مبعوث ماكرون يستطلع الأوضاع في بيروت… وباريس بانتظار موقف واشنطن
10 ديسمبر 2025
في زيارة مهمة إلى لبنان، حطّ موفد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جان إيف لودريان، في بيروت مستطلعًا التطورات على أكثر من صعيد، ولا سيما على المستوى الأمني بعد رفع لبنان مستوى تمثيله في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار "الميكانيزم"، وما يمكن أن يترتب على هذه الخطوة من تأثيرات على خفض التصعيد في الجنوب.
وأشاد لودريان بخطوة لبنان في تعيين السفير سيمون كرم رئيسًا للوفد المفاوض اللبناني، مؤكدًا دعم باريس لهذا التعيين ولمسار المفاوضات الجارية بهدف ضمان استمرار وقف إطلاق النار.
أما الملف الأبرز على طاولة موفد ماكرون، فيتمثّل بالمساعي الفرنسية الحثيثة لعقد مؤتمر دعم الجيش اللبناني مطلع العام المقبل، وفي هذا الإطار يأتي الاجتماع المرتقب في باريس في 18 كانون الأول/ديسمبر الجاري، بمشاركة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، والموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، ومستشارة الرئيس الفرنسي آن كلير لو جاندر، وقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل.
حطّ موفد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جان إيف لودريان، في بيروت مستطلعًا التطورات على أكثر من صعيد
الجواب الأميركي
مصادر مطلعة أكدت لـ"الترا صوت" أن زيارة موفد الرئيس الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت تأتي في إطار تأكيد استمرار الدور الفرنسي في دعم لبنان وإبقاء الملف اللبناني حاضرًا على الساحة الدولية، بما يضمن تعزيز أمنه واستقراره. وتهدف الزيارة أيضًا إلى استكمال الجهود الفرنسية لتوفير حاضنة عالمية وعربية من خلال مؤتمر للمانحين يساهم في إعادة الإعمار بعد الحرب الإسرائيلية، وفي النهوض بالاقتصاد المتأزم منذ عام 2019.
وأضافت المصادر أن المؤتمر، الذي تسعى باريس لعقده دعمًا للجيش اللبناني، كان الموضوع الأبرز في لقاءات لودريان، مع التركيز على أهمية انعقاده في الرياض لإشراك الدول العربية والخليجية في جهود الدعم. ورغم ذلك، أشارت المصادر إلى أنه لا توجد حتى الآن ضمانات بحتمية انعقاد المؤتمر مطلع عام 2026، موضحةً: "فهمنا من لقاءات لودريان أن فرنسا تعمل على ملف دعم الجيش، لكن حتى الآن لا توجد تأكيدات، وباريس بانتظار الرد الأميركي والسعودي".
بين باريس وواشنطن
وفيما تسرّبت معلومات عن لقاء محتمل في باريس خلال الأيام المقبلة لبحث مؤتمر دعم الجيش اللبناني، أشارت مصادر "الترا صوت" إلى أن لودريان لم يتطرق إلى هذا الموضوع في معظم لقاءاته، ما يعني أنه لا توجد حتى الآن تأكيدات حول انعقاد هذا اللقاء. ويطرح هذا الاجتماع في العاصمة الفرنسية تساؤلات حول مدى جاهزيته للنجاح، خصوصًا بعد أيام قليلة على إلغاء زيارة قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة، ما يعيد إلى الواجهة الصراع الخفي بين باريس وواشنطن بشأن الملف اللبناني، والاختلاف الكبير في مقاربة الاستحقاقات. ويتزامن ذلك مع تراجع التأثير الفرنسي لصالح هيمنة أميركية واضحة داخل لجنة "الميكانيزم".
وفي هذا الإطار، عاد الحديث عن إمكانية ترتيب لقاءات جديدة لقائد الجيش اللبناني في واشنطن قريبًا، وهو ما سيشكل مؤشرًا مهمًا على موقف الإدارة الأميركية، لا سيما وأن الزيارة قد تتزامن مع تقديم التقرير الرابع والنهائي للجيش حول حصر السلاح في منطقة جنوب الليطاني، وفق المهلة المحددة لنهاية عام 2025.
الإصلاحات والإنتخابات
على صعيد آخر، أكدت المصادر أن ملفين أساسيين تصدّرا لقاءات لودريان، يتمثلان في الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية المطلوبة من لبنان إنجازها بأسرع وقت ممكن، والتي باشرت الحكومة العمل على جزء كبير منها وإقرارها في مجلس النواب. ويرى الجانب الفرنسي أن نجاح لبنان في تنفيذ هذه الإصلاحات ومكافحة الفساد سيشكّل عاملًا أساسيًا لإنجاح أي مؤتمر مستقبلي لدعم لبنان، لا سيما في ظل الشروط المالية والاقتصادية التي أبلغها صندوق النقد الدولي للمسؤولين اللبنانيين وتوافقها مع رؤية المجتمع الدولي.
أكدت المصادر أن ملفين أساسيين تصدّرا لقاءات لودريان، يتمثلان في الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية المطلوبة من لبنان إنجازها بأسرع وقت ممكن
في الوقت نفسه، أبدى لودريان اهتمامًا كبيرًا بالاستحقاق الانتخابي البرلماني المرتقب في مطلع 2026، وأجرى جولة استطلاعية خلال لقاءاته حول مصيره، خصوصًا في ظل الأجواء السلبية التي تحيط به واحتمال تأجيله بين عام وأربع سنوات. ونقل الموفد الفرنسي رسالة تدعو إلى عدم المساس بهذا الموعد الدستوري، محذرًا من أن أي تأجيل قد يشكّل إشارة سلبية على مستوى الموقف الدولي تجاه لبنان.
الحدود اللبنانية السورية
وتأتي زيارة لودريان بالتزامن مع الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، ودخول العلاقات اللبنانية-السورية مرحلة جديدة تختلف تمامًا عن تلك التي سادت على مدى خمسة عقود. وقد حضر ملف الحدود الشرقية والشمالية على جدول أعماله، لا سيما بعد الخطوة المتقدمة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدفع عملية ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا بسرعة، عبر تسليم الخرائط الأرشيفية الفرنسية لكل من دمشق وبيروت، والتي يُتوقع أن تسهم بشكل أساسي في إنجاز هذا الملف. كما تركز الدور الفرنسي على تعزيز المسار الإيجابي للعلاقات بين البلدين.
السلاح قبل الدعم
في خلاصة الزيارة الفرنسية، تبدو المعادلة الأساسية واضحة، وهي رهن أي دعم للبنان أو للجيش بقرار حصر السلاح بيد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وهو ما تفرضه الولايات المتحدة بشكل أساسي. وبناءً عليه، يرتبط نجاح اللقاء المرتقب في باريس، وكذلك زيارة قائد الجيش إلى واشنطن أو مؤتمر الرياض، مباشرة بهذا الشرط.