متى ستُوثق السينما الجزائرية لجزائر الحاضر؟

متى ستُوثق السينما الجزائرية لجزائر الحاضر؟

لا نكاد نحصي 15 قاعة نشطة في الجزائر اليوم(فايز نور الدين/أ.ف.ب)

من رحم الثورة وُلدت السينما الجزائرية، ثورة كانت مُلهمة لأغلب وأنجح الأفلام الجزائرية كيف لا وأول عمل عربي وإفريقي ينال جائزة عالمية في أكبر محفل للسينما الدولية، "السعفة الذهبية" كانت من نصيب "وقائع سنين الجمر" للمخرج "محمد الأخضر حمينة"، المخرج الذي أنشأ رفقة بعض رفقائه في الثورة أول خلية إعلامية تابعة لجبهة التحرير الوطني، وكانت تحت إشراف المخرج الفرنسي"رينيه فوتييه René Vautier" صديق الثورة والملقب بتشي جيفارا السينما، ذات المخرج أبدع في رائعة "الجزائر تحترق" سنة 1958، الفيلم يعتبر أول عمل وثائقي مصور حول حرب التحرير.

كانت الثورة الجزائرية مُلهمة لأغلب وأنجح الأفلام الجزائرية لكن عدد الأفلام عن سنوات التسعينيات وبداية الألفية الثالثة قليلة جدًا

اقرأ/ي أيضًا: فضيل حدهم.. يسكن صورة وينام 

ولأن الرعيل الأول من المخرجين والممثلين عاصروا الثورة التي ألهمت الكثيرين، وكذلك لأنها جزء مهم جدًا من حياة الجزائر تتابعت الأعمال السينمائية التي تُوثق للثورة ولحرب التحرير فكان: "الليل يخاف من الشمس" لمصطفى بديع 1965، "ريح الأوراس" لأخضر حامينة 1966 وغيرهما كثير.

ثم تأتي فترة السبعينيات والثمانينيات، الفترة التي شهدت أعمالًا جديدة من حيث المواضيع المُعالجة خارج إطار الثورة لتُحاكي حال مجتمع بعد الاستقلال، فكانت الأعمال الاجتماعية كرائعة مصطفى بديع "الحريق"1971 ، "يوميات عامل" لمحمد افتيسان 1972، "شعبية" 1974 للحاج عبد الرحمن، كما شهدت هذه الفترة الزاهية من حياة السينما الجزائرية أعمالًا كوميدية-اجتماعية أشهرها للممثل "أحمد عياد" المعروف "برويشد" في أعمال خالدة كـ "حسان طيرو"، "حسان النية" 1989 و"حسان طاكسي" 1982 ولا يمكننا أن نغفل عن الممثل المبدع "حاج عبد الرحمن" المعروف بالمفتش الطاهر رفقة معاونه المرحوم "يحيى بن مبروك" في أعمال راسخة في أذهان كل المشاهدين الجزائريين صغارًا وكبارًا.

غير أنه في العشرية الأخيرة من القرن الماضي كانت القطيعة مع هذا التتابع في السينما الجزائرية التي شهدت أعمالًا في أغلبها كاسدة، فالأفلام لم تعد تُحدث ضجة إعلامية ولا فكرية، بل لم تعد تلفت النظر في وسط المشاهد الجزائري باستثناء بعض الأعمال التي تُعرض خارج الجزائر في مهرجانات دولية لا يُشاهدها المشاهد الجزائري إلا بعد مرور وقت ليس بالقصير، أفلام لمخرجين وممثلين مغتربين، بوسائل واستوديوهات أجنبية وحتى الأفكار والتصور لواقع المجتمع الجزائري بعيد نوعًا ما عن الحقيقة وإن اجتهدوا، فأغلب الأفلام نقلت واقع الجزائري في الغربة على غرار فيلم " الشاب" لرشيد بوشارب 1990، "مائة بالمائة أرابيكا" لمحمود زموري 1997.

اقرأ/ي أيضًا: أيام الفيلم العربي المتوّج.. سينما الجوائز

لا نكاد نحصي 15 قاعة نشطة في الجزائر اليوم رغم أن عددها في حدود 450 قاعة

هذه النبذة المختصرة جدًا جدًا من تاريخ السينما الجزائرية تجعلنا نتساءل لماذا هذا التراجع الرهيب في الصناعة السينمائية في الجزائر؟ لن أجيب عن هذا السؤال، بل سأعطيكم رقمًا اعتبره مفزعًا، 450 هو عدد قاعات السينما التي ورثتها الجزائر غداة الاستقلال، حسب آخر الإحصاءات، وحسب المخرج عمار العسكري الرئيس السابق لجمعية أضواء فالعدد تجاوز 487 قاعة، أما الآن وبعد كل هذه النجاحات في السينما الجزائرية لا نكاد نحصي 15 قاعة نشطة، وهذا التدهور حقًا مُفزع. قد تتساءل لماذا أوردت هذا الانخفاض في عدد قاعات السينما في معرض حديثي عن تاريخ السينما الجزائرية، فأجاوبك هل من الصدفة أن هذا التقهقر المخيف في عدد قاعات السينما يتبعه تراجع مماثل للإنتاج السينمائي في الجزائر!

لن أتكلم عن أسباب هذا التدهور في عدد قاعات السينما لكن سأحاول أن أوضح انعكاس ذلك على الإنتاج السينمائي، هذا النقص الرهيب في قاعات السينما جعل المشاهد الجزائري بعيدًا عن الأعمال السينمائية الجادة، فتغير الذوق العام للمشاهد الجزائري ومازاد الطينة بلة انتشار الهوائيات نهاية الثمانينيات والإنترنت حاليًا، لذلك عزف الجزائري عن الإنتاج الوطني، الأمر الذي جعل العاملين في هذا المجال يُوجِهون اهتمامهم وأهدافهم في عرض أعمالهم إلى المهرجانات الدولية بغرض التعريف بالمخرج أو الممثل بعيدًا عن وجود المشاهد الجزائري كما حدث في مهرجان "واقادوقوا" آذار/مارس 2005، حيث كان هناك إنتاج سينمائي جاد فنال الممثل "علي كويرات" جائزة أحسن ممثل في فيلم "المشكوك فيهم" للمخرج كمال دهان، مقتبسًا من رواية للكاتب طاهر جاووت وعلى الجانب التقني جائزة أحسن صوت كانت لفيلم "المنارة" للمخرج بلقاسم حجاج، إلا أن هذه الأعمال القيمة وبسبب الفقر في قاعات السينما تبقى بعيدة عن المشاهد الجزائري، وإن نجحت في حصد الجوائز فهي فاشلة من حيث إنها معزولة عن الرأي الحقيقي للمشاهد المفروض أن يكون الحكم والمقصود بهذا المنتوج الثقافي.

مهرجانات وتظاهرات ثقافية كثيرة وأموال "ضخمة" صرفت وأرقام كبيرة لعدد من الأفلام أنتجت مؤخرًا في الجزائر، لم نسمع عنها حتى لا أقول شاهدنا منها شيئًا إلا بعض الأفلام التاريخية، نعم مرة أخرى الثورة والتاريخ كأن السينما التاريخية والثورية التي صنعت المجد في وقت ما ستنفخ الروح في سينما جزائر، بالله عليكم إلى متى تبقى هذه الحقبة هي من تُلهم الإنتاج السينمائي لا يذهب بالكم بعيدًا إلى أنني أنتقص من تاريخ السينما الثورية، لكن من سيحكي عن جزائر الحاضر؟

سنوات التسعينيات وبداية الألفية الثالثة لا تقل شأنًا وأحداثًا عن الثورة المجيدة ولا حتى عن السبعينيات والثمانينيات، سنوات التشييد والبناء كما اُخبرنا، بل هذه الفترة المقصية أو المنسية عن قصد أو غير قصد من السينما تُعد نقطة مفصلية في حياة الجزائر، لن يجد جزائري الغد في مستقبلنا أعمالًا تحكي وتُوثق هذه المرحلة المهمة من تاريخ الجزائر، والأحداث الدائرة مؤخرًا في الجزائر تنبئ بنقلة جديدة في تاريخ الجزائر، إن لم يكتب ويوثق سينمائيًا الجيل الذي عاش هذه الفترة فمن سيكتب عنها ومن سيروي على الأقل جانبًا مما حدث؟ وإن حدث وأن وُجدت بعض الأعمال فمتى يكون المشاهد الجزائري من الجيل الذي عايش الأحداث طرفًا في هذا الإنتاج في ظل غياب قاعات سينما؟ وهل سيشهد تاريخ السينما الجزائرية فجوة في خطها الزمني؟

اقرأ/ي أيضًا:

حتى لا تتكرر العشرية السوداء

أسواق العصافير في الجزائر.. حكايات محلقة