محمد شرف.. الذكرى تنفع المُهمشين

محمد شرف.. الذكرى تنفع المُهمشين

محمد شرف (فيسبوك)

هُناك منطقة رمادية تفصل بين الشهرة والموهبة، لا يشترط بحال من الأحوال أن تكون موهوبًا لتنال الشهرة، تخضع الشهرة غالبًا لأنصاف الموهوبين، في السينما تصنع منهم نجوم الشباك، وفي المسرح تمكنهم من أخذ السوكسيه، بينما في الأدب تجعل كتبهم لا تبرح رفوف الأكثر مبيعًا، لا عدل في الأمر ولكن الصعوبة حقًا تكمُن في اقتناص الفرصة الأولى، البعض يقضون حياتهم بحثًا عن فرصة تمكنهم من التقاط أنفاس شغفهم، ثم يرحلون دون لقائها.

ظهر محمد شرف بأداء لافت في الكثير من الأعمال السينمائية والتليفزيونية، وأدى قرابة الـ 120 عملًا فنيًا

على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، تحديدًا في الإسكندرية، في الـ 19 من شباط/فبراير 1963، ولد الفنان محمد شرف، بلا أي مؤشرات تنبئ بأن هذا الطفل سيعيش حياة أكثر صخبًا من التي يعيشها موظف الحكومة العادي. ولد شرف بملامح لا ينطبق عليها وصف "الجان" وبظروف أسرية اعتيادية. فقط طفل عادى سيخوض مراحل حياته التعليمية واحدة تلو الأخرى حتى يتخرج بشهادة متواضعة من المعهد الفني التجاري عام 1984.

اقرأ/ي أيضًا: رحلة فاروق الفيشاوي.. من حياة صاخبة إلى موت هادئ

سنوات من الروتين القاتل يقضيها شرف في الإسكندرية عقب تخرجه، إلى أن يقرر الانتقال للقاهرة التي ستمنحه نصيبًا من حبها وقهرها، لتكون تلك المحطة الأبرز في حياته على الإطلاق، في تلك الفترة بدأت موهبة شرف التمثيلية في التوهج ولكنها كانت كالجوهرة التي تبحث عن شمس تعكس جمال ألوانها وتزينها في عين الرائي، ولكنه بحث لا جدوى، أو كان كذلك، إلى أن أتت الانطلاقة.

من عوالم أسامة أنور عكاشة شديدة التميز والتفرد، تحديدًا من رائعته "أرابيسك"، وبصحبة صلاح السعدني شخصيًا، كان أول ظهور لمحمد شرف على الشاشة الصغيرة، وأول ظهور فني له من خلال شخصية "سامبو" العجلاتي سيئ السمعة الذي يقوم بعدة جرائم ضد حسن أرابيسك (صلاح السعدني) والذي كان حديث الساعة حينها، ظهر شرف بأداء محترف مكنه من حيازة كره الجماهير الذين كانوا يصطفون أمام شاشات التلفاز وقت عرض "أرابيسك"، حتى يُقال أن الشوارع كانت تخلو من المارة في حينها.

كان ذلك في منتصف التسعينيات، ومن ذلك الزمان وحتى سنوات ليست بالكثيرة ظل شرف معروفًا بـ"سامبو"، لأداءه شديد التميز ولأهمية المسلسل ذاته كذلك، إلى أن ظهر شرف بأداء لافت في الكثير من الأعمال السينمائية والتليفزيونية، أدى شرف أدوارًا كثيرة من خلال أعمال تقارب الـ 120 عملًا فنيًا بين السينما والتليفزيون والمسرح، ولكنه لم يتمكن خلالها من أداء دور البطولة أو حتى الاقتراب من منصتها الساحرة، وكأنها فاكهة محرمة وممنوعة في آن.

وعلى الرغم من ظهوره بأدوار صغيرة إلا أن شرف استطاع أن يحجز لنفسه مكانًا ما في قلوب الجماهير، هو ذلك الممثل الذى يظهر ليُلقي بـ"إيفيه" أو أكثر طوال الفيلم، فيظل ما قاله حاضرًا مع الجماهير أكثر من مونولجات البطل ذاته، ربما أراد شرف أن يثبت لنفسه وللجميع أن ملامحه الغليظة تصلح لأدوار أخرى غير أدوار الشر التي أراد المخرجون أن يحصروه فيها، لم يكن اسمه محمد شرف محمود المليجي.

ليس بالكوميديا فقط، ولكن بالأدوار الدرامية وبالكلمات الصادقة التي ما زالت تتردد إلى اليوم، لعل أشهر كلمات شرف على الإطلاق تلك التي قالتها في فيلم "آسف على الإزعاج" بصحبة أحمد حلمي في مقهى شعبي، خرجت الكلمات من شرف صادقة ونقية للغاية، ما جعلها تكتسب مناعة ضد الزمن. "تركب قطر الشغل يا دوب بتعمل قرشين، تلاقي قطر الجواز فاتك، وهوب قطر العمر يتقلب بيك".

أشهر عبارات محمد شرف: "تركب قطر الشغل يا دوب بتعمل قرشين، تلاقي قطر الجواز فاتك، وهوب قطر العمر يتقلب بيك"

كتب المتنبي البيت الذي قتل صاحبه، ومن حينها إلى يومنا، يتردد بيت المتنبي، وكلما اغتيل أحد السياسيين أو الأدباء أو أي من المشاهير إثر كلمة قالها يتبادر إلى الأذهان بيت المتنبي وما فعله به، على عكس كل ذلك لم تقتل محمد شرف كلماته، قام بدور "نسيم" وكان نسيمًا فعلًا، عبر بسرعة وخفة، وعبرت كلماته عن مسار حياته شديد الحزن والغرابة في آن، سنوات من الشقاء ثم أخرى من السعادة ثم أخيرة من المرض.

اقرأ/ي أيضًا: 5 من أهم أفلام محمود عبد العزيز.. مزاجيُّ السينما المصرية

هكذا عاش شرف سنوات حياته التي كانت عجافًا في غالبها الأعم، وعندما ابتسمت له سارعت مرة أخرى بالكشف عن أنيابها، عقب تألقه في العديد من الأدوار وقف المرض عائقًا أمام شرف، وذلك حتى تعافيه المؤقت وعودته القصيرة في عام 2016، ليهاجمه المرض مرة أخرى وينتصر عليه فيها، ليرحل شرف عن عالمنا في 27 تموز/يوليه 2018.

 

اقرأ/ي أيضًا:

10 أفلام تذكرك بالتاريخ الذهبي للزعيم عادل إمام

محمد الموجي.. طريق مختصر إلى القلب