، ويكشف بالتالي قدرًا كبيرًا من الضباب الذي يمكن أن يحجب آلام وآمال الآخرين.

  • أنت هنا تذكّرني بقصيدة "... عندما يبتعد"، التي يبدأ عنوانها من ثلاث نقاط، ويُفتتح سطرها الأول بكلمة: "للعدو"، ثم يُفتتح ويُختتم بعض مقاطعها بثلاث نقاط أيضًا. أهي علامة على مواصلة كلام عن العدو، لم ينقطع؟ هل سينقطع في أي يوم؟

ربما كان حوارًا مع الذات حول العدو، ومحاولة لرصد صورته الأخرى عندما يشرب الشاي في كوخنا نحن، ويحدّثنا عن شوقه لابنته ذات الشعر الطويل، ويستريح قليلًا من البندقية، ويأكل من خبزنا، ويغفو قليلًا على مقعد الخيزران، ويحنو على فرو قطّتنا... وهي حوار معه، ومع الذات، حول صورته حين تلمع أزرار سترته العسكرية، وحين يمشي على ظلنا في حقول الشعير، يخرج من كوخنا الخشبي الذي نقيم فيه، ليمضي نحو بيتنا الحجري الذي أقام فيه. هو الغريب الذي يقرأ شعرًا حول طيار ييتس، ويطالبنا بعدم لوم الضحية، ونطالبه بأن يسلّم على بيتنا. وهو الغريب العدوّ الذي يسمع الكلام الذي كان في ودّنا أن نقوله له، ثم "يخبئه في سعال سريع ويلقي به جانبًا، ثم تلمع أزرار ستراته عندما يبتعد".

هو بالتالي حوارنا الذي لم ننطق به بعد كما نريد، والذي يسمعه هو دون أن ننطق به، ولكنه الحوار المنقطع بالضرورة ما دام يقيم في بيتنا الحجري ونقيم نحن في الكوخ، وما دام يلقي بالحوار جانبا، ويبتعد.

  • أهل البيت في هذه القصيدة يسألون العدوّ الغريب أن يسلّم على البئر. والبئر يتكرر مرارًا، وهنالك قصيدة كاملة تحمل اسم "البئر". ما هي المستويات الدلالية لآبار محمود درويش، وهل يسكنك البئر في هذا الطور، مثلما سكنك البحر في طور سابق من تجربتك؟

البئر هو الماء ونقيض العطش. وهو علامة الحياة حين يكون الجدب هو السائد. والبئر نقطة استقطاب للكائنات من بشر ووحش وطير، وشرط لا غنى عنه للإقامة واختيار الموطن. والبئر، من جهة ثانية، هو العمق السحيق، والغموض، والاقتراب من باطن الأرض، وربط السطح بالقاع. والبئر هو قد يجمع التاريخ الفردي ضمن التاريخ الجمعي، خصوصًا حين يقترن بفكرة تعميم الخيرات وتقاسمها والدفاع عنها.

وإلى جانب هذه المعاني وسواها، اقترن البئر عندي في قصائد السنوات الأخيرة بحكاية يوسف وأبيه وإخوته، وبفكرة الضحية التي تعاني من الأقربين، الأصدقاء، أو يحوّلها هؤلاء إلى ضحية أو قربان. كذلك اقترن البئر بصورة الرحم الذي يمتلئ بالسماء، ويفيض بالمعنى، ويمنح الولادة الأولى.

  • وكانت العرب تعتبر البئر أهمّ صك لامتلاك الأرض!

نعم، هذا صحيح.


للعدو الذي يشرب الشاي في كوخنا

فرس في الدخان. وبنتٌ لها

حاجبان كثيفان. عينان بنيتان. وشعر

طويل كليل الأغاني على الكتفين. وصورتها

لا تفارقه كلما جاءنا يطلب الشاي. لكنه

لا يحدثنا عن مشاغلها في المساء، وعن

فرس تركته الأغاني على قمة التل.../

 

... في كوخنا يستريح العدو من البندقية،

يتركها فوق كرسي جدي. ويأكل من خبزنا

مثلما يفعل الضيف. يغفو قليلًا على

مقعد الخيزران. ويحنو على فرو

قطتنا. ويقول لنا دائمًا:

لا تلوموا الضحية!

نسأله: من هي؟

فيقول: دم لا يجففه الليل.../

 

... تلمع أزرار سترته عندما يبتعد

عم مساء! وسلم على بئرنا

وعلى جهة التين. وامش الهوينى على

ظلنا في حقول الشعير. وسلم على سرونا

في الأعالي. ولا تنس بوابة البيت مفتوحة

في الليالي. ولا تنس خوف

الحصان من الطائرات،

وسلّم علينا، هناك، إذا اتسع الوقت.../

 

هذا الكلام الذي كان في ودنا

أن نقول على الباب... يسمعه جيدًا

جيدًا، ويخبئه في السعال السريع

ويلقي به جانبًا.

فلماذا يزور الضحية كل مساءٍ؟

ويحفظ أمثالنا مثلنا،

ويعيد أناشيدنا ذاتها،

عن مواعيدنا ذاتها في المكان المقدس؟

لولا المسدس

لاختلط الناي في الناي.../

 

لن تنتهي الحرب ما دامت الأرض

فينا تدور على نفسها!

فلنكن طيبين إذا. كان يسألنا

أن نكون هنا طيبين. ويقرأ شعرًا

لطيار "بيتس": أنا لا أحب الذين

أدافع عنهم، كما أنني لا أعادي

الذين أحاربهم...

ثم يخرج من كوخنا الخشبي،

ويمشي ثمانين متراً إلى

بيتنا الحجري هناك على طرف السهل.../

 

سلّم على بيتنا يا غريب.

فناجين

قهوتنا لا تزال على حالها. هل تشمّ

أصابعنا فوقها؟ هل تقول لبنتكَ ذات

الجديلة والحاجبين الكثيفين إن لها

صاحبًا غائبًا،

يتمنى زيارتها، لا لشيء...

ولكن ليدخل مرآتها ويرى سرَّه:

كيف كانت تتابع من بعده عمره

بدلًا منه؟ سلّم عليها

إذا اتسع الوقت.../

 

هذا الكلام الذي كان في ودّنا

أن نقول له، كان يسمعه جيدًا

جيدًا،

ويخبئه في سعالٍ سريع

أزرار سترته عندما يبتعد...

 

اقرأ/ي أيضًا:

محمود درويش اكتشافنا الدائم

سيرة ذاتية لنمر في قفص