محمد هاشم: صوت الحرية والمبدعين بلا قيود
12 ديسمبر 2025
غيب الموت، فجر اليوم الجمعة، الناشر المصري محمد هاشم عن عمر ناهز 67 عامًا، ليرحل واحدٌ من أبرز الوجوه الثقافية والرموز المؤثرة في المشهد الثقافي المصري خلال العقود الثلاثة الماضية.
شكّل حضوره علامة فارقة، ليس فقط لأنه أسّس دار "ميريت" للنشر التي أصبحت منصة مهمة للأدب الجديد، وإنما لأنه جسّد نموذجًا نادرًا للمثقف الملتزم بالحرية، المنحاز لقيم الثورة والعدالة الاجتماعية، والمدافع الصلب عن حرية التعبير في وجه الرقابة والتضييق.
كان هاشم أكثر من ناشر؛ كان صوتًا للجيل الجديد من الكتّاب، ومأوى للمبدعين الشباب، وفاعلًا سياسيًا في ثورة 25 يناير التي احتضنتها داره في وسط القاهرة، حيث تحولت "ميريت" إلى مساحة للنقاش والاحتجاج والتخطيط، وإلى رمز ثقافي للتمرّد على الاستبداد.
رحيل ونعي من الحقل الثقافي
نعت الأوساط الثقافية المصرية والعربية محمد هاشم، معتبرةً أن رحيله لا يمثّل فقدان شخصية ثقافية فحسب، بل وداعًا لرمز من رموز النشر المستقل ومحفّزٍ للنقاشات الثقافية المعاصرة في ظل الضغوط السياسية والاجتماعية. وقد رأى كثيرون أنه ظلّ حتى أيامه الأخيرة وفيًا لقضايا الحرية ومدافعًا عن الثقافة المستقلة ومنحازًا للقضية الفلسطينية.
ووصفه المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، أحمد مجاهد، بأنه "أحد العلامات البارزة في مسيرة الثقافة والسياسة في مصر".
وكتبت الناشرة اللبنانية رشا الأمير: "أنا مع الثورة والحرية، مع الناس والكتّاب الذين لا صوت لهم. إن نشر هذه الأقلام موقف، لا مشروع بيع وشراء. هذا ما كان محمد هاشم يكرّره دائمًا، فاتحًا مكاتب ميريت، داره، مضافةً لكل حرافيش الكتابة والفن.عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني صدرت في طبعتها الأولى من مضافة محمد هاشم، وكذلك الطبعة المصرية من روايتي يوم الدين". وأضافت: "فوضوي، شللي، ثائر؛ حمل الهامش وجعل منه متنًا وموقفًا. هذا هو محمد هاشم. لروحه الرحمة والسلام، ولعائلته خالص الودّ والعزاء".
محمد هاشم لم يكن مجرد ناشر، بل صوت الجيل الجديد ومأوى للمبدعين الشباب، وتحولت دار "ميريت" إلى رمز ثقافي للتمرّد ومكان للنقاش والاحتجاج خلال ثورة 25 يناير
دار "ميريت": منصة للأصوات الجديدة وتحدٍ للهيمنة الثقافية
أسّس محمد هاشم دار "ميريت" للنشر في القاهرة عام 1998، بمشاركة مجموعة من المثقفين يتقدمهم الراحل إبراهيم منصور، في مشروع ثقافي هدفه نشر الفكر الحر ودعم الكتّاب الشباب الذين لم يجدوا منفذًا للنشر في بيئة تطغى عليها القيود الرقابية الصارمة.
ومنذ بداياتها، ارتبطت الدار بنشر أعمال أدبية وفكرية متنوعة — من الرواية إلى الدراسات النظرية — مع تركيز خاص على الأصوات الجريئة والمغايرة للسائد.
واتخذت "ميريت" من التصدي للرقابة على العقل، سياسيّة كانت أم دينية، مبدأً راسخًا، كما تبنّت موقفًا واضحًا في مناهضة التطبيع ورفض أي شكل من أشكال التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي.
ناشط سياسي في قلب الثورة
لم تقتصر رؤية هاشم على الثقافة فحسب، بل امتدت إلى الحقل السياسي. كان هاشم من أوائل المشاركين في حركة "كفاية" في منتصف الألفية الجديدة، وهي حركة احتجاجية رافضة لإعادة انتخاب الرئيس الأسبق حسني مبارك، وكان من المؤسسين لحركة الكتاب والفنانين من أجل التغيير، ما جعله صوتًا بارزًا في المعارضة الفكرية والسياسية.
ولعل أبرز تجسيد لذلك كان خلال ثورة 25 يناير 2011، حينما تحوّل مقر "ميريت" القريب من ميدان التحرير إلى مركز للنشاط الثوري والحوار السياسي، حيث قدّم هاشم الدعم للشباب الثائرين وعبّر عن تضامنه معهم علنًا، حتى في مواجهة ضغوط من المجلس العسكري الحاكم آنذاك.
من صُلب هذا الدور أن محمد هاشم أعلن في تلك الفترة أنه لن يتخلى عن دعم المحتجين والمثقفِين من أجل التغيير، معتبرًا أن الكتابة والنشر هما جزء من نضال من أجل حرية التعبير واستعادة الحقوق.
تضييقات ومواجهات… بين الصيف الثقافي والضغوط الأمنية
لم تخلُ مسيرة هاشم من التحديات؛ فقد عُرف عنه أنه واجه رقابة متكررة من الأجهزة الأمنية، وتعرّضت دار "ميريت" لاتهامات متكررة تتعلق بتراخيص النشر. كما جرى التحقيق معه واقتحمت قوات الأمن مقر الدار أكثر من مرة بحجة التدقيق في "أرقام الإيداع" للكتب، في ظل بيئة تشهد توترًا متصاعدًا في علاقة الدولة بالمشهد الثقافي المستقل، باعتباره تهديدًا يجب تطويعه أو إسكاتُه.
مواقف فكرية واضحة… ودعم للقضايا الكبرى
لم تكن مواقف محمد هاشم تجاه القضايا العربية الكبرى غائبة، إذ تبنّى مع دار "ميريت" دعم القضية الفلسطينية، وسعى إلى نشر أعمال تُعزّز الوعي بالعدالة والحرية في سياق ثقافي منسجم مع قيم التضامن العالمي والتفكير الحر.
وكان آخر ما أصدرته الدار مختارات للشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم، بعنوان "تقدّموا".







