محمد خان.. آخر موعد على العشاء

محمد خان.. آخر موعد على العشاء

محمد خان (Getty)

من الصعب أن تكتب عن محمد خان "1942-2016"، ليس لأنك لن تجد ما تكتبه، بل لأنك لن تعرف من أين تبدأ، ولأن الرحيل دومًا يفتح باب الكلام بالقوة دون أن تكون دردشة هادئة منعشة عن شخص له فن طازج لا يضاهيه في طزاجته شيء. عام 1983 كانت أحد روائعه "الحريف" إذا كنت مصريًا، فإنك من المؤكد قد تعثرت بهذا الفيلم مرة على التلفزيون المصري، أو على أي فضائية تهتم بالكلاسيكيات. الفيلم لا يُمل منه إطلاقًا، مصر في أوائل الثمانينيات، خارجة لتوها من حربين، منهكة تمامًا، كالسفينة التي توشك على الغرق وتهرب منها الفئران. 

إذا كان نجيب محفوظ أفضل من كتب عن القاهرة من الداخل، فإن محمد خان هو أفضل من قرأها وصورها

فإذا كان محفوظ أفضل من كتب عن القاهرة من الداخل، فإن خان هو أفضل من قرأها وصورها، خان استطاع أن يقرأ تفاصيل الحارة، ومشاهد السطوح والمصانع والمواصلات، وعالم القهوة، الذي يختلط فيه كل شيء، الفقر والانتظار والأخبار والطموح والرهانات والثرثرة. 

اقرأ/ي أيضًا: "روجير واترز- الجدار".. سيرة معجزة

لا يمكنك أن تمر مرور الكرام على مشهد البطل "فارس" بعد أن بلغه بلدياته أن والدته توفيت فيبكي وحيدًا، وتفاجئه العاهرة التي تسكن جواره، وتخبره عن زبونها الجديد وبيته الواسع، وتستطرد في الكلام، بينما يخفي دموعه بذارعه فيقاطعها "أمي ماتت" فتدخل بيتها وتترك الباب مفتوحًا خلفها، ليتبعها.

خان صاحب العين السحرية، ولقطات السهل الممتنع، في "موعد على العشاء" استطاع إعادة إخراج أجمل ما في سعاد حسني، أيضًا مشاهد "كادرات" شديدة الرقة، براقة، مختلفة تمامًا عن "الحريف"، موسيقى تصويرية رقيقة وغارقة في المشاعر للموسيقار كمال بكير، عن الحب والتطلع والانتظار. 

هل حبست أنفاسك وأنت تركض مع سعاد حسني وهي تركض لأمها حين علمت بخبر وفاة أمها أثناء وجودها في الكوافير؟ هل رأيت كيف كانت تركض وهي تحاول الإمساك بزوج أمها ثم تركته لتركض وحدها؟

نقديًا هناك أفلام أخرى مهمة لخان، أفلام استثمر فيها أحداث سياسية في الإطار الإنساني وهذا ما كان يجيد فعله، فكان فيلم "زوجة رجل مهم" المرأة/الكائن الذي كان يعرف أنه يملك لب الحكاية الإنسانية أكثر، الإنسانة العادية، التي كانت تحمل كيس القمامة خارجًا وتسمع عبد الحليم وتحلم، بينما همش أحداثًا سياسية مهمة مثل "حرب أكتوبر" رغم أنها الحدث التاريخي الأهم الذي يجري في إطاره القصة الكاملة . 

في فيلم "أحلام هند وكاميليا" لا يمكنك إلا أن ترى الإنسانية خالصة دون أية شوائب

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "أخوات السرعة".. فلسطينيات سريعات وغاضبات

"أحلام هند وكاميليا" لا يمكنك إلا أن ترى فيه الإنسانية خالصة دون أية شوائب، حيث تبدو اختيارات الحياة أوضح، المشهد العبقري هو المشهد الأخير حين تكتشف هند وكاميليا أنهما خدرتا وتم سرقتهما، وضاع المال واكتشفتا أن البنت لم تُفقد، فهان كل شيء وضحكتا وبدأتا لعبة المطاردة الطفولية على الشط.

كان خان عصبيًا مع المجاميع "الكومبارس" لكنه كان طيبًا وعفويًا، ولم يكن يعاني أمراض الشهرة وتضخم الذات. كان يمكنك أن تراه في مشروع تخرج مجموعة شباب في معهد السينما، أو يقيم حوارًا مع صحافي شاب في بداية حياته. خان أفضل من تحدث عن المرأة المصرية، في عمق التناول وبساطته وبعد نظره وتفاصيله، وعفويته. لا يتسع المجال للحديث عن كل أعمال خان، لكن هناك دومًا متسع من الوقت لرؤية أفلامه باستمتاع تام. 

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

رافي وهبي: العراب 2 كان للقضاء على مشروعي

هل يمنع "الأزهر" ظهور المسيح في القاهرة؟