محمد الصغير أولاد أحمد.. عرّاب الثورة التونسية

محمد الصغير أولاد أحمد.. عرّاب الثورة التونسية

محمد الصغير أولاد أحمد (1955 - 2016)

يعدّ محمد الصغير أولاد أحمد أحد الوجوه الشّعريّة التي أثثت المشهد الإبداعيّ التّونسيّ منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي. وقد تنبأ والده بشهرته واختار له اسمًا مسيّجًا بجميع أنواع السّلط الروحية والقبلية والسيّاسيّة والبوليسية، على حدّ تعبيره، فكان محمد الصغير أولاد أحمد بن علي مفردًا بصيغة الجمع.

حاول تجاوز خطوط الممنوع بنحت ملامح تجربة شعريّة كان من أبرز مياسمها الاختلاف، فكانت الوظيفة الأولى للمبدع بالنسبة إليه نقديّة حيث يعمد إلى نقد المجتمع والشعب والدين والسياسة بالإضافة إلى دوره الأساسي في الارتقاء بالإنسان والسمو به صوب آفاق أرحب.

أدرك أولاد أحمد أنّ على القصيدة أن تستوعب الواقع اليوميّ فتتحول بذلك إلى فضاء قادر على رصد إيقاع الحياة

أدرك أولاد أحمد أنّ على القصيدة أن تستوعب الواقع اليوميّ فتتحول بذلك إلى فضاء قادر على رصد إيقاع الحياة حيث يلتزم الشاعر بالتعبير عن شواغل الشعب وهمومه، فكان مصرا على تحدي العقليّة الداعية للاستسلام بدعوى أن ليس بالإمكان أفضل ممّا كان، وأن لا جديد أبدا تحت الشمس. فرسم منذ البداية خطًّا فنيا يدعو فيه إلى الوقوف في وجه الظلم والاستبداد والقمع، أمّا على المستوى الفنّي فقد حاول الشاعر تحقيق المعادلة الصعبة التي تجمع بين الجودة الفنّية من جهة والرؤية العميقة المتفردة من جهة أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: تونس تودّع أولاد أحمد

جماليّات الكتابة الشّعريّة عند أولاد أحمد

إنّ القصيدة عند أولاد أحمد ترتبط بلحظة الكتابة، وبالتالي كانت تعبيرًا عن موقف، وهذا ليس بغريب على شاعر يؤمن بأنّ الفنّ لا يمكن أن يرتقي إلى درجة الإبداع إلاّ إذا اقترن بتوجه فكريّ واضح في ذهن المبدع. وتمثّل القصيدة إحدى قنوات التواصل بين الباث والمتقبل لذلك حرص الشّاعر أن تكون حاملة لرسالة فنّية وجمالية فتعبّر عن عمق رؤية ناظمها، ومن ثمة أمكن القول إنّ هذا الشّاعر قد منح للشكل روحًا مغايرة، بعيدًا عن النماذج المركزية التي كرستها المنظومة النقدية التقليديّة.

لقد ثار أولاد أحمد على مركزية الشكل ليفتح الباب على مصراعيه أمام القصيدة لتخلق إيقاعًا مختلفًا يميّزها وترسم لها شخصيّة مستقلة، فتؤسس لشكل تعبيريّ يرفض الثابت ويعبّر عن رغبته في البحث عن مسكن شعريّ تستكين إليه الذات، ولعلّ طبيعته الرافضة ونفسيته القلقة دائمًا هي التي جعلته يبحث باستمرار عن مدارات جديدة للقول الشعريّ.

كان الشّعر فضاء يتداخل فيه الذاتيّ والموضوعيّ، الثابت والمتحول لينشد من خلاله الشاعر لحظة شعريّة متفردة سمتها التحرر من ضغط الأنساق الشّعريّة الثابتة شرط توقي شرّ الاستلاب والتشويه عبر الانخداع ببريق الحداثة. ومثال ذلك ما ورد في قصيدة "حمائم إلى محمود درويش" يقول:

إذَا كَانَ الشّعرُ عُصْفُورًا

فَالصُورَةُ جَنَاحُهُ الأَيْمَنُ

والإيقَاعُ جَنَاحُهُ الأَيْسَرُ

لكَنًّ الشَّعرَ لَيسَ العُصْفُور

إنَّهُ: الطَّيرَان (1).

أسّس أولاد أحمد مفهوما مختلفًا للممارسة الشّعريّة تحّولت بمقتضاها القصيدة إلى فضاء للمغامرة يمارس من خلالها الشّاعر حريته دون شروط مسبقَة مقيدة للإبداع وخانقة للذات. فعكست القصيدة عالمًا متناسقًا مكتمل البنيان واستوعبت الواقع بمختلف تحولاته، ومن هنا كان دور القصيدة خلق واقع فنّي. وقد صاغ الشّاعر كلّ هذا في صور شفافة ومبتكرة بعيدًا عن الخطابية الجافة والتقريرية، إذ ربط الصورة الفنّية بالفكرة فاكتسبت قيمتها من خلال قدرتها على الانسجام معها وما يحدث بينهما من تآلف، لا غرابة في ذلك فأولاد أحمد يؤمن بأنّ الجسد هو وسيلة الشاعر الحقيقيّة لتحويل اللغة إلى شعر، ومن ثمة كان الشّاعر هو وسيلة اللغة لإنتاج الشعر على حدّ تعبيره بعد أن ساد الاعتقاد طويلا بأنّ اللغة هي وسيلة الشاعر لإنتاج الشعر.

حاول محمد الصغير أولاد أحمد أن يؤسس أسلوبًا خاصًّا في التعامل مع النصّ الشعريّ

حاول محمد الصغير أولاد أحمد أن يؤسس أسلوبًا خاصًّا في التعامل مع النصّ الشعريّ يحفظ خصوصيّة الشّعر في اختلافه عن النثر، وفي الآن ذاته يخلصه من هيمنة النموذج التقليدي، وفي هذا السياق نجده يحافظ على الإيقاع باعتباره خصيصة الشّعر والمميز له عن بقيّة الأجناس الأدبيّة، وقد أكد هذا الأمر عند تعليقه على حديث جمعه بمحمود درويش: "أسرّ لي محمود درويش أنّ كثيرًا من الحداثة يزعجه وأنّ قدرًا لا بأس به من الكلاسيكية لا يقلقه فلعلّ هذا الهمس سيساعد جماعة تنظيم قصيدة النثر على الانتباه إلى أنّ السجع لا يعوض القافية وإلى أنّ السطر لا يعوض البيت وإلى أنّ التقنية لا تعوض الموهبة وإلى أنّ التقعر لا يعوض الصدق".

اقرأ/ي أيضًا: أولاد أحمد.. تونس التي تعلّم الثورة

لقد أضحى الشّعر محاولة لتأصيل الكيان والدفاع عنه ضدّ محاولات التهميش التي تمارس في حق المبدع، فتحوّل الخطاب الشّعريّ إلى وسيلة تأثير في الجمهور، ممّا أدى إلى تدخل السلطة لتقنين الإبداع عبر فرض أنظمة للرقابة وسنّ قوانين تنظم فعل الكتابة بشكل يسمح لها بالتدخل لممارسة سياسة الإقصاء والاضطهاد لا ضدّ الأفكار فحسب ولكن ضدّ وجود المبدع أيضًا. فكانت القصيدة عند أولاد أحمد دفاعًا عن مشروعيّة البقاء وذلك بدفع الآخر لقبول مبدأ الاختلاف. ولقد تحمل في سبيل ذلك شتى ألوان الإقصاء والمصادرة حتّى يرسخ عقليّة جديدة في التعامل مع الشّعر والشّاعر، فالشكل ليس معطى جاهزًا يسلط على القصيدة بل إنّ طبيعة الموضوع هي التي تحدده.

لقد آمن الشاعر أنّ مهمته تتمثل في إرساء منظومة قيمية تقوم على احترام حرية الإنسان وعدم انتهاكها، إلى جانب الدعوة إلى تحرير العقل من هيمنة الخطابات السائدة ونبذ كلّ أشكال القمع الفكريّ والظلم. وكانت قصائده حمّالة لهذه المعاني ترمي إلى التعبير عن تطلعات الشعب نحو حياة أفضل، فكان الملمح المميّز لهذه التجربة هو الثورة على الموجود، حيث تغيّرت وظيفة الأدب ولم يعد دوره محاكاة الواقع أو الإيهام به وإنّما هو ملتزم بالواقع يعبّر عن مشاكله وقضاياه.

أصداء الثورة في نص أولاد أحمد

كان أولاد أحمد وفيًّا لكلّ الأشياء المرفوضة حدّ اللعنة يباركها متحديًا بمشيئة الرفض كلّ القيم السائدة. وكانت الكتابة بالنسبة إليه لحظة فريدة يتوحد فيها مع الورقة البيضاء ويمارس معها لعبة الإغْوَاء التي يسلم فيها القياد للجسد، فالقصيدة بالنسبة إليه تختار شكل تحققها تَبَعا لطقس كتابتها، خاصّة أنّ نصوص أولاد أحمد كانت مواكبة للتحولات التي شهدها الواقع التّونسيّ، وبالتحديد إبان الثورة التّونسيّة التي شكّلت منعرجًا حاسمًا في تاريخ البلاد على جميع المستويات السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، وقد توسل بأشكال مختلفة للتعبير في محاولة لاستيعاب شواغل الشعب وتجسيم طموحاته وطرح أولاد أحمد رؤيته الفنّية التي التبست بالهمّ الوطنيّ، فالمبدع فرد من أفراد الشعب عانى مثله القهر والظلم والاضطهاد، ولكنّه يختلف عنه بفضل قدرته على الفعل عبر صياغة قوانين حركة المجتمع.

وبالتالي تحوّل النصّ بموجب ذلك إلى فضاء يستوعب هذه الشواغل الآنية، فقد كان وعي أولاد أحمد حادا بأنّ دور المبدع هو أن يكون شاهدًا على ما يحدث حوله حتّى لا يُزَوَّرَ التاريخ، وتأكيدًا لهذه الفكرة أصدر كتابه "القيادة الشّعريّة للثورة التّونسيّة" في شكل يوميّات دوّن فيها كلّ الأحداث التي رافقت اندلاع الثورة التّونسيّة في سيدي بوزيد منذ 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، ومنه نقتطف هذا البيان الصادر عن القيادة الشّعريّة للثورة الشّعبيّة التّونسيّة بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2011 يقول فيه الناطق الرسميّ باسم القيادة: "أيّها الشعب الثائر نبشركم بالآتي: تتم الآن مشاورات حثيثة بين شعراء الكرة الأرضية قَاطبَة، العضويين منهم بالخصوص، من أجل تنظيم اعتصام وإضراب جوع لمدّة يوم واحد، في مختلف مدن العالم ومهرجاناته، احتجاجًا على السلوك السافل لفصائل الأمن التونسيّ وعلى النزعات الحيوانيّة لمليشيات التجمع غير الدستوريّ وغير الديمقراطي.. وسيعمل الشّعراء خلال ذلك الاعتصام وذلك الإضراب على كتابة قصائد في شتى اللغات دفاعًا عن أناقة الثورة التّونسيّة وتشهيرًا بالبوليس ومليشيات الحزب. ومن المنتظر أن يلتحق أبو الطيب المتنبي بالقافلة. أصمدوا واتركوا هذا الأسبوع للشّعر وللشّعراء." (2).

كان أولاد أحمد وفيًّا لكلّ الأشياء المرفوضة حدّ اللعنة يباركها متحديًا بمشيئة الرفض كلّ القيم السائدة

اقرأ/ي أيضًا: حوار|زين العابدين الضبيبي: الشعر رسالة.. ومهنة إذا لزم الأمر

فالأدب لا ينفصل عن الواقع وليس معزولًا عن المجتمع، بل إنّ الأديب هو جزء من حركته يتأثر به ويؤثر فيه فهي علاقة تفاعليّة، فكانت الكتابة الأدبيّة من هذا المنظور فعلًا ثوريًا همّها تغيير الواقع، ذلك أنّ الأفكار هي انعكاس لواقع الحياة الماديّة ومهمة الأديب تكمن في النفاذ إلى بنيته التحتية وتعرية ما يخترق نسيجه من صراعات في مظاهرها الاجتماعيّة والنفسيّة المتولّدة في الواقع من الظروف والأوضاع الحافة بحياة الأفراد والجماعات.

كان هدف محمد الصغير أولاد أحمد في خضم هذه الظروف التي يمرّ بها الموطن والوطن على حدّ تعبيره تطويع الأدب حتّى يتمكن من تحقيق التواصل مع الجمهور، وها هو يقول: "آن لي أن أختار ما بين موطني ووطني: الأوّل أهداني جسمي واسمي والثّاني افتكّ منّي ما لم أطلب منه بعد أن سَرقَ منّي ما كنت سأهديه إيّاه. الأول جدول أحلامي الصغير والثاني وادي آلامي الكبير. آن لي أن أضع دماء الشباب المحروق، والآخر المنتحر، والثالث المجروح، والرابع المصعوق، والخامس المقتول، على قمصان رجال الحكومة حتّى تدفعهم الخيلاء إلى الاعتقاد بأن قمصانهم هي أعلام تونس ذاتها وأن بقع الدم الحمراء التي تزيّنها ما هي إلا نوع من الابتكار والديزاين في معرض اللباس التنكّري الطويل هذا." (3).

لطالما ردد أنّ مشروعه يتمثل في أن يكون أديبًا لا متأدبًا، ولم يكن يهمه أن ينسجم مع الذوق العام بقدر ما كان يطمح إلى أن يكون نصّه صدى لتطلعات الشعب وطموحاته ومرآة تنعكس عليها مشاغله وقضاياه، فلم يعد المبدع مجرد متقبل سلبيّ بل أضحى منخرطًا في حركة المجتمع ومتفاعلًا معه. وبفضل ذلك يتسنى للمبدع تمرير رسالته بعد التغيّر الحاصل في وظيفة الإبداع الذي استقى مواضيعه من الواقع، أمّا المبدع فقد التحق بصفوف الشعب فلم يعد مجرد متقبل سلبيّ بل أضحى منخرطًا في حركة المجتمع.

التبس الخطاب الشّعريّ عند أولاد أحمد بالخطاب السياسيّ ليستعيد الشّعر وظيفته الأولى باعتباره ديوانًا للعرب

لقد التبس الخطاب الشّعريّ عند أولاد أحمد بالخطاب السياسيّ ليستعيد الشّعر وظيفته الأولى باعتباره ديوانًا للعرب، فارتبطت القصيدة بمجرى الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة لتكون حاسمة في تغيير الأحداث في لحظات تاريخيّة ومصيريّة، فوظيفة الشّاعر تغيير الواقع وعليه الالتزام بقضايا مجتمعه والدفاع عنها سلاحه القرطاس والقلم، يقول في نصّ تونس: "الآن وهنا " الذي كتبه في 08 كانون الثاني/ يناير 2010.

نُحَاصرُ الذي يُحَاصِرُ الغَضَبْ

فَبَعدَ حينٍ.. يَنتَهي مُسَلْسَلُ الكَذبْ

ومُمكنٌ أَنْ يَقتُلَ القنّاصَةُ الأفْكَارَ والوَرَقْ

وأَنْ نَمُوتَ قَبْلَ فَجرِنَا

 لتَسْمَعُوا: أَسْمعُهُ يَدُقْ

مَا أشْجَعكْ (4).

تمكن محمد الصغير أولاد أحمد من اختراق اليوميّ والتعبير عن صراع الذات المبدعة من أجل البقاء متحدية سياسة التهميش التي تمارسها السلطة في حقها، فعمد إلى إرساء قواعد ممارسة شعريّة نابعة من رؤية عميقة للواقع، بعيدًا عن تبني رؤى فنّية من شأنها تقنين الفعل الإبداعيّ وتقييد المبدع، حيث شكّلت الحرية بالنسبة إليه مطلبًا ملحًا على المستويين الشخصيّ والفنّي إيمانا منه أنّ الحرية لا تتجزأ، بل لا  بّد أن تأتي دفعة واحدة، وفي ذلك يقول في إحدى قصائده الصادرة من مقر القيادة الشّعريّة بتاريخ 16 آذار/مارس 2011:

تُونِسي مَرَةً وَاحِدةً

تُونِسي، دُفعةً واحدةً، أو لا أَكُون (5).

ما نخلص إليه إذًا أنّ أولاد أحمد قد تمكن من رسم خطّ شعريّ مختلف عن أبناء جيله، حتّى أنّ أصدقاءه عدّوه ظاهرة متحركة بعد نجاحه في خلق طابع خاصّ ميّز حركته في المشهد الثّقافيّ، وقد وصفه البعض من الدارسين بالفوضوي ويعتبره آخرون صعلوكًا من صعاليك الشعر الحديث هذا بالنظر إلى خصوصيّة قصيدته التي غدت فضاء للتعبير عن همومه الفردية والمحلية، فهو يرى ضرورة مراعاة الخصوصيّة القطرية قبل البحث في المشترك القوميّ، وإيمانًا منه بهذا الدور الفعال الذي يجب أن يلعبه الأدب في التغيير والتقويم والإصلاح شارك بنصوصه الشّعريّة منها والنثريّة في تبني المقولات الثوريّة وناصر قضايا الشعب التّونسيّ في مرحلة حساسة من تاريخه النضاليّ في سبيل الدفاع عن الحرية والكرامة، فللأدب عند أولاد أحمد وظيفة اجتماعيّة باعتباره انعكاسًا لطموحات الشعب وتطلعاته المستقبليّة.

 

هوامش: 

1- محمد الصغير أولاد أحمد: ديوان الوصية، تونس، منشورات أولاد أحمد، ط2، 2003.، ص 94.

2- محمد الصغير أولاد أحمد، القيادة الشعرية للثورة التونسية، تونس، منشورات أولاد أحمد، ط 1، 2013، ص 219.

3- محمد الصغير أولاد أحمد، القيادة الشعرية للثورة التونسية، ص 9.

4- محمد الصغير أولاد أحمد، القيادة الشعريّة للثورة التّونسيّة، مصدر سابق، ص 180.