محمد زارع.. حقوقي مصري عاقبته الدولة وكافأه العالم بـ

محمد زارع.. حقوقي مصري عاقبته الدولة وكافأه العالم بـ"نوبل لحقوق الإنسان"

فاز الحقوقي المصري محمد زارع بجائزة مارتن إينالز لحقوق الإنسان (فيسبوك)

منذ عدة أشهر، رُشح الحقوقي المصري محمد زارع مدير مكتب مصر لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، لجائزة مارتن إينالز، جنبًا إلى جنب مع الحقوقية السلفادورية كارلا أفيلار ومجموعة "FreeThe5KH" من كمبوديا، وهم خمسة من المدافعين عن حقوق الإنسان. وأمس الثلاثاء اُعلن عن فوز محمد زارع بالجائزة التي لم يستطع السفر لاستلامها نظرًا لقرار المنع من السفر الصادر بحقه منذ أيار/مايو 2016 هو ومجموعة آخرين من الحقوقيين المصريين في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"التمويل الأجنبي".

فاز الحقوقي المصري محمد زارع بجائزة مارتن إينالز التي تعرف بـ"نوبل لحقوق الإنسان"، لكنه لم يستطع تسلمها بسبب قرار منعه من السفر 

وفي الأوساط الحقوقية الدولية تُعرف جائزة مارتن إينالز بـ"نوبل لحقوق الإنسان"، كونها أرفع جائزة دولية في مجال حقوق الإنسان. وقد سُميت على اسم الأمين العام السابق لمنظمة العفو الدولية، البريطاني مارتن إينالز. وتقدم هذه الجائزة عشر منظمات حقوقية دولية. وقد أُسست عام 1993 على يد هانس ثولن، عضو لجنة تحكيمها هذا العام، التي اختارت محمد زارع فائزًا بها بسبب "موقفه البطولي والرائد في الوقت الذي يشهد فيه وضع حقوق الإنسان من حوله (في مصر) انهيارًا واضحًا". وتبلغ قيمة الجائزة 30 ألف فرنك سويسري (27 ألف يورو).

اقرأ/ي أيضًا: تجدد موسم الانتقام من الحقوقيين في مصر

لم يستطع محمد زارع استلام الجائزة بنفسه، لذا استلمها عنه بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان الذي يتخذ من تونس مقرًا رئيسيًا له، والذي قال عن منح الجائزة لمحمد زارع: "منح تلك الجائزة يعتبر رسالة واضحة إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، على اعتبار أن الوضع الحالي لحقوق الانسان في مصر بات أسوأ مما كان عليه خلال الثلاثين سنة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك".

من جانبه علّق محمد زارع على منحه الجائزة، بتدوينة عبر حسابه على فيسبوك، كانت جزءًا من رسالته التي كان سيلقيها في حفل تسليم الجائزة، حيث قال فيها: "لا أرى في هذا الشرف تقديرًا لعملي فحسب، فهذه الجائزة يستحقها عشرات الآلاف من المواطنين المصريين الذين تعرضوا للتعذيب أو السجن أو الاختفاء القسري أو القتل، ممن وقفوا صامدين في مواجهة الفساد والاستبداد بالوسائل السلمية، على مدى السنوات الست الماضية". 

نظرة على الوضع الحقوقي المصري

بشكل عام يعرف الوضع الحقوقي المصري تدهورًا كبيرًا لا يخفى على أحد، دفع العديد من المنظمات الحقوقية على مدار السنوات القليلة الماضي إلى إصدار تقارير تدين وتشجب فيما يحصل، من ذلك تقرير لهيومن رايتس ووتش صادر في أيلول/سبتمبر الماضي عن التعذيب في أماكن الاحتجاز، جاء فيه أنّ "التعذيب الممنهج وإفلات السلطات من العقاب على ممارسته، أدى إلى خلق مناخ لا يرى فيه من يتعرضون للإساءة أي فرصة لإخضاع المسيئين للمساءلة".

تشهد الأوضاع الحقوقية في مصر تدهورًا كبيرًا، وصل لدرجة تقنين القمع والانتهاكات في شكل قوانين مررها البرلمان الخاضع للنظام

بسبب ذلك لم يُحاول كثير ممن كانوا محتجزين أو معتقلين ممن قابلتهم المنظمة، السعي لمساءلة المسؤولين عما تعرضوا له، بعد أن تجاهل الادعاء مطالبهم بالتحقيق في التعذيب الذي وقع عليهم، بل إن معظمهم وجدوا أنفسهم مطلوبين في قضايا جديدة بعد أن حصلوا على الإفراج، لذا فإنهم كانوا يعتقدون أن أي محاولة منهم للاتصال بنظام العدالة الجنائية "من شأنه أن يولد لهم محنة اُخرى طويلة من سوء المعاملة والإخفاء"، كما تقول المنظمة.

اقرأ/ي أيضًا: 3 قوانين مصرية لانتهاك المواطنة والحقوق

الانتهاكات للحقوق والحريات متعددة في مصر، فمن بين أشهرها قمع حرية التعبير بدرجات غير مسبوقة، فقبل شهور قليلة بدأت السلطات المصرية حملة حجب لعدد كبير من المواقع الإلكترونية الصحفية والحقوقية فيما عرفت بـ"مجزرة المواقع"، حتى وصل الحجب لأكثر من 400 موقع، بل وتجاوز الحجب ليتضمن مواقع تجاوز الحجب الـ"VPN" و"Proxy"، التي هي الملاذ الأخير لمتصفحي الإنترنت في مصر لزيارة المواقع المحجوبة.

كما شرعت السلطات المصرية في تقنين قمع الحريات والانتهاكات الحقوقية، من ذلك إقرار البرلمان المصري في جلسة عامة، لمشروع قانون تنظيم عمل الجمعيات الأهلية، الذي أعلنت العديد من الحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني وبعض الأحزاب والقوى السياسية رفضها التام لهذا القانون باعتباره يمثل "كارثة حقوقية" من جهة أنه "تقييد صارخ للعمل الأهلي في مصر، وتطويق لمنظمات حقوق الإنسان".

من بين مواد القانون المعيبة في نظر الحركة الحقوقية المصرية، نص المادة التي تنص على "الحبس لمدة 5 سنوات، إضافة إلى غرامة تصل إلى مليون جنيه، لكل من عاون أو شارك منظمة أجنبية في ممارسة نشاط أهلي في مصر دون الحصول على تصريح، أو شارك في إجراء بحوث ميدانية أو استطلاعات رأي في مجال العمل اﻷهلي دون الحصول على موافقة مسبقة".

مزيد من التعنت ومحاولة السلطات المصرية القضاء بشكل كامل بصبغة "قانونية" على الحركة الحقوقية المصرية، يظهر في المادة التي تشترط توفيق المنظمات والجمعيات لأوضاعها بناءً على القانون الجديد في مدة أقصاها ستة أشهر، وإلا "قُضي بحلّها"، فضلًا عن جملة من نصوص المواد المقيدة والتي تجعل من المنظمات والجمعيات الأهلية تحت إشراف مباشر من الأجهزة الأمنية، في الوقت الذي يفترض بهذه المنظمات مراقبة أداء الأجهزة الأمنية أساسًا!

في نفس سياق تقنين القمع وبسط سيطرة السلطات على العمل الحقوقي، جاءت التعديلات على قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان، والتي من بينها المادة الخاصة بموافقة ثلثي البرلمان على المنح التي يتلقاها المجلس، فبحسب حقوقيين وأعضاء في المجلس نفسه، فإن هذه المادة تضرب في حيادية المجلس واستقلاليته كون البرلمان الحالي على وجه الخصوص، يعرف أغلبية مؤيدة للنظام الحاكم، خاصة وأن التعديلات أيضًا تتضمن إمكانية فصل أعضاء في المجلس بقرار من مجلس النواب دون توضيح لأسباب الفصل!

يعمل زارع وغيره من الحقوقيين المصريين في ظل أجواء من القمع المتزايد والتهديد المستمر لهم

الطريف في التعديلات التي تضمنها قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان هو أن زيارة السجون وأماكن الاحتجاز، وبعد أن كان بالإخطار أصبح بالإذن المسبق، فيما يبدو أنها محاولة لإعطاء مساحة للسجون وأماكن الاحتجاز لترتيب أوضاعها.

من بين هذه الحالة شديدة التدهور للأوضاع الحقوقية في مصر، وصولًا لتقنين الانتهاكات والقمع، خرج محمد زارع مُستحقًا لأرفع جوائز حقوق الإنسان الدولية، هو وغيره من الحقوقيين المصريين الذين يعملون في ظل أجواء من التهديد المستمر والقمع المتزايد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المجتمع المدني المصري في قبضة أمن الدولة بقانون جديد.. 3 أسئلة تشرح الكارثة

"أشياء لا تصدق".. تقارير جديدة تفضح جرائم التعذيب لدى أجهزة الأمن المصرية