محاولة في تعريف المنفى

محاولة في تعريف المنفى

كاريكاتير لـ هاني عباس/ فلسطين- سوريا

قد يبدو غير منطقيّ وصعب الشرح أن يقدم اللاجئ صورته مشوبة بالاضطراب والضياع في دول أوروبية أو في الولايات المتحدة وكندا وغيرها من الدول المستقرة نسبيًا، والتي تشكل أنموذجًا لبقية البشر الذين يحلمون إما بالعيش في تلك الدول أو الوصول لمستواها المعيشي والحضاري، خاصة بالنسبة لدول تنهار كسوريا واليمن وليبيا وسواها... إذ كيف يمكن أن يشرح اللاجئ أنه يعاني حقًا في دول الرفاه وحقوق الإنسان والقانون والنظام العام الدقيق لمواطنيه في دول يعيش فيها الناس مهددين بالموت قتلًا واعتقالًا وجوعًا وتشردًا؟ إذ إن مفهوم المعاناة الذي يجب أن يكون متفقًا عليه ومُقاسًا بمقاييس واضحة ليس كذلك، أو لم يعد كذلك، في عالم مضاد أصلًا للقيم التي حاول البشر عبر تاريخهم تثبيتها وإقرارها، وتحول لمفهوم نسبي كأن يكون المعتقل في فرع أمني ما أفضل من المعتقل في فرع أمني آخر ضمن حدود الدولة ذاتها! لكن مع هذا فإن نسبية هذا المفهوم هي التي تتيح للاجئ أن يضمن أن الآخرين، أو أن مواطنيه في بلدانهم الأم سيتفهمون أنه يعاني فعلًا.

المنفيّ إنسان مشطور: جزء منه يعيش في بلد المنفى وجزء آخر يعيش في البلد الأم

المنفيّ إنسان مشطور: جزء منه يعيش في بلد المنفى وجزء آخر يعيش في البلد الأم، فلا هو قادر على الانخراط في المجتمع الجديد ولا هو يعيش في مجتمعه الأم. فالعيش في أي من المجتمعين يتطلب أن يعيش المرء بكليته، فيما المنفيّ مجزّأ! يترتب على ذلك شعور ناقص بالانتماء وبالتعبير وبالحركة.

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة وكتاب "في نفي المنفى": الحرية مبدأ

المنفيّ إنسان بلا هوية: فالمجتع الجديد ينظر إليه ليس على أنه "كائن مستقبلي" كما تعبر حنه آرندت، بل على أنه لاجئ، وأحيانًا "أجنبي عدواني"، إنسان لا مستقبلي، بل ماضوي. والمجتمع الأم ينظر إليه أنه هارب منه، متخلِّ عنه، اتخذ قراره الفردي بمعزل عن تطلعات ومعاناة مجتمعه. المجتمع الجديد لا ينظر إليه بوصفه مواطنًا، بل لاجئ، ومجتمعه الأم ينظر إليه على أنه لم يعد مواطنًا ينتمي لبلده الأم، بل للبلد الجديد.

المنفيّ إنسان بلا ماض ولا مستقبل: بالنسبة للمجتمع الجديد فاللاجئ سيعود إلى بلده في المستقبل حين تتغير الظروف التي أدت للجوئه، الأمر الذي يعني أنه لا يشارك بصناعة مستقبل البلد المضيف، بل هو يعيش فيه فترة مؤقتة، ما يعني أيضًا أن البلد المضيف غير معني بمستقبل اللاجئ. أما ماضي اللاجئ سواء أكان عظيمًا أو غير ذلك فإنه لا يؤخذ بحسبان البلد الجديد مقدار شعرة: اللاجئ لاجئ فقط! يبدأ تاريخه من لحظة دخوله البلد الجديد، وما قبل ذلك فقد ظل بالبلد الأم، وهذا يعني بالنسبة للسوريين مثلًا أنه تحطم تحت الأنقاض، أنقاض العمران وأنقاض الإنسان. أما بالنسبة للمجتمع الأم فاللاجئ بلا مستقبل لأنه يبني مستقبله في بلدان اللجوء، وليس مهتمًا بمستقبل بلده، وهو خارج تفكير المهتمين بدراسة مستقبل بلدانهم الأم،  فهو ليس موجودًا ولا ضمانة أنه سيعود ولا ثقة بذلك. وهو كذلك بلا ماض، إذ إنه تخلى عن كل شيء حققه بنفسه وهرب! فماضيه مدفون إما تحت الأنقاض أو في ذاكرة متخمة بقسوة الحاضر ولا مكان فيها لأي ماض مهما علا شأنه.

المنفيّ إنسان متهم: عدا تهم الإرهاب فهذه بحاجة لبحث مستقل، إنما هو متهم في المجتمع الجديد بأنه مجهول! لا أحد يعرف اللاجئ، من هو؟ بلده؟ لماذا هرب فعليًا من بلده؟ ماذا يريد؟ تلك التساؤلات تؤدي إلى بناء تصور عن اللاجئ يحتمل كل شيء، قد يكون مجرمًا، هاربًا من العدالة، متحرشًا، مغتصِبًا، لديه مشاكل مالية، أخلاقية... إلى آخر تلك التهم التي لا تحصى. ونتيجة وجود ما يمكن تسميته سيكولوجيا اللاجئ فإنه يتصرف طيلة الوقت لنفي تلك التهم عنه بإظهار نفسه أنه كان في بلده ذا شأن! عرضت حنا آرندت في مقالتها "نحن اللاجئين" صرخة لشاب ألماني لاجئ حيث قال: "أنتم لا تعرفون من تكلمون، لقد كنت مدير قسم في كارشتات" (مخزن كبير  منتشر الآن في ربوع ألمانيا). يأسُ هذا الشاب دفعه لمراسلات شخصيات عظيمة كي تتم معاملته بوصفه إنسانًا ذا كرامة. ثم صرخ: "لا أحد هنا يعرف من أكون". ثم تقول آرندت إنه "في هذا العالم المجنون أسهل أن يكون المرء مقبولًا (كرجل عظيم) من أن يكون كائنًا إنسانيًا".

في السياق ذاته، قال أحد الشباب السوريين يخاطب الألمان في أحد مراكز اللجوء: "عندما أتعلم اللغة بشكل جيد سأقول لكم من أنا، لغتي لا تسمح لي بشرح من أكون". وأكمل بواسطة مترجم: "كنت أعمل في دمشق عملًا جيدًا وأكسب من خلاله الكثير من المال، كان لدي سيارة وكنت عندما أشعر بالملل أذهب إلى صديق، ثم نذهب معًا إلى طرطوس نشرب قهوة على البحر ثم نعود إلى دمشق في اليوم ذاته". الشاب لم يكن صادقًا كما أنه لم يكن كاذبًا. كان مضطربًا، وغير متأكد من مستقبله. كان يريد إثبات ما لا يمكن إثباته. باختصار: كان لاجئًا. ثمة سلوك يومي يشعر اللاجئ أنه عليه اتباعه على مدار الساعة وهو نفي تهمة مسبقة وجاهزة وهي أن اللاجئ يمكن أن يفعل كل الأشياء من بينها: القتل، والسرقة، والتحرش... إنه متهم أيضًا في بلده الأم، متهم بواحدة من أشد التهم التي يتوجب عليه نفيها على مدار الساعة، متهم بالتخلي! تخلى عن شعبه وعن بلده بقرار ينطوي على رغبة بالخلاص الفردي تاركًا شعبه لقضاء الله وقدره.

لا أحد يعرف اللاجئ، من هو؟ بلده؟ لماذا هرب فعليًا من بلده؟ ماذا يريد؟

المنفيّ إنسان بلا قيمة، صغير: الإعلام الأوروبي يركز بصفة خاصة على ما يصفه بـ"اللاجئ الناجح" وهو الذي تمكن من تحقيق ما يسمونه "إنجازًا" بمقاييس المجتمع الأوروبي للإنجاز، من ضمن هذه "الإنجازات" التعلم السريع للغة البلد المضيف، إيجاد عمل، تغيير المهنة الأصلية وتعلّم مهنة أخرى والعمل بها، ومن ضمنها أيضًا "الإبداع" في مجال ما من المجالات التي تحقق مكسبًا للمجتمع الأوروبي... إلخ، ويتم تعريف اللاجئ الجيد باللاجئ الناجح وفق المفهوم الأوروبي للنجاح المخصص للاجئين! وهذا  يعني أن جميع اللاجئين الآخرين الذين لم يتمكنوا، لأسباب ذاتية شخصية أو لأسباب عامة أخرى، من أن يكونوا "ناجحين" وفق ذلك المفهوم هم فاشلون، وبالتالي فإنه غير مرحب بهم، أو يندرجون في مرتبة أدنى اجتماعيًا! وبالتالي فإن كافة "غير الناجحين" يشعرون أنهم بلا قيمة ولا فائدة ومجرد أناس صغار.

اقرأ/ي أيضًا: المنفى في صمته

هذه الإشارات نقطة في بحر ما يعانيه اللاجئ، نترك ذكر إشارات أخرى لمرات قادمة ربما. لكن النسبية هنا تبرز كوحش وهي أن كل تلك المعاناة لا تشكل هي الأخرى سوى نقطة في بحر معاناة أهل البلد الأم. إلا أنها حقيقة معاناة قد تؤدي إلى نتائج سيئة هي الأخرى أيضًا.

  

اقرأ/ي أيضًا:

المنفى.. كحياة مؤجّلة

"طلبكم مرفوض".. هل انتهى ربيع اللاجئين في أوروبا؟