محلل الممانعة ومناقيش السفارة

محلل الممانعة ومناقيش السفارة

من مظاهرات بيروت (تصوير: دار المصور)

على التلفزيون المحلي اللبناني، وعلى شاشة محلية – إقليمية، في الفترة الصباحية، يظهر المحلل. يا له من صباح! قد تخطر الجملة الأولى في فيلم إيليا سليمان، "يد إلهية"، التي يرددها سائق التاكسي في وجوه المارة. أمامنا الآن محلل متواضع، من بين جملة محللين متواضعين، يحللون الانتفاضة ومآلاتها. وهذا الشخص ليس محدّدًا، هذا المحلل يتوزع على عشرات. يوجد الكثيرون منه، يكفي أن تكون لك حنجرة قوية، وأن تكون بوقًا لأحد الأحزاب، أو شبيحًا، ويمكنك أن تسمّي نفسك "محللًا سياسيًّا". هذا لا ينسحب على الجميع، ولكن فئة "الأبواق" تعمل أكثر من غيرها في الآونة الأخيرة.

يكفي أن تكون لك حنجرة قوية، وأن تكون بوقًا لأحد الأحزاب، أو شبيحًا، ويمكنك أن تسمّي نفسك "محللًا سياسيًّا"

المفارقة، أن القصة، كما حدثت، مباشرةً على الهواء، لم تحدث مع محلل واحد، بل حدثت مع العشرات. يرددون الأشياء نفسها. وإذا أردنا استعارة اللازمة من أغنية خالد الهبر الشهيرة، فيمكننا القول: "الكيلو بخمسة البطاطا وبتلاتة المحللين". المحلل الذي أمامنا، مثل جميع زملائه، ولا أحد يمكنه أن يفهم الغاية من استضافته، والسماح له بالحديث في قضايا عامة، بينما يمكن استضافة أي مواطن آخر على الطريق، ليقول الأشياء نفسها. يمكن استضافة سائق الباص، أو الصيدلي، أو طبيب العيون، أو حتى موزع الستالايت، لقول ما يقوله المحلل.

اقرأ/ي أيضًا: التشبيح يخيم فوق بيروت.. الأمن والميليشيات يعتدون على المنتفضين

يفاجئنا المحرر-المحلل، يفحمنا. يبرهن على تفوقه على سائقي سيارات الأجرة وعلماء الكيمياء والأطباء والسمكريين، بالتحدث في السياسة، وفي فهمها، عندما يسأل نفسه سؤالًا عبقريًا. بتواضع وحكمة، يقذف سؤاله إلى الجماهير التي تنتظر تحليلاته. "كل هذا بتمويل خارجي. من الجهة التي موّلت توزيع المناقيش في تظاهرات وسط المدينة؟ بربكم، مَن موّل، مَن مَن؟".

سؤال وجودي بلا شك، صعب ومستحيل. جان بول سارتر يتألم في الأبدية. يسأل نفسه، كيف فاته هذا السؤال. من أين ظهر المحلل الوجودي. لكن علينا أن ننتبه، السؤال يبحث عن إجابة على ذات القدر من العبقرية.

تهزّ المحاورة رأسها، وتتمتم: ممممممم. مممممم.

يقاطعها: من موّل المناقيش؟ نسأل سؤالًا محقًا.

المناقيش أتت مباشرةً من السفارة الأمريكية. لا أحد يخبر المشاهدين هذه الحقيقة الصعبة، لكن المشاهد اللبيب يفهم لوحده. واضحة.

محلل مغمور آخر يسأل عن مكبرات الصوت ومن أين تأتي. ثم تتوالى التحليلات التي تجتر نفسها، بالسماكة ذاتها، وقلة القدرة حتى على رفد المؤامرة المتخيّلة بذرائع جديدة. ما دور الأميركيين في الانتفاضة. ولماذا يتظاهر الناس في جل الديب، ولا يتظاهرون في الزلقا. من يحدد الشعارات، ولماذا يشتم هذا الزعيم أكثر من ذلك. وما هي طوائف المشاركين، وهل هم يتحركون بواسطة "ريموت كونترول"، أم أنهم أحرار فعلًا. وتستمر التحليلات الرائعة:

- ما هي مطالب المتظاهرين؟

- لا يوجد قادة لهذا "الحراك".

- إسقاط النظام، ما البديل؟

- لماذا تنقل قناة "الجديد" الأحداث دائمًا؟

- نقيب المحامين مدعوم من "نمور التاميل".

- فليشكلوا وفدًا ويلتقوا بالرئيس.

- هناك من يوزع المياه مجانًا على المتظاهرين.

المشاهد في وسط بيروت من زوايا مختلفة، لا تظهر الحقيقة كاملة، يحلل المحلل. تتثاءب المحاورة "لايف" على الهواء، على غفلة منه. لكنه يكمل ما بدأه منذ أول الحلقة، أو بالذات ما بدأه منذ بدأ حِرفة "التحليل" السياسي. الأفكار ذاتها، الردحيات ذاتها. المدائح ذاتها، والأفكار ذاتها، عن المؤامرة والتمويل الخارجي. وإن كان ثمة جديد في الشارع، باستخدام شعار طائفي ضد المتظاهرين، فلا بأس. يحضر جان بول سارتر إلى الاستديو، ويفكك الشعار حرفًا حرفًا، ويثبت للجماهير المتسمرة خلف الشاشات بانتظاره، أن الشعار أنطولوجي، وليس طائفيًا.

يخبر زميله المحلل الآخر، أنه يحترم "الرأي الآخر". والخلاف بينهما كبير، فالأول يسمّي الانتفاضة "حراك شعبي"، والثاني يسمّيها "حراك مدني"

يخبر زميله المحلل الآخر، أنه يحترم "الرأي الآخر". والخلاف بينهما كبير، فالمحلل الأول يسمّي الانتفاضة "حراك شعبي"، والثاني يسمّيها "حراك مدني". الأول يقول هناك أشخاص "نظيفون في الحراك"، والثاني يقول إن "النظيفون في الحراك أقل من غير النظيفين". المحلل سارتر يقول إن "جزء كبير من المطالب محق"، فيصحح له زميله الذي "يختلف" معه في الرأي: "ولكن لا نعرف موقف الحراك من اليمن". ثم تحدث جولة عصف آراء بمشاركة المحاورة، التي تحاول أن تكون موضوعية، وتسأل: "إلى أين؟".

اقرأ/ي أيضًا: جبران باسيل واللاجئون.. تارةً في سويسرا وتارةً أخرى في المجر!

قبل الجميع، يجيب المحلل سارتر: "حكومة وحدة وطنية طبعًا"، برئاسة "علي بابا".

يوافق زميله "العبقري" هذه المرة، ويعبران بحب كبير عن مسامحتهما للمتظاهرين أصحاب "المطالب المحقة" بتناول بعض المناقيش "المشبوهة". ثم يتفهمان معًا "غضب الأهالي"، المتمثل بهجوم "عفوي" على المتظاهرين، لا تقوده جماعات حزبية، ولا تحركه عصبيات طائفية، بل هو كما تعلمون رد فعل "عفوي"، على مؤامرة كبيرة تحدث في وسط المدينة. مؤامرة تتمثل بإسقاط الحكومة النزيهة، والوجوه الطيبة والشريفة التي فيها، ومحاولة استبدالها بأبطال مسلسل "جزيرة الكنز".

 

اقرأ/ي أيضًا:

حزب الله ومسألة الدولة المدنية وولاية الفقيه والطائفية السياسية

إعادة اكتشاف وسط بيروت