"مجلس السلام".. إعادة رسم العالم من بوابة غزة
23 يناير 2026
لم يكن المجلس الذي أطلقه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على هامش منتدى دافوس مبادرة لإعادة إعمار غزة، بقدر ما هو مشروع سياسي يسعى لإعادة تحديد من يحكم العالم، ومن يملك شرعية القرار فيه.
ورغم تسويقه كمكملٍ للأمم المتحدة إلا أن بنيته تشي بالعكس تمامًا، فهو مؤسسة تتجاوز كل المؤسسات الدولية، وفيها آلية تعطي ترامب حق رئاستها إلى أجل غير مسمى، إلى جانب أن من يديرها هم المقربون منه، والذين ينظرون إلى العالم بمنطق ربحي تجاري، لا حضور فيه للإنسان والحقوق.
يمنح الميثاق التأسيسي للمجلس لترامب سلطة مطلقة في تعيين الأعضاء، وإنشاء الكيانات، وتعديل الصلاحيات، وقبول أو استبعاد الدول حسب ولائها أو قدرتها على الدفع. فالمقعد الدائم في هذا المجلس هو عبارة عن معاملة مالية تبدأ بمليار دولار. وبهذا المعنى، يمكن شراء السلام مع ترامب وليس بناؤه.
إدارة ما بعد الإبادة.. شرعنة المجرم
في المشهد الأكثر فجاجة، يحضر بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية جرائم الحرب المرتكبة في غزة، كعضو في ما يُسمّى "مجلس السلام". مفارقة تختصر حجم الاستهتار بالعدالة الدولية، إذ يتحوّل المتهم بارتكاب الجرائم إلى شريك في إدارة نتائجها، لا إلى طرف يُسأل أو يُحاسَب.
بهذا المعنى، لا تُقارب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها قطاع غزة بوصفها جريمة تستوجب المساءلة، بل يُعاد تدويرها ضمن مشروع "إعادة تطوير" اقتصادي، تُختزل فيه المأساة الإنسانية إلى أرقام استثمارية ومخططات عمرانية. مشروع تديره شخصيات ترامبية باتت مألوفة، من جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وماركو روبيو، وصولًا إلى توني بلير، في إعادة إنتاج لنموذج يرى في الخراب فرصة تجارية، وفي الدماء مدخلًا للربح.
وفي هذا السياق، تأتي الوعود البراقة، من "صفر بطالة" إلى رفع الدخل السنوي إلى 13 ألف دولار، وصناعة "غزة جديدة" على المدى المتوسط، متجاهلةً الحقيقة المأساوية على الأرض: شعب محطم، وأرض محروقة، وغياب كامل لأي حديث عن الاحتلال بوصفه أصل المأساة. ويُستعاض عن ذلك بخطاب مزيّن عن "مدينة الأحلام" تُدار من فوق، بما ينسف الفكرة من أساسها، إذ تُبنى على منطق إقصائي واضح: من ليس معنا، لا حقوق له.
وهكذا، تُستبدل الحقوق الأساسية، من رفع الحصار، وإنهاء الاحتلال، وضمان حق تقرير المصير، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، بناطحات سحاب تُقام فوق أنقاض المدن المدمّرة، وكأن العدالة يمكن تجاوزها بالإسمنت، وكأن السلام يُبنى فوق الركام دون مساءلة. في هذا الإطار، لا يبدو "مجلس السلام" سوى غطاء سياسي واقتصادي لإعادة شرعنة الجريمة، لا آلية حقيقية لإنصاف الضحايا أو لتحقيق سلام عادل ودائم.
ورغم الغياب الإسرائيلي العلني عن مراسم التأسيس، فإن البصمة الإسرائيلية كانت حاضرة بوضوح، لا بوصفها طرفًا غائبًا، بل كفاعل مركزي يدير المشهد من الخلف. غابت إسرائيل شكليًا، لكنها حضرت فعليًا عبر الأجندة المطروحة، وأولويات التنفيذ، وطبيعة الحل المفروض، في إعادة إنتاج مدروسة لاستراتيجيتها التقليدية: الإفلات من المساءلة، وتكليف الحلفاء بتجميل النتائج. وبهذه الصيغة، لا يبدو "مجلس السلام" أداة لإنهاء الحرب، بل آلية لتكريس مخرجاتها، وتحويل الجريمة إلى واقع مُدار، والدمار إلى فرصة سياسية واقتصادية، فيما يُعاد تسويق السلام كخطاب منزوع العدالة، يبرّئ الفاعل ويهمّش الضحية.
مجلس خارج منطق التعددية
في أوروبا، كان الحذر سيد الموقف. دول عدة تحفظت أو امتنعت عن الانضمام إلى "مجلس السلام"، ليس فقط بسبب غموض صلاحياته وآليات عمله، بل لأن بنيته نفسها تتعارض مع منطق التعددية الذي قام عليه النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ومع الدور المركزي للأمم المتحدة بوصفها الإطار الشرعي لإدارة النزاعات. هذا التحفظ عكس خشية أوروبية من أن يتحول المجلس إلى كيان موازٍ يفرّغ المؤسسات الدولية من مضمونها، ويعيد تركيز القرار بيد قوة واحدة.
أما الموقف العربي، فبدا أقرب إلى مجاملة سياسية محسوبة. فرغم الترحيب الشكلي بالمبادرة، حرصت بيانات وزراء الخارجية العرب على حصر دور المجلس بقطاع غزة حصرًا، ورفض أي تمدّد سياسي أو سيادي يتجاوز هذا الإطار، في محاولة لتفادي تحمّل تبعات مشروع ملتبس قد يُستخدم لاحقًا لفرض وقائع جديدة.
هيمنة مُقنعة
في الخلفية، يعيد دونالد ترامب تقديم نفسه، لا كزعيم سياسي تقليدي، بل كمدير شركة عالمية يدير الملفات الدولية بمنطق الصفقات. وكما كتب الصحافي الأميركي توماس فريدمان مؤخرًا، فإن ترامب لا يحكم الولايات المتحدة كرئيس دولة، بل كـ"رجل أعمال مفلس سابق"، محاط بالموالين لا بالمستشارين، وتُحرّكه الأهواء أكثر مما تقوده الاستراتيجيات. ومن لا يرى تناقضًا بين طموحه لضم جزيرة غرينلاند وسعيه لنيل جائزة نوبل للسلام، لن يجد حرجًا في إدارة العالم من بوابة غزة، بوصفها فرصة جديدة للاستثمار السياسي والاقتصادي، لا قضية شعب يُطالب بالعدالة والحقوق.
سلام بلا عدالة
في المحصلة، "مجلس السلام" مشروع هيمنة بلغة الأرقام والحسابات. يحلم بأن يكون بديلًا للأمم المتحدة، يتحدث عن إعادة الإعمار ويتجاهل الإبادة، يضعف القانون الدولي باسم الاستقرار، ويمنح إسرائيل دورًا تنفيذيًا في مستقبل غزة، دون أن تُسأل عن دورها وأفعالها.
كل ما تفعله إدارة ترامب هو مشاريع إخضاع، يقوم على سلب حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتختزل فكرة السلام إلى خطة استثمارية تُدار وتُنفذ وفق مصالح الشركات والمستشارين، لا وفق آمال ومطالب الناس.
ترامب يفرض وقائع بالقوة، ويستخدم معاناة المجتمعات كساحة صفقات تجارية وأدوات تفاوض جيوسياسي، وبدلًا من يحقق السلام أو يقترب منه يزيد من تكريس الظلم، وتعذية التطرف، وتقويض كل فرص العدالة الحقيقية.
لا حاجة لشعوب عالمنا إلى مجالس سلام فوقية، بل إلى إنهاء الاحتلال، وضمان الحقوق والكرامة والحرية، ورفض منطق تركيع الدول، وكل خطة لا تبدأ من هذه المحددات ستقودنا إلى عقود جديدة من الغضب والعنف.






