مباني بيروت التراثية.. ذاكرة للنسيان!

مباني بيروت التراثية.. ذاكرة للنسيان!

لا يبدو أن الحلول "المؤقتة" قادرة على أن تحمي ما تبقى من ذاكرة البلاد (جوزيف عيد/ أ.ف.ب)

أمام أحد مباني بيروت القديمة الكائنة في منطقة البطركية، وأمام بيت الطفولة، الذي أصبح لاحقًا جامعة الـGlobal University، تحسرت الصبية على مبنى آخر يعود بناؤه إلى عشرينيات القرن الماضي. مبنى صغير تراثي جاور منزلها قديمًا، استبدل به مستثمر لبناني ناطحة سحاب، لأغراض "تجارية"، كتلة اسمنتية صلفة قضمت شجرتي توت في البستان القريب، وجزءًا دافئًا من ذاكرة الحيّ.

وقفَت ذاهلة في أرضية "الباركينغ"، تمامًا حيث كانت تنتصب شجرة التوت. تحول المكان فجأة إلى غرفة الجلوس في البيت القديم. عادت بذاكرتها خمسة عشر عامًا إلى الوراء. صور العائلة في الذاكرة، الصبية ووالدتها وشقيقتها، هناك في منتصف الصالون، يوم زفت لهن والدتهن النبأ "السار"، سننتقل إلى الضاحية لأن بابا اشترى لنا شقة واسعة. "شِرحة كتير"، كانت تقول. فهمت الصبية لاحقًا أن الحرب قذفت عائلتها من الجنوب نحو "الغربية"، وأسكنتها "بالايجار القديم"، واحدًا من المباني البيروتية التي عايشت الحرب الأهلية وصمدت. وأدركت، متأخرة، أن المالك قرر استرداد العقار من المستأجرين وبيعه لمستثمر لبنانيّ، في خضم هجمة المشاريع العقارية والتجارية، التي تلت مشروع "سوليدير".

يصبح القانون سلاحًا نافذًا بوجه التاريخ، حين يبيح لرجال أعمال نسف حقب من الزمن وتغيير معالم المدينة

تغيّرت معالم البطركية على نحوٍ مخيف. المباني لم تعد أليفة، والشارع أصبح مكتظًا بمكعبات عقارية حديثة. صارت الصبية تكره ذاكرتها. قاطعت المنطقة وبيت جدها القريب في زقاق البلاط للأسباب نفسها، ولم يكن للأمر علاقة بالانتقال إلى الضاحية، الشطر الجنوبي للمدينة المنفصل عن بيروت الإدارية. كلما مررت بجانب مدرسة "البطريركية" شعرَت أن الحرب تشن مجددًا، لكن ضدّها هي. حرب شارك فيها مجلس شورى الدولة، حين أصدر قرارًا في نهاية التسعينيات، قضى بإبطال مرسوم وقف الهدم الصادر عن وزارة الثقاقة "لعدم سلوكه الأصول المنصوص عنها في قانون الآثار القديمة الصادر عام 1933".

هكذا يصبح القانون سلاحًا نافذًا بوجه التاريخ، حين تجلس مجموعة من "النافذين" حول طاولة مستديرة لاتخاذ قرارات عبثية بالنسبة لطفولات آخرين، تبيح للمستثمرين، أو ما يصطلح تسميتهم "رجال أعمال"، نسف حقبات من الزمن وتغيير معالم المدينة، لأسباب لا تتعدى الملل أحيانًا. في تلك الفترة، أي قبل نحو 15 سنة، وفي ظل "انعدام الاستقرار السياسي والأمني في البلاد" قبيل تحرير جنوب لبنان بقليل، استغل أصحاب النفوذ الهجمة العقارية الكبرى التي طالت بيروت. وبحسب أحد العاملين سابقًا في وزارة الثقافة، فإن "التراخيص الصادرة عن مجلس بلدية بيروت، وقتذاك، والتي أجازت هدم عدد كبير من المباني، "أعطيت عن أبو جنب".

لكن ماذا عن الحل المؤقت الذي صدر بإجماع عن بلدية بيروت ووزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار، والذي كان من المفترض أن يحمي المباني ذات الطابع التراثي من أي قرار يقضي بالهدم، لحين مناقشة مجلسة الوزراء قانون الآثار الجديد قبل أن يشرّع في مجلس النواب؟ يشرح "فاعل الخير" أن القرار الأخير كان هدفه تجميد البتّ بالتراخيص "العشوائية" الصادرة عن بلدية بيروت ووزارة الثقافة في أحيانٍ كثيرة، والتي تقضي بهدم أي مبنى قديم "ذي طابع تراثي"، لحين تعديل بعض البنود الواردة في القانون القديم أو صدور آخر جديد. نتحدث هنا عن قانون جمد 15 عامًا في مجلس النواب "لأسباب سياسية". أما المالك، فلا تهمه "الديباجة اللبنانية" برمتها. فإذا قرر استعادة أملاكه من المستأجرين المحميين من قانون الإيجارات القديم وقرر ترميمها، فإن الضريبة على الأملاك المبنية التي تترتب عليه، إذا ما احتسبنا تكلفة عملية الترميم، ستتركه أمام خيار "أوحد"، وهو الاستسلام لإغراءات المستثمرين، على صورة المقاول اللبناني"المعروفة".

ومن لا يعرف الصورة، بإمكانه أن يذهب إلى عين المريسة ويسأل أهل المنطقة كيف شرعت جرافاته بهدم "البيت ذي النوافذ الزرقاء" الشهير، آخر المنازل المتبقية من القرن التاسع عشر في المنطقة. فحين بوشرت أعمال الهدم بعد منتصف الليل بقليل، تقدم الأهالي بشكوى لقوى الأمن الداخلي، وقد صدر بعد يومين من تقديم الشكوى مرسوم من المجلس البلدي أوقف أعمال الهدم. لكن "الإنجاز العظيم" لم يحم المبنى من التشويه. والترميم، إذا تم، سيطال، في غالب الظن، نصف حائط ونافذة يلفحها هواء البحر من كل الجهات.

قانون علي بابا والأربعين نائبًا

قبل بضعة أسابيع، أعدت "سي أن أن" تقريرًا عرضت فيه قائمة تضم 25 موقعًا أثريًّا من حول العالم "مهددًا بالانقراض". مرّ اسم بيروت من بين 25 مدينة ساحرة. أخيرًا تقرير ينحاز إلى بيروت وينصفها، والسبب هذه المرة لا يمت إلى "الأرزة الفينيقية" بصلة. الأرزة نفسها التي تنمو في المغرب والجزائر وسوريا وتركيا وجبال الهيمالايا الغربية، وفي ما شاء الله من بلاد. أوضح التقرير ببضعة أسطر الخطر الذي يتهدد 350 مبنى موزع على أنحاء الشطر الغربي من المدينة، ولمح إلى ما تبقى من بيوت شيدت ما بين القرن الثامن والتاسع عشر، نذكر منها ذاك المنزل المزدان بقناطر تغطيها ستائر زهرية وديعة، بناء قديم شيد خلال فترة الانتداب الفرنسي في ساحة بشارة الخوري، نخرت جدرانه رصاصات القنص وطوقته الحداثة.

الإطار القانوني الحالي غير قادر على توفير الحماية للأبنية التراثية في بيروت

وعلى خلاف ما ورد في التقرير، يؤكد المهندس خالد الرفاعي أن عدد المباني المتبقية في مختلف أنحاء العاصمة يتراوح ما بين 1000 و1200 مبنى مدرج ضمن "قائمة الجرد العام للأبنية التاريخية"، وفق المادة الأولى من قانون الآثار القديم (166/1933). "لكن القانون جمّد أواخر التسعينيات"، وبالتالي أصبح العمل وفق القانون نفسه "مخالفة قانونية". أي أن الإطار القانوني الحالي "غير قادر على توفير الحماية لهذه الأبنية". وهذا ما دفع بوزارة الثقافة والمديرية العامة للتنظيم المدني إلى إصدار مرسوم يجمد البت بإعطاء تراخيص، تجيز للمالك أو للمستثمر هدم أي مبنى تراثي.

والحل "الجذري"، برأي الرفاعي، هو الانتظار لحين تحريك الملف في المجلس النيابي. أما بالنسبة للمهندسة منى الحلاق من جمعية "أبساد"، فإن المسألة معقدة أكثر من ذلك بكثير، فتأخير سن القانون "ليس بالمشكلة الوحيدة التي تهدد إرث بيروت". إذ إن "على الدولة الإلتفات إلى أن عقود الإيجار القديمة لا تحفز المالك على الاحتفاظ بأملاكه، فيلجأ في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرار الهدم كوسيلة لإخلاء المستأجر". ومن جهة أخرى، فإن أموال المستثمرين وأصحاب النفوذ، على شاكلة مقاولي عين المريسة أيضًا، تحول دون إقناع أي مسؤول أو مالك بجدوى الحفاظ على الأبنية التراثية والاحتفاظ بها. وفي معرض حديثها عن تأثير تعدد الورثة وتنازعهم في ما بينهم حول مصير العقارات القديمة المملوكة، لمحت الحلاق إلى أن نزاعات عائلتي "الداعوق" و"البستاني"، على سبيل المثال لا الحصر، أرست بعد سنوات طويلة إلى بيع ما يفوق عن 40 مبنى قديمًا، بمبالغ لا يتعدى قدرها شقتين جديدتين في الروشة.

وبالنسبة إلى المخططات التوجيهية للتهيئة الحضرية والعمرانية التي تستلزم شق طرقات جديدة على حساب ما تبقى من آثار، فلا يبدو أن رئيس بلدية بيروت، بلال حمد، يملك الوقت أو الجواب الشافي "على الهاتف". في أية حال، لا يبدو أن الحلول "المؤقتة" قادرة على أن تحمي ما تبقى من ذاكرة البلاد، المعلق مصيرها بقانون لن يبصر النور في العاجل القريب. "قانون" أحيل إلى مجلس الوزراء عام 2000، وما زال، حتى الساعة، يرقد في أدراج اللجان النيابية المشتركة.