محمد صلاح يعلن رحيله.. عن الإرث الذي بناه الملك المصري في ليفربول
25 مارس 2026
بعد العديد من التكهنات والشائعات والأزمات والقيل والقال، أعلن النجم المصري محمد صلاح رحيله عن نادي ليفربول الإنجليزي بموجب اتفاق لفسخ العقد بالتراضي بين الطرفين، وما هي إلا دقائق قليلة، حتى امتلأ الفضاء العام وضجت السوشيال ميديا بنفس التكهنات والشائعات والقيل والقال عن أسباب رحيله، ووجهته القادمة، رغم أنه لم ينبس ببنت شفة، ولم يقل كلمة واحدة عن أي من الأمرين.
ولم يفعل شيئًا إلا نشر فيديو عبر حسابه على منصة "إكس" قال فيه بالنص: "مرحبًا جميعًا، للأسف هذا اليوم قد جاء، الرحلة كانت رائعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، قضيت أفضل سنوات مسيرتي هنا مع ليفربول، ولن أنسى دعم الجماهير لي منذ اليوم الأول"، ثم أضاف: "أشعر بالفخر لما حققناه سويًا، وسأظل ممتنًا لكل لحظة داخل هذا النادي العظيم، لكن حان الوقت لخوض تحدٍ جديد في مسيرتي المهنية".
ولكن، وبسبب ضبابية الرؤية، تظل للشائعات وجاهتها، فرحيل الملك المصري، كما يطلق عليه محبوه، بهذه الطريقة من المؤكد أنه ستتحول إلى لحظة فارقة يصعب تجاهلها، خاصة وأنه، ومنذ اللحظة التي وطأت فيها قدماه ملعب الأنفيلد قادمًا من روما الإيطالي، شرع في بناء مشروع رياضي وإنساني متكامل، وساهم في تحويل ليفربول من نادٍ يبحث عن استعادة أمجاده الغابرة إلى منافس قوي على كل البطولات القارية والمحلية، فلماذا رحل صلاح؟ وما هي وجهته القادمة؟ وكيف أثر في ليفربول؟
أسفل الحافلة
أولًا، لماذا رحل محمد صلاح عن ليفربول؟ بدأت العلاقة بالتوتر بين محمد صلاح وأرني سلوت مدرب الفريق، عندما اتخذ سلوت قرارًا تكتيكيًا باستبعاد صلاح من التشكيلة الأساسية في المباراة التي فاز بها ليفربول على وست هام يونايتد بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وكانت المرة الأولى التي يجلس فيها صلاح بديلاً لأسباب فنية منذ 582 يومًا، وقد برر سلوت حينها أن الفريق يجري تغييرات على أسلوب اللعب بسبب تراجع نتائج وأداء الفريق ككل، وتراجع أداء محمد صلاح نفسه في الشهور الأخيرة.
وهو ما أعتبره ريتشارد جولي، كبير مراسلي كرة القدم في صحيفة ذا اندبندنت، أمرًا طبيعيًا للغاية، الفريق يمر بأزمات عنيفة، وفي الأزمات كل شيء مباح، والجلوس على الدكة جزء من عقد اللاعب، والمدرب هو صاحب الأمر والنهي داخل الفريق، خاصة وأن صلاح ليس الوحيد الذي جرى استبعاده، فضرب مثالًا بجلوس فلوريان فيرتز، أغلى صفقة في تاريخ ليفربول، على دكة البدلاء، ثم سأل: لو كان الأداء هو المعيار الوحيد للاختيار، فلماذا يجلس هو إيكيتيكي على دكة البدلاء بشكل مستمر؟ ولو كان الإرث الطويل هو المقياس، فلماذا يجلس أندي روبرتسون هو الآخر؟
لا يمكن رصد مكانة محمد صلاح التاريخية داخل ليفربول دون مقارنته بعمالقة النادي مثل إيان راش، وكيني دالغليش، وستيفن جيرارد، ومع أول نظرة، ستجد أن صلاح يتميز عنهم جميعًا
أسئلة منطقية للغاية، لكن صلاح لم يتعامل مع الأمر بهذا البساطة، بل اعتبر مباراة ليدز يونايتد، والتي ظل فيها صلاح على مقاعد البدلاء طوال 90 دقيقة وانتهت بالتعادل 3-3، هي القطرة التي أفاضت الإناء، فخرج بعد المباراة مباشرة، وأدلى بتصريحات استمرت 7 دقائق ونصف تقريبًا، ادعى فيها أن النادي لم يلتزم بالوعود التي قُدمت له خلال تجديد العقد، خاصة فيما يتعلق بدوره كقائد للمشروع.
ثم قال صراحة: "يبدو أن النادي ألقى بي أسفل الحافلة، (thrown me under the bus)، ومن الواضح أن هناك من يريد تحميلِي مسؤولية تراجع الفريق ككل"، ودون أن يصرح باسم معين، ثم أكد بعد ذلك أن علاقته بالمدرب كانت جيدة، وفجأة لم يعد هناك أي علاقة، فما كان من سلوت إلا وأن خرج مدافعًا عن قراراته، وموضحًا أنها تنبع من خطة لعب تعتمد على مهاجمين بقدرات دفاعية، مشيرًا إلى أنه فضل الدفع بهوغو ايكيتيكي وفلوريان فيرتز في رسم تكتيكي 4-4-2 دياموند لمواجهة أسلوب ليدز.
ثم قام باستبعاد صلاح تمامًا من قائمة الفريق المسافرة لمواجهة إنتر ميلان في دوري أبطال أوروبا كرد فعل على تصريحاته، ورغم التوتر مع الإدارة والمدرب، كشف كورتيس جونز أن صلاح اعتذر لزملائه اللاعبين في غرفة الملابس، ليعود صلاح بعدها للمشاركة كبديل في مباراة برايتون بتاريخ 13 كانون الأول/ديسمبر 2025، ويصنع هدفًا، لكن هذه العودة كانت بروتوكولية فقط لإنهاء الموسم بشكل لائق قبل الرحيل عن الفريق.
حيث بدا للجميع أن الفجوة بين صلاح وسلوت، وشعور اللاعب بأنه أصبح كبش فداء للإدارة، ستؤدي حتمًا إلى إنهاء عقده وديًا، وهو ما حدث بالفعل بعد شهور قليلة، فهل كان صلاح كبش فداء الإدارة حقًا؟
لفهم الصورة بشكل أكبر، يمكن الاستعانة بما كتبه الصحفي الإنجليزي ميجيل ديلاني، كبير كتاب كرة القدم في ذا اندبندنت البريطانية، والفائز بجائزة كاتب العام في إنجلترا عام 2025، والذي قال أن ليفربول منح صلاح أكبر عقد في تاريخه وعمره 33 عامًا، اعتمادًا على أداء مذهل قدمه على مدى ثمانية أعوام ضمن إطار تكتيكي معين.
وبما أن هذا الإطار لم يعد موجودًا، تحديدًا منذ رحيل يورجن كلوب، وإنتاجية صلاح نفسها تراجعت بصورة كبيرة، وليفربول نفسه يعاني من سوء النتائج، إذن كان من الطبيعي أن يبدأ سلوت في التفكير لبناء إطار تكتيكي جديد على أسس مختلفة، والبديهي ألا يعتمد هذا الإطار على لاعب قريب من الاعتزال.
ملامح الإرث
كل ذلك حدث بسبب شعور صلاح بالغبن والاستحقاق المفرط، أنه قدم كل شيء للنادي، ولم يحصل في المقابل إلا على أكبر عقد في تاريخ النادي فقط لا غير، حيث وقع صلاح عقده الأخير لمدة ثلاث سنوات مع ليفربول عام 2025، ليصبح اللاعب الأعلى أجرًا في تاريخ النادي بأجر أسبوعي قدره 400 ألف جنيه إسترليني، (480 ألفًا حسب بعض المصادر)، بالإضافة إلى مكافآت مرتبطة بالأداء والأهداف وإلى آخره.
وعندما تأخذ في الاعتبار أيضًا الأموال التي يحصل عليها من الإعلانات، فإنه يحصل على ما يقرب من مليون جنيه إسترليني في الأسبوع، ليس بداية من آخر عقد عام 2025، بل منذ عام 2023 بحسب دراسة أجرتها جامعة هارفارد بالاشتراك معه شخصيًا، ما يعني أيضًا أن بعد آخر عقد له، كان صلاح يحصل على أكثر من مليون جنيه استرليني اسبوعيًا.
وبغض النظر عن أن تاريخ اللاعب مع النادي ليس مبررًا لبقائه حتى وإن تراجع مستواه، وبغض النظر عن أن النادي يدفع كل تلك المبالغ ليس تقديرًا لما مضى فقط، لأن ما مضى حصل اللاعب على ثمنه مسبقًا، بل لتشجيع اللاعب على الاستمرار على نفس المستوى وزيادته، فإن اختلف أو هبط، سينقلب النادي على عقبيه حتمًا، وسيشعر بمشقة الدفع، لو غضيت الطرف عن كل ذلك، ستجد أن صلاح قدم كل شيء للنادي بلا شك، داخل الملعب على الأقل.
وهذا ما سينقلنا إلى ثانيًا، ما هي ملامح إرث صلاح التاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معنى داخل ليفربول؟
لا يمكن رصد مكانة محمد صلاح التاريخية داخل ليفربول دون مقارنته بعمالقة النادي مثل إيان راش، وكيني دالغليش، وستيفن جيرارد، ومع أول نظرة، ستجد أن صلاح يتميز عنهم جميعًا بالاستمرارية، والقدرة الدائمة على التهديف، مع قدرته على حسم اللحظات الكبرى، والتي غابت عن النادي لعقود طويلة، وبمنتهى السهولة.
محمد صلاح هو أول لاعب فى تاريخ البريميرليج يسجل ويصنع فى نفس المباراة خلال 42 مباراة مختلفة، وأول لاعب يسجل ويصنع في 8 مباريات في نفس الموسم، وأسرع لاعب يصل إلى حاجز المشاركة في 30 هدفًا، وأكثر لاعب في التاريخ شارك في أهداف خارج الأرض في موسم واحد بـ 22 هدفًا، كما أنه ثالث هدافي ليفربول التاريخيين، بـ 255 هدفًا، خلف الأسطورتين إيان راش وروجر هانت، وأكثر لاعب أفريقي تسجيلًا للأهداف في تاريخ النادي، إضافة إلى أنه يحتل المركز الرابع في قائمة هدافي الدوري الإنجليزي عبر التاريخ متفوقًا على أساطير مثل أندي كول وسيرجيو أجويرو وسواريز.
فمنذ موسمه الأول، سجل صلاح 32 هدفًا، محطمًا رقم كريستيانو رونالدو ولويس سواريز كأكثر لاعب تسجيلاً في موسم واحد، كما أصبح أسرع لاعب في تاريخ النادي يصل إلى 100 هدف في الدوري، خلال 151 مباراة فقط، وفي موسم 2024-2025، حقق رقمًا إعجازيًا بتسجيل 29 هدفًا وصناعة 18 آخرين، ليصل إلى 47 مساهمة تهديفية، وهو أعلى رقم في تاريخ الدوري الإنجليزي لموسم واحد.
أضف إلى ذلك أن إنجازات صلاح لم تقتصر على الملعب فقط، بل امتدت إلى خارجه أيضًا، حيث كان أداة للتغيير الاجتماعي في بريطانيا، حيث أكدت دراسة من جامعة ستانفورد أن انضمام صلاح لليفربول ساهم في خفض جرائم الكراهية ضد المسلمين في منطقة ميرسيسايد بنسبة تقارب 19%، كما تراجعت التغريدات المعادية للإسلام من قبل مشجعي النادي بنسبة 50%، بعدما نجح صلاح في أنسنة الصورة الذهنية للمسلم.
كل تلك الإنجازات لا تعني إلا شيئًا واحدًا: صلاح سيحصل على نادٍ آخر بسهولة شديدة، وربما بعقد أعلى من عقد ليفربول، وهو ما ينقلنا إلى ثالثًا.
لعبة الاحتمالات
هناك ثلاث وجهات محتملة تتصدر المشهد للحصول على توقيع صلاح:
الدوري السعودي، حيث نشرت صحيفة إندبندنت تقريرًا عن الوجهة المحتملة لصلاح، رجحت فيه انتقال صلاح إلى نادي اتحاد جدة، ولكن هذا لا يمنع أن الهلال السعودي أيضًا على الأبواب، باعتبار تقديمه لعرض قبل مونديال الأندية الماضي.
باريس سان جيرمان، قد يكون خيار اللاعب الأول إذا قرر الاستمرار في المنافسة الأوروبية، خاصة مع امتلاك النادي للأموال اللازمة لتلبية مطالب اللاعب الكبيرة.
في نفس التقرير السابق للاندبندنت، تحدثت الصحيفة أيضًا عن احتمالية انتقال صلاح إلى نادي إنتر ميامي لمجاورة ليونيل ميسي ولويس سواريز، خاصة مع تمتعه بقدرة كبيرة على استقطاب النجوم الكبار، وثقل الأسماء الموجودة به، ووجود مالك شهير للنادي مثل ديفيد بيكهام.
أي منهم سيكون هو وجهته؟ محمد صلاح هو الوحيد الذي يعلم، وهو الوحيد القادر على تحديد ومواجهة مصيره، بغض النظر عن أي تكهنات أو شائعات أو أزمات أو قيل وقال.