11-فبراير-2022

(Getty Images)

اختفى أحدهم في الظلام الذي يسبق طلوع الفجر، نقل وهو رجل سليم البنية خارج جناحه الفندقي الفاخر محمولاً على كرسي متحرك وغطاء يغطي رأسه. لم يره أحد علانية منذ ذلك الحين، أي منذ خمس سنوات. بعضهم يختفي عن الواجهة ليظهر بعدها بشهور أو سنوات أمام المحكمة. هؤلاء هم أعضاء نادٍ حصري لم يرغبوا يوماً في الانضمام إليه، رجال أعمال أصبحوا هدفاً للنظام القضائي المليء بالثغرات التكتيكية لدى الحزب الشيوعي الصيني، والتي نستعرضها هنا نقلًا عن مقال مطوّل نشر صحيفة بلومبيرغ الأمريكية. 

في عام 2017، برر الرئيس الصيني شي جين بينغ صلاحيات الاحتجاز الجديدة التي حازها الحزب معرباً عن رغبته في "تطوير قدرة الحزب على تطهير نفسه"

في عام 2017، برر الرئيس الصيني شي جين بينغ صلاحيات الاحتجاز الجديدة التي حازها الحزب معرباً عن رغبته في "تطوير قدرة الحزب على تطهير نفسه". وقالت مؤسسة مكافحة الفساد الصينية في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت إن الحزب يجب أن يسيطر على النظام القضائي لتجنب "فخ القانون" و"فخ الديمقراطية". في كانون الثاني/يناير جددت المؤسسة تعهدها بالتزام الشراسة وعدم التراجع عن كسر أي علاقات بين السلطة والمال.

وفقاً لمنظمة Safeguard Defenders المدافعة عن الحقوق المدنية والتي تتخذ من مدريد مقراً لها، تحتجز الصين كل عام حوالي 30 ألف شخص سراً دون أي تهم عامة أو قدرة على الوصول إلى محامين، وهو ما تسميه الأمم المتحدة بجريمة "الإخفاء القسري". تضاعفت أرقام المختفين قسرياً في عهد الرئيس تشي الذي وصل إلى السلطة عام 2012، عشرة أضعاف مقارنة بالعقد السابق، بحسب تقرير المنظمة في آب/ أغسطس الماضي.


ملفّ خاص: الإخفاء القسري في العالم العربي


رغم أن معظم المعتقلين هم من المعارضين والنشطاء، إلا أن الصين شددت في الفترة الأخيرة قبضتها على أرباب الثروة والشركات. اشتدت وطأة التحقيقات بعد حملة "الرفاه العام" الذي أطلقها شي جين بينغ، والتي تسعى للقضاء على عدم المساواة في الثروة. يقول الحزب إن الحملة تهدف للقضاء على الفساد والسلوكيات التجارية الاحتكارية، والأخطار المالية والأمنية. بينما يقول النقاد إنها حملة موجهة ضد الأخطار التي تهدد هيمنة الحزب على البلاد.

يقول ستيف تسانج مدير معهد الصين بجامعة لندن "إن الحزب يرسل رسائل واضحة بإخفائه مليارديرات معينين عن أعين الجمهور، مفادها أن تحقيق الربح هو امتياز وليس حقاً، يمكن لرجال الأعمال الكبار الاستمرار فقط تحت رعاية الحزب".

كان لبعض رجال الأعمال الذين تعرضوا للاعتقال نفوذ اقتصادي كبير في الصين. كان من بينهم شياو جيان هوا، رجل الأعمال الذي اختطف من فندق فور سيزون في هونغ كونغ في الظلام. كان لشركته تومورو جروب استثمارات في قطاعات البنوك والتأمين والعقارات والتعدين. وقد قالت الشركة إن شياو اتخذ من شركة بيركشاير هاثاواي التي يملكها وارن بافيت نموذجاً في هيكلها.

وفي إعلان عرضته الشركة بعد اعتقاله قال شياو إنه يحب الحزب الشيوعي ولم يضر يوماً بمصالحه. وفقاً لتقرير أصدره مركز آش للحوكمة الديمقراطية والإبتكار التابع لكلية كينيدي بجامعة هارفارد في عام 2019، إن السلطات الصينية ربما نسقت مع عصابة محلية في هونغ كونغ لاختطاف شياو ونقله إلى الصين. ومنذ ذلك الحين استولت الحكومة على عشر شركات مرتبطة بشياو، من بينها مصرف باوشانج وهو أول مؤسسة إقراض تعلن إفلاسها في الصين منذ عقدين.

أما قصة صعود وسقوط قطب التأمينات الصيني شياو هاو وو فقد اتخذت مساراً مختلفاً. اشترت شركته مجموعة أنبانج للتأمينات فندق والدورف أستوريا في نيويورك عام 2014، ضمن مجموعة من الصفقات الدولية الكبيرة. في عام 2017 اختفى شياو من المشهد العام دون أي تفسير معلن. وطلبت السلطات الصينية من الشركة بيع استثماراتها الخارجية. وحكم على وو في النهاية بالسجن لـ 18 عاماً بتهم الفساد والاحتيال. وقد حكم عليه بعد عام من اختفائه، وهي فترة لم ترفع ضده فيها أية تهم عامة. 

أو حتى بالنظر إلى حالة قريبة العهد: وانج شاويونج، المستثمر المصرفي السابق لصالح مورغان ستانلي الذي يرأس شركة الأسهم الصينية الخاصة ChinaEquity Group. في كانون الأول/ ديسمبر أفاد موقع كاشين الصيني الإخباري أنه اختفى عن الظهور العلني لأسبوعين وأنه يخضع للتحقيق بتهم الاحتيال المالي. وقد أطلق سراحه بكفالة مالية في بداية كانون الثاني/يناير. 

يمنح نظام الاعتقال الصيني السري والمسمى شوانجوي ( Shuanggui) القدرة لمؤسسة مكافحة الفساد في الحزب لاستدعاء أي من أعضاءه البالغ عددهم 90 مليون عضو للمثول للتحقيق في تهم الكسب غير المشروع "في وقت محدد ومكان محدد". وأي شخص يشتبه في خرقه لأمن الدولة يتعرض للاعتقال الذي يسمى بلغة بيروقراطية "المراقبة السكنية في مكان معين". يسمح هذا النوع من الاعتقال الذي أقر في 2012 باعتقال النشطاء والمعارضين في أماكن سرية. 

وضمن الحملة المتصاعدة ضد قادة الأعمال في الصين، تقوم الحكومة الآن باعتقال من لا ينتمون للحزب عبر نظام غير قضائي حل بديلاً لنظام شوانجوي عام 2018 ويسمى ليوجي. وكسابقه لا يوفر هذا النظام أي إجراءات قانونية مثل المرافعات والتظلمات القضائية. ووفقاً لمنظمة هيومان رايتس ووتش، قد يتعرض ضحاياه للتعذيب والتحقيق.

اعتقل الناشط السويدي بيتر دالين الذي يقود منظمة Safeguard Defenders في عام 2016 بتهمة تهديد أمن الدولة. اعتقله عشرون عميلاً سرياً من منزله في بكين واصطحبوه لغرفة التحقيق. قيدوه في كرسي من نوع خاص وتركوه مقيداً في وضعية مؤلمة حتى وافق على التنكر لبعض تصريحاته المعادية للحكومة. "كان من الصعب أن لا يخضع المرء، ذهنياً إن لم يكن جسدياً". 

قوى شي من نظام الاعتقال السري، لكنه لم يكن هو من اخترعه. في عام 2008، اعتقل هوانغ غوانغيو مؤسس شركة التجزئة Gome Electrical Appliances والذي اعتبر في ذلك الوقت أغنى رجل في الصين. لم تعلن الشرطة في بكين نبأ اعتقاله إلا بعدها بثلاثة أيام.  

أثارت الأضرار التي تحدثها هذه الحملات نقاشات متزايدة حول جدوى الاستثمار في السوق الصيني الهائل لكن المليء بالمخاطر. وصف جورج سوروس الممول الملياردير الاستثمار في الصين بأنه "خطأ فادح". في المقابل زادت شركة بلاك روك الاستثمارية ومجموعة جولدن ساكس من استثماراتهم. من وجهة نظرهم، لا يسع المستثمرون تفويت فرصة الاستثمار في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

قال سورون أندال الخبير في سوق الأسهم الصينية،  إن نجاح الشركات في السوق الصينية يعتمد على مدى قوة العلاقات التي يتمتع بها رؤسائها مع الحزب الشيوعي. ونتيجة لذلك، قد تنهار أسهم الشركة حين يختفي شخص مقرب من الحزب. 

ومقابل كل تلك المخاطر، تظل فرص الأعمال مغرية في الصين. فحين يختفي بعض رجال الأعمال يحل مكانهم آخرون. في نهاية العام الماضي، ضم مؤشر بلومبيرغ لملياديرات العالم والذي يصنف أغنى 500 شخص على الكوكب، 79 مليارديراً صينياً. وتحل الصين بهذا الرقم الذي يمثل سدس مليارديرات العالم في المركز الثاني بعد الولايات المتحدة. في عام 2016 كان من بين كل 20 مليارديراً حول العالم ملياردير صيني. 

رفاه غير عام 

يخاطر رواد الأعمال الذين يسارعون في الانضمام إليهم بخسارة ممتلكاتهم والقبض على موظفيهم دون تبرير، على حد قول جوناثان وورد مؤسس منظمة آطلس للاستشارات في واشنطن والتي تركز على الصين والهند. فنحن نتحدث هنا عن نظام اعتقال بإمكانه إخفاء أي شخص في غمضة عين على حد قول جوناثان.

رغم المخاطر التي تحدق بالأغنياء ارتفع عدد المليارديرات في الصين ارتفاعاً هائلاً (بلومبيرغ)

الشرطة في الصين ليست ملزمة بالافصاح عن أي معلومات حول الاعتقال، لكن عليهم إخبار أسرة المعتقل خلال 24 ساعة. كثيراً ما يختار الأقارب خصوصاً في القضايا المهمة، التزام الصمت وتصدر الشركات بيانات مبهمة خوفاً من استعداء السلطات.

أطلق سراح أكثر من 100 معتقل بعد إجبارهم على الاعتراف أو التنكر لأقوالهم، بحسب تقرير Safeguard Defenders. ويذكر تقرير المنظمة قضية تشارلز شوي، المستثمر الصيني الأمريكي، الذي اختفى في عام 2013 لأكثر من سبعة أشهر ثم أطلق سراحه بعد أن أذاع التلفزيون الرسمي الصيني تصريحاً مسجلاً له يتراجع فيه عن نقده للحكومة ويعترف فيه بتوظيفه لعاهرات. وتقوم الحكومة كذلك بالضغط على خصومها باعتقال أفراد من عائلاتهم وفقاً لتقرير المنظمة.

في كتابه الذي نشر في عام 2021، تحت عنوان الروليت الأحمر: قصة عن الثروة والسلطة والفساد والانتقام في الصين المعاصرة، يروي ديزموند شوم قصة اختفاء زوجته السابقة وشريكة أعماله، ويتني دوان عن الساحة العامة في 2017. دوان التي عرفت بأغنى امرأة في الصين حينها بنت ثروتها من الاستثمار في قطاعي العقارات والتمويل. سافر الزوجان بطائرات خاصة، واشتريا اليخوت وصاحبا أصدقاءً أثرياء ينفقون ملايين الدولار على المجوهرات.

رغم المخاطر التي تحدق بالأغنياء ارتفع عدد المليارديرات في الصين ارتفاعاً هائلاً

عادت دوان للظهور مجدداً بعد أربع سنوات قبل نشر كتابه بفترة وجيزة. وحذرته من العواقب التي ستلحق بأسرتهما إن قرر نشره. كانت قيد الإفراج المؤقت لكنها قد تعتقل مجدداً. وفقاً لشوم الذي يتحدث من منفاه في لندن حيث يعيش مع ابنه، فحتى أقطاب الأعمال الكبار لا يكونون على حالهم السابقة حين الإفراج عنهم. فزوجته السابقة رغم إطلاق سراحها لم تكن حرة على حد قوله.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

لمواجهة الصين.. بايدن يسعى لإنعاش خطّة إنفاق بقيمة 250 مليار لتعزيز التنافسية

تيك توك يختبر نسخة مدفوعة من التطبيق.. ما الجديد فيها؟

التحوّل الكهربائي يعزّز نموّ مبيعات السيارات في الصين.. 20 مليون مركبة في 2021