مبدأ "ضرورية القتال" والهوية كسلاح.. كيف يُدار الصراع بين الجيش السوري و"قسد"؟
12 يناير 2026
إذا أُعيد النظر في مسار عقيدة وتشكل الجيش السوري الجديد، يتضح أن القتال لم يُطرَح يومًا بوصفه أداة اضطرارية فرضتها ظروف انتقال هشّ على أنقاض دولة متهالكة، بل جرى ترسيخه كـعقيدة حكم قائمة بذاتها؛ وأن العمليات العسكرية التي يخوضها في ظل الإمكانيات التسليحية المتاحة كانت مسارًا لا غنى عنه كجزء أصيل من العقيدة الأمنية والعسكرية التي يبنى عليه جيش لا يزال جزء من عقلية الفصائل موجودة لدى العديد من قادته. هنا لا يُستخدم العنف لفتح مسار سياسي أو لفرض شروط تفاوضية عادلة، بل ليحلّ محل السياسة أصلًا؛ إذا ما قلنا إن الصدامات الأولى مع الدروز والعلويين لم تكن لحظة انفلات أمني عابرة، بل اختبارًا مبكرًا لمنطق جديد، فيه كل بنية اجتماعية أو عسكرية تمتلك حدًّا أدنى من التنظيم الذاتي تُعامَل كتهديد يجب كسره، لا كفاعل يمكن إدماجه.
لم تكن الطائفية في هذه المرحلة جوهر الصراع، بل لغته التعبوية الأكثر سهولة؛ وأداة لإنتاج إجماع قسري داخل بنية عسكرية تفتقر إلى شرعية وطنية جامعة في بدايتها وتفتقر لانضواء العديد من الفصائل تحت لوائها مع غياب محافظات كاملة عن المشهد. ومع انتقال المواجهة نحو الشمال الشرقي، لم يتغير هذا المنطق، بل تبدّلت مفرداته فقط؛ بحيث جرى استبدال الخطاب الطائفي بخطاب سيادي-وطني، بينما ظل الهدف ثابتًا وهو إنهاء أي صيغة سلطة لا تمر عبر المركز العسكري وإنهاء أي تمرد مسلح يهدد أمن المدن السورية. بهذا المعنى، القتال لا يؤسس دولة حديثة، بل يؤسس نمطًا سلطويًا عسكريًا؛ بالرغم من الحالات التي يظهر فيها الجندي السوري متسامحًا وإنسانًا كما حصل في إجلاء المدنيين من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، يرى في التعدد السياسي خطرًا بنيويًا، ويحوّل الوحدة إلى شعار يُفرض بالقوة لا عقدًا يُبنى بالتراضي.
لم تكن الطائفية في هذه المرحلة جوهر الصراع، بل لغته التعبوية الأكثر سهولة؛ وأداة لإنتاج إجماع قسري داخل بنية عسكرية تفتقر إلى شرعية وطنية جامعة في بدايتها وتفتقر لانضواء العديد من الفصائل تحت لوائها
قسد كسلطة أمر الواقع
بالانتقال إلى الحالة الأحدث، وهي المعركة ضد قوات سوريا الديمقراطية " قسد"؛ والجبهة التي اشتعلت نتيجة تراكمات وعنجهية القوة العسكرية التي تمتلكها "قسد" وعدم وجود رؤية واضحة لانضمامها على الدولة السورية الجديدة مع إعلان دمج قواتها داخل الجسم العسكري السوري؛ لم يكن بإمكان وزارة الدفاع السورية التعامل بوصفها استثناءً أو حالة دفاعية خارج منطق العسكرة السوري العام. "قسد" تنظيم مسلح تشكّل وتوسع ضمن شبكة تحالفات براغماتية عابرة لأي حدود إنسانية واقتصادية وعسكرية؛ إذ أن إدارته لديها تحالف وثيق مع الولايات المتحدة، وتواصل وظيفي مع إيران و أجنحة معارضة في تركيا و العراق ، وفتحت قنوات تواصل مع إسرائيل، خصوصًا وان العلاقة بين إسرائيل و"قسد" تُقرأ بوصفها تقاطعًا أمنيًا وظيفيًا لا تحالفًا معلنًا؛ حيث تستفيد إسرائيل من وجود قوات سوريا الديمقراطية شرق الفرات لأنه يحدّ من تمدد الجماعات الإسلامية وإيران ويقطع جزءًا من الممر البري بين طهران وبيروت، ويخلق واقعًا لا-مركزيًا يضعف الدولة المركزية السورية تاريخيًا المعادية لها. يمرّ هذا التقاطع أساسًا عبر الغطاء الأميركي، حيث يجري الدعم الأميركي لـ"قسد" في بيئة لا تعارضها إسرائيل وتستفيد منها استخباراتيًا، سواء عبر تحييد مناطق "قسد" عن الاستهداف الإسرائيلي، أو عبر تدفّق معلومات غير مباشر عن تحركات إيران وحلفائها. كما يمنح الموقف الإسرائيلي غير المعادي "قسد" هامش حركة سياسي وعسكري دون كلفة مواجهة مباشرة. هذا ليس دعمًا ثابتًا أو مبدئيًا، بل براغماتي ومشروط، قابل للتراجع فور تغيّر موازين القوة؛ فإسرائيل لا ترى في "قسد" حليفًا، بل وظيفة مؤقتة داخل معادلة أمنية إقليمية أوسع.
بالإضافة، تجنّبت قوات "سوريا الديمقراطية" طوال سنوات الثورة السورية الاشتباك الفعلي مع نظام الأسد، وصولًا إلى عقد تفاهمات أمنية ومالية معه في مراحل متعددة لا سيما في مجالات توريد النفط والحبوب، والدخول في منظومات الفساد التي ثبتت سلطة الأسد لسنوات بأشكال جديدة. على مستوى الممارسة، مارست "قسد" سلطة قمعية مكتملة الأركان في شرق وغرب الفرات، وفي المناطق التي تمددت فيها بحلب وريفها. وشملت أعمالها اعتقالات تعسفية بحق المعارضين السياسيين والمدنيين، وتعذيبًا داخل سجون غير إنسانية لترهيب السكان، بالإضافة إلى قصف أهداف مدنية، وتجنيد الأطفال القصر في العمليات القتالية ضد الجيش السوري، والمشاركة في حصارات وعمليات تهجير قسري للعرب والقرى العربية، خصوصًا في ريف حلب. كل ذلك يكشف أن خطاب المظلومية والحقوق لم يكن سوى غطاء لسلطة أمر واقع، لا تختلف بنيتها العميقة عن غيرها من سلطات السلاح في سوريا.
ما يهم هو أن احتكار العنف و القوة الشرعية بيد الدولة السورية الجديدة؛ يعزز نزعة الجيش السوري نحو القتال لفرض السيطرة على المناطق التي تحتكم لإدارة "قسد"، وتحييد أي قوة مناهضة للجيش السوري الجديد؛ لكن المفارقة ربما هي بالعقيدة الجديدة النابعة من فكرة " ضرورية القتال" وهي استخدام العنف العسكري كبديل عن السياسة في عملية إعادة بناء السلطة و احتكار العنف وإعادة الهيكلة في عدة مستويات.
الدولة المؤجلة كنتاج حتمي
ما يجمع بين مسار الجيش السوري ومسار "قسد" ليس اختلاف الهوية، بل وحدة المنهج؛ إذ أنه في الحالتين، تُستدعى الهوية، طائفية كانت أم إثنية أم وطنية، لتبرير ممارسة العنف، لا لبناء سياسة جامعة وتصالحية. تتحول الهوية إلى أداة فرز من خلال التمييز بين من يحق له التمثيل، ومن يُجرَّد من الشرعية، ومن يجوز قمعه بلا كلفة أخلاقية. بهذا، يُستبدل مفهوم المواطنة بمنطق الولاء المسلح، وتُختزل الدولة ( وما دون الدولة) في جهاز أمني، ويُستعاض عن العقد الاجتماعي بمنظومة ضبط قسري عسكري. النتيجة ليست استقرارًا، بل إعادة إنتاج مستمرة للعنف؛ لأن كل إقصاء يولّد مظلومية جديدة، وكل حسم عسكري يؤسس لجولة صراع لاحقة بلغة هوية مختلفة.
الدولة هنا ليست غائبة صدفة، بل مؤجلة عمدًا، من قبل عدة أطراف، لأن قيامها يتطلب تفكيك منطق السلاح، وفتح ملفات حساسة من قبيل شكل الحكم، واللامركزية التي تسعى عدة جهات لفرضها أيضًا، وإصلاح القطاع الأمني، والمساءلة. ما دام القتال يُقدَّم كحل نهائي بدلًا من مؤتمر وطني جامع تصالحي، ستبقى سوريا تدور في حلقة إعادة إنتاج الأزمة نفسها، بأسماء جديدة، ورايات مختلفة، وبمنطق واحد: سلطة بلا سياسة، ووحدة بلا شراكة.






