مترجَم: هل التنشئة الرياضية المبكّرة هي ما يحدّد مصير الأبطال الأولمبيين؟

مترجَم: هل التنشئة الرياضية المبكّرة هي ما يحدّد مصير الأبطال الأولمبيين؟

تسعى الدراسة للكشف عن العلاقة بين التنشئة المبكرة وأثرها على مسيرة الرياضيين الكبار (Getty)

ألتراصوت- فريق الترجمة 

كثيرًا ما يتم الحديث عن أثر الطفولة والتدريب في الصغر على الأبطال في عالم الرياضة، وعادة ما تنسج الأساطير حول طفولتهم، من اللعب بالشارع أو التدريب المكثف بأبسط الأدوات أو تأثير الوالدين ومثابرتهما على تدريب أبنائهم وإرسالهم إلى معسكرات التدريب أو إنشاء معسكرات خاصة لهم والسهر على تدريبهم من أجل أن يكونوا أبطالًا في رياضة محدّدة، ويحصدوا الذهب في الألعاب الأولمبية، كما يحلم كل لاعب ولاعبة في العديد من الرياضات.

 تكشف الدراسة  أن معظم الرياضيين المحترفين على مستوى دولي نادرًا ما يبدؤون تدريبهم الاحترافي المتخصص برياضة محددة في سنّ مبكّرة

إلا أن دراسة جديدة مثيرة للجدل، استعرضتها صحيفة نيويورك تايمز، تكشف عن أن معظم الرياضيين المحترفين في العالم، بمن في ذلك المتوجون بالميداليات الذهبية في الأولمبياد، نادرًا ما يبدؤون تدريبهم الاحترافي في سنّ مبكّرة، وأن تلك الفترة المبكرة من الطفولة نادرًا ما تكون السبب الحاسم في جعلهم أبطالًا في المستقبل. تتناول الدراسة الجديدة مسيرة عدد كبير من اللاعبين الرياضيين الناجحين، وتتوصل إلى نتيجة ترى بأن معظم أبطال العالم كانوا يتفوّقون عادة على منافسين كانوا قد بدأوا التدريب في سنّ مبكّرة جدًا، أما الذين يحققون الفوز في النهاية، فيكتشفون مهاراتهم في رياضة محددة في مرحلة لاحقة في فترة المراهقة، بعد مرحلة من التقلب بين عدّة رياضات في الطفولة.


يحرص بعض الآباء غرس الاهتمام برياضة محدّدة لدى أبنائهم الصغار (Getty)

وتتناول الدراسة حالات آلاف الرياضيين الناجحين من كلا الجنسين، في نطاق واسع من الرياضات، ويرى الخبراء أن من شأن نتائج الدراسة أن تثير أسئلة عديدة لدى أولياء الأمور والمدربين والمدرسين والرياضيين الأطفال، كما أنها تدعو إلى إعادة النظر في عدد من المسلمات بخصوص المهارة والموهبة وإدارة التوقعات وبناء المسيرة المهنية في مجال الرياضة، والتأكيد على أهمية التفكير بعيد المدى للأطفال في عمر مبكرة، وطريقة تعاطيهم مع تحصيل أو تضييع فرص للمشاركة في الفرق الرياضية.

ماذا يعني ذلك لأولياء الأمور؟

بالنسبة للآباء والأمهات، فقد يصعب إقناعهم بأن النجاح الرياضي المتميّز لا يرتبط بالضرورة بالتركيز المبكّر منذ الصغر بمستقبل الطفل الرياضي المتخصص. وهذه الفكرة راسخة لدى العديد من الناس، بسبب تلك الحكايات المتداولة عن مشاهير عالم الرياضة، والذين برزت موهبتهم في سنّ مبكرة جدًا كما تروي الحكايات عنهم، مثل تايغر وودز، الذي قيل إن موهبته برزت في سن الثانية، أو سيرينا ويليامز التي أتقنت اللعبة وهي ما تزال في المرحلة الابتدائية. ثم عزّزت من هذه الفكرة بعض الدراسات والأبحاث التي نشرت في مرحلة التسعينات، وخاصة في أفكار عالم النفس أندريه إريكسون، والذي توفي مؤخرًا عام 2020. فقد وجد إريكسون وزملاؤه أن الأطفال الصغار الذين يتعلمون عزف الموسيقى ويتدربون على أداة محددة منذ سن مبكرة ويقضون ساعات عديدة في التدريب والممارسة، في الجلسات التي يدعوها "الممارسة المقصودة"، يحققون مستويات عالية من الإتقان والتميّز على أقرانهم الذين بدأوا في مرحلة عمرية متأخرة عنهم. إلا أن القصد من هذه الدراسة التقليل من أهمية "الموهبة"، والتركيز بشكل أكبر على أثر التدريب المبكّر وحجم التدريب على مستوى إتقان الطفل للعزف على الآلة التي اختارها في الصغر.


يهتم الباحثون بدراسة أثر التنشئة الرياضية المبكّرة على المسيرة الاحترافية للرياضيين (Getty)

إلا أن باحثين آخرين قد ألقوا بظلال الشكّ على فائدة حصر اهتمام الطفل بنشاط واحد محدّد منذ سنّ مبكرة، خاصة في مجال الرياضة، لأن ذلك قد يزيد من فرص تعرضهم للإصابات بسبب التدريب المكثف. ووفق تقدير هذه الجماعة من الخبراء، فإنه من الأفضل إفساح المجال للطفل لممارسة عدة رياضات، مع التركيز على أهمية اللعب والتسلية، بعيدًا عن المنافسة، وذلك لتعزيز الحماسة لدى الطفل، والقدرة على التنسيق، وهو ما قد يؤهله بشكل أفضل لاحقًا للتميّز الرياضي وحصد الميداليات والألقاب.

بحاجة إلى المزيد من الدراسة

مع ذلك، لم يتوفر حتى وقت قريب سوى القليل من الدراسات الوازنة واسعة النطاق التي تنظر في سيرة الرياضيين الناجحين في مختلف السياقات والمستويات لتحديد ما إذا كان التخصص المبكّر يعزّز فرصهم في التميّز الاحترافي والوصول مثلًا إلى الأولمبياد وتحقيق الألقاب المحلية أو الدولية، أو أن الفرص ستظل متساوية لو بدأ الرياضي التركيز في مجال معيّن في المرحلة الثانوية.

وفي هذه الدراسة الجديدة، التي نشرت في تموز/يوليو الماضي في مجلة "Perspective on Psychological Science"، قررت مجموعة من العلماء المختصين في مجال التدريب وعلم نفس الرياضة من ألمانيا والولايات المتحدة، النظر في المسألة وجمع ما أمكن من المعلومات والبيانات لمعرفة كيف يشقّ الرياضيون الناجحون طريقهم نحو منصات التتويج.

بدأ الباحثون بعملية مشط ومسح لقواعد البيانات المتوفرة في الأبحاث التي وثقت تاريخ تدريب الرياضيين الناجحين عبر المقابلات أو الاستبيانات، وتمكنوا من إحصاء 51 دراسة تتناول 6،096 رياضيًا، من بينهم 772 رياضيًا أولمبيًا أو دوليًا، بعضهم في رياضات جماعية وآخرون في رياضات فردية، وبعضهم حقق إنجازات وحصد جوائز في مرحلة الطفولة أو المراهقة، وبعضهم وهم بالغون، وعدد قليل منهم جمع بين الأمرين. بعض الرياضيين المشمولين في الدراسة برّزوا في منافسات دولية، وآخرون في المحليات والمنافسات الإقليمية. وبالمجمل، مثل أولئك الرياضيون نطاقًا واسعًا وتمثيليًا للمهن الاحترافية في مجال الرياضة، من أطفال المعجزات، إلى الشباب الذين لفتوا الانتباه لمهارتهم في وقت لاحق من صباهم.


تهتم بعض الدول بالبحث عن المواهب لدى الصغار وتنميتها (Getty)

ثم جمّع الباحثون البيانات من تلك الدراسات وبدأوا بالبحث عن روابط تجمع بين سيرة الرياضي وطفولته المبكرة وبين النتائج التي يحققها، وسرعان ما لاحظوا بأن التخصص المبكّر في رياضة محدّدة كان مفيدًا لبعض الرياضيين، ولكن لفترة موجزة.

وقد وجد الباحثون أن الرياضيين الشباب الناشئين، الذين حصدوا الإنجازات والميداليات في المنافسات الدولية في عمر مبكّر، في سن المراهقة، قد استقروا على اختيار رياضة محددة والتدرب فيها عند حاجز 12 عامًا، أي قبل عام فقط أو عامين مقارنة ببقية المنافسين، بما فيهم المنافسون الذين حققوا إنجازًا وتميزًا في المنافسات الإقليمية أو الوطنية. أي أن ما ميّز الرياضي اليافع "العظيم" عن مجايله "الجيّد"، هو التركيز على رياضة محدّدة في سن مبكرة والتدرب فيها بشكل مكثف.

إلا أن الأمر ذاته لم ينطبق على مستوى البالغين (بالعشرينات أو الثلاثينات من العمر)، حيث لم يكن أثر التخصص المبكّر عاملًا حاسمًا بشكل متسق بحسب ما أظهرت البيانات. فأفضل الرياضيين من هذه الفئة العمرية على مستوى العالم، بمن فيهم الرياضيون الذين ينافسون ويتميزون في الألعاب الأولمبية والمنافسات العالمية، قرّروا التخصص بالرياضة التنافسية بعد عام أو عامين مقارنة باللاعبين الآخرين المنافسين، كما أنهم أمضوا أوقاتًا أقل في التدريب مقارنة بغيرهم. ومعظم هؤلاء الرياضيين تنقلوا في التدريب بين عدة رياضات، بمعدل ثلاث أو أربع رياضات في العام، قبل الالتزام الكامل بنشاط أساسي حتى منتصف فترة المراهقة، أي بعد بضع سنوات مقارنة بالمنافسين الآخرين. كما أن قليلًا منهم حصّلوا الشهرة أو لفتوا الأنظار إليهم من المدربين أو المسؤولين منذ بداية مسيرتهم.

الدكتور آرنا غوليتش، مدير معهد العلوم الرياضية التطبيقية في جامعة كايسرسلوترن للتقنية في ألمانيا (Kaiserslautern University of Technology)، والذي شارك بالدراسة مع عدد من الباحثين الأمريكيين، يقول إن "معظم الرياضيين البالغين الذين حققوا النجاحات على الصعيد الدولي لم يكونوا أطفالًا "معجزات" ولم يلفتوا الانتباه إليهم في صغرهم". كما أوضحت الدراسة بأن ذلك ينطبق على الرياضيين من كلا الجنسي، وفي الرياضات الفردية والجماعية.


يرى باحثون أن العامل النفسي لدى الطفل يؤثّر على قدرته على المنافسة الاحترافية لاحقًا (Getty)

ملاحظات على الدراسة

لا توضّح النتائج التي توصلت إليها الدراسة كيف تؤثر البداية العادية، البطيئة، والتنقل في مرحلة مبكرة بين عدة رياضات، على التميّز الذي يحققه الرياضي البالغ في وقت لاحق، إلا أن الدكتور غوليتش يعتقد بأن عوامل مثل تدني مستوى الضغط والتوتر لديهم، مقارنة بالرياضيين الصغار النجوم، تجعلهم قادرين بشكل أكبر على التعلم والتطوّر البدني في العديد من الرياضات.

لكن الدراسة عمومًان وبينما تبيّن بأن أفضل الرياضيين البالغين نادرًا ما يتخصصون في رياضة محددة في عمر مبكر، إلا أنها لا تدّعي أن ذلك هو السبب وراء نجاحهم بالضرورة. فالدراسة لم تنظر مثلًا في عوامل أخرى، كالعوامل الجينية أو الأسرية أو المالية أو النفسية أو غيرها من العوامل التي يمكن أن تؤثر على المسيرة الاحترافية للرياضيين.

الدراسة مبشرة للرياضيين الناشئين الذين لديهم حماسة لتجربة عدد من الرياضات التي يستمتعون بها مع أصدقائهم ومع المدربين

رغم ذلك، فإن الدراسة مبشرة للرياضيين الناشئين الذين لديهم حماسة لتجربة عدد من الرياضات التي يستمتعون بها مع أصدقائهم ومع المدربين، قبل أن يقرروا التخصص في رياضة محدّدة للمنافسة الاحترافية المحلية والدولية في وقت لاحق، دون أن يخاطروا بالضرورة بفرص تحقيقهم للنجاح والدخول في نادي الرياضيين المرموقين الكبار. 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

5 نصائح مجربة لتربية طفل يحب القراءة

دراسة بريطانية تكشف العلاقة بين نشأة الأطفال في دور الأيتام وحجم أدمغتهم

إرشادات صحية جديدة للأطفال من منظمة الصحة العالمية