مترو

مترو "فرانسوا تروفو" الأخير.. عبور مسرحي

لقطة من الفيلم

تبدو كلمة عبور قريبة من عوالم الفيلم الفرنسي "المترو الأخير" للمخرج فرانسوا تروفو، ولا يبدو الأمر بأنه عبور فقط بل تشابك تلك العوالم المرصودة إبان فترة الاحتلال النازي لفرنسا، تاركًا الأخيرة مقسمة بين المقاومة والعمالة للنازيين، بينما يشير فرانسوا تروفو بأصابع تشبه الأصابع المرسومة على جدران المسرح في كادرات الفيلم، والتي كانت غايتها الإرشاد إلى أقسام المسرح، ليمثل المخرج مهمة الإشارة والتحديق من خلال إعادة خلق تفاصيل الحياة الفنية بصخبها وقلقها وأسئلتها الإشكالية غير المنتهية في واحد من أهم مسارح باريس في عام 1942.

يبدو عالم المسرح في فيلم The Last Metro كما لم يبدو من قبل في أي عمل سينمائي من أعمال جيل المخرج فرانسوا تروفو

يدير مسرح مونمارت كارلوس شتاينر وزوجته ماريون شتاينر، وهي الممثلة الأولى في فرقته المسرحية التي تتحضر للعمل على إحدى نصوص الأدب المسرحي، يتخفى كارلوس شتاينر في قبو مسرحه، خوفًا من النازي بسبب هويته اليهودية، فتبث زوجته خبر هروبه من فرنسا، وتعطى لها المسؤولية الفنية كاملة بإدرة المسرح وعمله المنتظر، لا خيار آخر لديهم، فهم كمجموعة مسرحية أمام استحقاق إخراج مسرحيتهم وعملهم الفني في أحلك الظروف.

اقرأ/ي أيضًا: 5 أفلام اختلفت نهاياتها تمامًا عن الروايات التي بُنيت عليها

إذن لا يهرب شتاينر ويسلم زوجته البطولة المسرحية والبطولة الاجتماعية في مواجهة الضغوط، لتكون ماريون بطلة الواقع المربك تواجه مسؤولية إخفاء سر زوجها، وبمستوى آخر ممثلة مسرحية تقود فرقته الفنية. وهذا ما يضعها ضمن سلسلة تقابلات بين الواقع والمسرح تكشف أبعاد الضغط في المغامرة الخطرة التي تقود من خلالها المسرح وتطلعاته الفنية إلى النجاح، أو على الأقل ما تسميه نجاحًا وهو بمعنى آخر يمكن أن يكون النجاة من النازي عبر الفن. وفي ضوء كل ذلك يرصد الفيلم تغير حياة الفنان والمثقف ومسؤوليته بمواجهة أزمة هوية لا مناص منها.

يبدو عالم المسرح في فيلم المترو الأخير كما لم يبد من قبل في أي عمل سينمائي من أعمال جيله، فتعيش الكواليس عوالم الحكاية المصورة، حيث سراديب المسرح المضيئة بإضاءة خافتة وممراته السرية هناك تبنى تجربة الحياة الأخرى للممثلين، لايذكرنا ذلك إلاّ بالمثال الحي المعاصر لهذا التصور في فيلم Birdman 2014 للمخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، من حيث الكشف عن خبايا حياة الكالوس المسرحي.

يصور فرانسوا تروفو في فيلم المترو الأخير عدة مستويات للمكان، بين كواليس المسرح والخشبة والصالة، والمكان الأكبر شأنًا والأقل تعقيدًا وهو مكان الاختباء والذي يصبح تباعًا مسرحًا من نوع أخر.

تعيش في هذه المستويات المكانية شخصيات مثقفة تعيّ ظرفها وتحاول الاستمرار رغم صعوبته. كما ولعبت هذه العوالم المكانية المقسمة بين أسفل وأعلى خارج وداخل، دورًا في التقديم لحكاية الفيلم والمسرحية، وعكست تفاصيل فترة الاحتلال الألماني.

وليس ببعيد عن ذلك تحضر تفاصيل ورؤى فرانسوا تروفو السينمائية وتدخلاته البارزة في رسم المعالم من خلال تشكيل تلك الطبقات المكانية إن صح التعبير، والمقسمة بادئ الأمر أفقيًا ترسمها حركة الكاميرا التي تعبر بين الغرف الموزعة في المسرح، تكون قد قطعت حوارًا ما لتعود وتكمله في لقطة طويلة، فبين مكتب الإدارة وغرف الممثلين والأجزاء التقنية وراء الخشبة، يبدو المكان/المسرح كمؤسسة لها ثقلها تحاول أن تستمر رغم ما تتعرض له من ضغوط.

إلى جانب الممرات الضيقة الطويلة والتي تحكي حكاية الشخصيات وما يحدث معها خلال البروفات التحضيرية، حيث تشكل الأخيرة الجزء الأساسي من حكاية الفيلم في مكان ذي اتجاه ثقافي فني يحارب بسبب تلك الطبيعة في وقتٍ كان الفن فيه للترفيه فقط.

يصور تروفو في المترو الأخير عدة مستويات للمكان، بين كواليس المسرح والخشبة والصالة، والمكان الأكبر شأنًا والأقل تعقيدًا

يختبئ المثقف في الطبقات السفلى من المسرح، في القبو الذي يضاء بالشموع، ويتابع من مخبئه بروفات العمل المسرحي وتطوراتها، تصل إليه الأصوات من خلال الثقوب الأرضية، أو عبر القنوات المارة من الطابق العلوي نحو الأسفل. وحدها زوجته تعبر الفضائين سرًا، فتكون كوزارة إعلامه الوحيدة تحضر له الصحف والجرائد، باعتبارها صلته الوحيدة بالعالم الخارجي، والطريقة المثلى لتمرير القلق والفوضى من الخارج إليه، إلى جانب الراديو بالتأكيد، والذي كان وقتها يبث شيئًا من وجوه الرعب والخوف عبر التهديدات المذاعة.

أمّا ما تبقى من الوقت فيقضيه المثقف القابع في العتمة في القراءة والكتابة، شأنه شأن أبطال فرانسوا تروفو الذين يعبرون عن حكاياتهم من خلال شغف تروفو بالصور والكتب. في العالم السفلي للمثقف المعزول تجري الاجتماعات السياسية ومناقشة الأحداث الطارئة بين الزوجين شتاينر حيث تمر أخبار ومستجدات الحرب وتحركات الجيش الألماني في فرنسا.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم Captain Fantastic.. صراع الحضارة بين البساطة والتكلف

أمّا الخارج ففي بعض اللقطات النهارية الخارجية يقتصر على أمكنة أمام المسرح والشوارع الضيقة بجانبه، حيث طبيعية الحياة وعاديتها تنفرط أمام أعين الجميع، وتشكل الطفولة وهي شغف أخر وملعب رحب أصخبه تروفو بأفلامٍ كثيرة، واحدة من مكونات المشاهد الخارجية.

وفي رؤية أخرى يبدو الخارج في المشاهد الليلية في خلفية اللقطة فقط، ضيقًا وباردًا، وكأن أحدًا يقف داخل المسرح وينظر باتجاهه من ثقب صغير. وفي مشهد آخر تعبر إحدى الممثلات من الخارج الضيق إلى الداخل، فريثما يتوسع الكادر ويكبر بدخولها، وكأن المسرح بات أرحب وأكثر اتساعًا على الممثلين من الخارج القلق حيث النازي متربص.

كما وتمر موسيقى جورج ديليرو كخلفية زمانية لتلك الحقبة، ويصدح صوت لوسيين دوليل صوت الأربعينات الفرنسية في الأغنية التي نسمع نسخًا عديدة منها مرة منبعثة من الراديو، ومرة من مغنيّ الشارع. الموسيقى التعبير المبهج عن الحرية المفقودة في أكثر الأمكنة حاجةً لها، كما وتشكل أحد أهم العوالم الفنية للفيلم، وتحديدًا في القبو شبه المعتم وهو أكثر مكان نسمع فيه الموسيقى.

كما وإن هذا الاتصال بين عوالم المكان يحمل أبعادًا حسية عند السيد شتاينر باعتبار الصوت النافذ الوحيد بين الأسفل والأعلى، فنراه متوترًا قبل العرض مصابًا بآلام معدة وكأنه الاعتراف بالحب بالنسبة له، فينهمك أثناء العرض بالاستماع من خلال الأقنية للحوارات وتفاعل الجمهور فيدون ملاحظاته.

يعتبر فيلم "المترو الأخير" من أواخر الأفلام التي صورها تروفو قبل موته، وقد حاز على العديد من جوائز السيزر الفرنسية

أول لقاء جمع بين كاترين دونوف وجيرار دوبارديو، نراهما يقعان في الحب في دور الفنانة المسؤولة والشاب المقاوم، ولكن السيدة شتاينر لايمكن أن ترمي نفسها بالمهالك أكثر، فبالرغم من الحذر الشديد يصل إلى الزوج في الأسفل كل شيء، فيسارع للسؤال: زوجتي تحبك أنت، هل تحبها؟

لا إجابة واضحة تحت ثقل الاحتلال والملاحقة وتصفيق الجمهور على نجاة المسرحية، والتي كانت المترو الأخير لشخصيات الفيلم، وربما مترو متأخر طال انتظاره للمدينة وجمهور المسرح في ذلك الوقت.

يعتبر فيلم "المترو الأخير" Le Dernier Métro 1980 من أواخر الأفلام التي صورها فرانسوا تروفو قبل موته، والمشاركة الثانية لدونوف بعد فيلم "حورية المسيسيبي" La sirène du Mississipi، وقد حاز على العديد من جوائز السيزر الفرنسية عن أفضل إخراج وأحسن تمثيل لدونوف ودوبارديو، وترشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "أطفال السماء" وميثولوجيا الأحذية

فيلم T2 Trainspotting: لعبة النوستالجيا