مثقفو الثورة.. وليدو المصادفة

مثقفو الثورة.. وليدو المصادفة

رودريغو دي ماتوس/ البرتغال

بدءًا من اللحظة التي قامت فيها الثورة وحتى الآن، عجزت عن أن تكون ثورة كاملة، حيث إنها وضعت نصب عينيها هدفًا واحدًا ووحيدًا يتجلى بإسقاط نظام سياسي متمثل برئيس ما زال متمسكًا وواثقًا من شرعيته بعد كل هذا الدم والخراب. 

أزمة الثورة السورية جزء لا يتجزأ من أزمة المثقف الذاتية والوجودية وضياع هويته

إذًا، الثورة السورية حتى هذه اللحظة حرب على الشرعية والحكم لا أكثر ولا أقل. قد يقول قائل إننا خرجنا من أجل ذلك طالما أن هذا الحكم لم يعترف بالمواطن ولم يمنحه حقوق المواطنة والحياة، وهذا سيكون صحيحًا لولا أن الثورات لا يمكن أن تتجزأ. فالثورة لا تكون ثورة إن لم تقم لهدم كل ما تم تكريسه من قبل أنظمة دينية واجتماعية شمولية، لا سياسية فقط، وبناء كل ما منعت هذه الأنظمة بناءه من إنسان وفكر وحضارة. وهنا لا يمكن أن نوجه اللوم إلى المواطن المغيّب، الذي تم قمع عقله وأدواته وتحديدها برغيف خبز، بل إلى المثقف، أو الذي يقدم نفسه مثقفًا وعاملًا على التغيير وضلعًا من أضلاع الثورة وصوتًا لها.

إذا أردنا أن نكون صريحين فلا بدّ من الاعتراف أن المثقف لم يقدم للحراك الشعبي أكثر من تعاطف سلبي ساذج غير فعال؛ مع الاعتراف بوجود استثناءات قليلة والإشارة إلى حقيقة أن الاستثناء لا يصنع قاعدة. من المنطقي والمطلوب والضروري أن يكون انحياز المثقف أولًا إلى الإنسانية كمفهوم، ومن ثم إلى الأخلاق كتطبيق، وكل ما عدا ذلك هو ضرب من ضروب العطالة التي يعيشها الجميع من خلال تنحية العقل وفصله عن السلوكيات المجتمعية. 

ولدى مطالعة المراحل التي مرت بها الثورة في سوريا، وتفاعل المثقف معها سنرى أن ما حصل هو العكس تمامًا، فقد علا خطاب الحرية والتغيير والكرامة في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي، وبقي كما هو عليه، أو تراجع في أحيان كثيرة على الصعيد الاجتماعي. فبعد أن ضاعت أو انهارت الضوابط الاجتماعية لم نقم بوضع أو صنع ضوابط أخلاقية وإنسانية بديلة تضبط السلوك البشري، وتعيد البوصلة إلى الجهة التي كان يجب أن تشير إليها ولم تفعل تحت حكم الأسدين، الذي جرد الإنسان من ضوابطه الذاتية وأعاده إلى البدائية والهمجية. 

هذا الدور الذي كان على المثقف أن يلعبه نأى بنفسه عنه تاركًا الساحة للمتسولين واللصوص والمدعين، ما أنتج مجتمعًا ثوريًا ساقطًا وهابطًا مشغولًا بشاشاته المتعددة الألوان وبجلساته في المقاهي "الثورية"، متابعًا انتهاكه لحقوق الآخرين وخصوصياتهم، وتسلطه على من هو أكثر ضعفًا أو عوزًا أو مكانة. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أننا لا نتحدث عن أسراب المعارضة وتحليقها خارج الفضاء السوري، بل عن الشارع المثقف الذي أصبح يقارب شارع النظام بسلوكياته وأفعاله، بفارق وحيد هو الضفة التي يصطف كل من الشارعين عليها دون أي إدراك للمعنى أو حفاظ على قداسته.

حيث لا أخلاق لا يمكن أن يكون هناك بناء، وحيث لا بناء لا أمل في الإنسان

وهكذا أصبح فصل الدين عن الدولة مجرد شعار لا يفرّق المنادون به بين العلمانية والمدنية والليبرالية، وتجذّرت الطائفية بشكل أكبر كرد فعل انتقامي أو مستشرف، وتفكك العقد الاجتماعي دون أن يجد المعنيون بالأمر بديلًا له في ظل غياب أي قانون رسمي أو وضعي يدير شؤون السوريين المدنية في بلاد الشتات.

 ومن هنا أصبح الأقوى جسديًا أو ماديًا يحتكر السلطة ويستخدمها على هواه، وتفشى العنف الأسري الذي كان سريًا أو مضبوطًا بقواعد مجتمعية ليصبح علنيًا، وتردى وضع المرأة التي كان يتوجب على العقد الثوري أن يرفعها لا أن يسحقها أو يتجاهلها في أحسن الأحوال. 

كل هذا والمثقف الثوري ناءٍ بنفسه عما يحدث وكأن ما يجري ليس من شأنه ولا يندرج تحت مفهوم تطبيق الثورة وتفعيلها لتصبح أمرًا واقعًا لا مجرد شعارات بضحايا مجانيين لم يغير موتهم شيئًا حتى الآن إلا سلبًا، إن لم يكن، أي هذا المثقف، في الغالب طرفًا ومحرضًا، لا من خلال خطابه طبعًا، لكن من خلال سلوكه الشخصي الذي ينعكس في النهاية على الصورة العامة بما أنه جزء منها.

أزمة الثورة جزء لا يتجزأ من أزمة المثقف الذاتية والوجودية وضياع هويته. المثقف الذي أنتجته المجتمعات السابقة المحكومة بالبسطار وبأخلاق البعث ونظرياته ليس مثقفًا بالضرورة، وإن كان كذلك فهو لا يصلح أن يقود أو يربي مجتمعًا جديدًا أنتجته الثورة، حيث أنه ببساطة تم تعويمه لأسباب لا تتعلق بمفهوم الثقافة مطلقًا، المفهوم الذي ما زلنا مختلفين عليه حتى الآن ولم نستطع أن نضع له تعريفًا، أو أن نتفق بخصوصه. 

أما المثقف الذي أنتجته الثورة فكانت ثقافته وليدة صدفة أو حظ وضعه في مكان ليس مكانه، ما أدى إلى تحميله مسؤوليات لا طاقة له بها من قبل مريديه الذين التفوا حوله جهلًا أو أملًا، فأصبح يتحدث بصوت الشعب مؤمنًا بنفسه ومكتفيًا بما لديه دونما حاجة ليطور أدواته وفق المرحلة. كل ذلك كان بسبب غياب المثقف الحقيقي الذي يشكل الاستثناء آنف الذكر، وكان المسبب الرئيسي لغيابه عن الساحة أيضًا مستهجنًا كل مايحدث ورافضًا دخول حرب المثقفين الثوريين التي لم قامت فيما بينهم، ولم تقعد طمعًا في ريادة أو شهرة أو مكسب ما، أو مكتفيًا بالبقاء تحت الحصار محاولًا أن يحدث فرقًا ملقيًا بالأفكار والنظريات إلى الجحيم ما لم تكن قابلة للتطبيق على الأرض. ذلك المثقف هو الوحيد الذي كسبته الثورة وقدم لها لكنه لم يحظ بالفرصة لإحداث تغيير ذي أثر لأنه رفض أن يلوث يديه وروحه، ما أدى إلى خسارة الثورة له في النهاية.

كلما انحدر الإنسان في سلوكياته الاجتماعية والإنسانية أكثر غاص في الوحل وفقد بوصلة طريق العودة. حيث لا أخلاق لا يمكن أن يكون هناك بناء، وحيث لا بناء لا أمل في إنسان، وهنا نحن بحاجة ماسة لطرح سؤال جوهري والبحث عن إجابات فعالة له، هل المثقف من يبني المجتمع، أم أن العكس هو الذي يحدث؟