مبارك: ماله وما عليه

مبارك: ماله وما عليه

كان حسني مبارك مستبدًا فاسدًا ومجرمًا (Getty)

خلال عصر حسني مبارك انتشرت جملة كان دائمًا ما يُكررها الفنان الراحل سعيد صالح في مسرحياته وهي "أمي اتجوزت 3 مرات، واحد أكلها المش، وواحد علمها الغش، وواحد لا بيهش ولا بينش"، وكانت تلميحًا على "تناحة وتنبلة" حسني مبارك الذي كان يُلقب قبل رئاسته بـ "البقرة الضاحكة"، والذي اختار له أنصاره وصفًا يليق به بعد موته وهو "له ما له وعليه ما عليه"، وهي جملة لا تعني شيئًا سوى مزيد من "التبلد والتنبلة".

إذا أردنا أن نُحصي ما على مبارك فربما سنحتاج قرابة 30 عامًا من الكتابة لنرصد إجرام وفساد وظلم شهدته مصر كل يوم من أيام حكمه

لقد اقتبس هؤلاء المدلسون جملتهم البليدة من خطاب مبارك الشهير عندما قال "وسيحكم التاريخ بما لنا أو علينا" وراحوا يرددون بعد موته "ما له وما عليه"، أو اتركوا التاريخ يحكم بما له أو عليه، وكأنهم كانوا خلال ثلاثين عامًا من حكمه يُصيفون في المالديف ولم يعيشوا بيننا يتعاركون على لقمة الخبز وأنبوبة الغاز، ويموتون في العبّارات والقطارات وعلى الطرقات ويُعلقون من أرجلهم في أقسام الشرطة ويضربون أمام أبنائهم في الشوارع.

اقرأ/ي أيضًا: يسقط يسقط حسني مبارك.. تاني

إذا أردنا أن نُحصي ما على مبارك فربما سنحتاج قرابة 30 عامًا من الكتابة لنرصد إجرام وفساد وظلم شهدته مصر كل يوم من أيام حكمه. ثلاثون عامًا من التبلد والرتابة عاشها المصريون دون أمل في أي تحسن لمعيشتهم، قالها لي رجل مُسن في السيارة وأنا ذاهب إلى ميدان التحرير "ارجع يا بني فالله نفسه لا يستطيع خلع مبارك"، فالحاكم كان قد انشغل بنفسه وصحته وأسرته وكيفية الحفاظ على منصبه حتى آخر نفس، بل وتوريثه إلى نجله ودفع في سبيل ذلك كل ما يمكن للمؤسسات الداخلية والجهات الخارجية، فأصبح الفساد هو العملة المحلية الرسمية والانبطاح والتبعية الراية والشعار خارجيًا.

ربما يكون مبارك هو أكبر مُفسد في تاريخ مصر الحديث بمعنى الكلمة، فهو لم يترك منظومة أو مؤسسة أو هيئة أو قطاع إلا وأفسده، فالتعليم في عهده ظهر بكل وضوح خلال منشورات الترحم عليه من صعاليكه الذين راحوا يكتبون "اللة يرحمو، اللة يرحمة، الله يراحمو، اللة يسمحه، اللاه يسماحو"، والقطاع الصحي الذي انهار على يده فأصبحت المستشفيات المصرية خرابات بوصف الأطباء، وقطاع الأمن الذي تحول إلى منظومة خوف ورعب تجعل من زيارة قسم الشرطة كابوسًا لن تنساه طوال حياتك في حالة أنها لم تنتهِ قبل الخروج.

كيف نسي الناس مشاهد السحل والضرب التي طالت حتى بعض القُضاة الذين رفضوا الانصياع للأوامر في مشهد مخزي، كيف ننسى 1500 شهيد غرقوا في البحر لأنه لم يجرؤ أحد على إيقاظه وهو نائم، ثم بعدها كان يتندر عليها قائلًا "عبّارة من اللي بيغرقوا؟". كيف نسيتم ملايين الضحايا في المواصلات التي كانت بمثابة طريق إلى الهلاك سواء فوق الطرق الخربة نتيجة فساد شركات المقاولات أو السكك الحديدية التي أصبحت مثالا للفشل والإهمال والفساد، ومبيدات السرطان التي استوردها المجرم من إسرائيل. كيف لدولة أن تُقيم جنازة عسكرية لحرامي أثبتت إدانته بحكم نهائي وبات من أعلى محكمة؟ ثم تُذاع عنه أفلام وثائقية تُمجد فيه؟ في الحرامي!

أما خارجيًا فقد كان الرجل مثالًا للانبطاح والانسحاق أمام إسرائيل والولايات المتحدة، والذي وصف في تل أبيب بـ "الكنز الاستراتيجي لإسرائيل"، والتي حاولت قدر إمكانها دعمه في مواجهة الثورة ثم انهالت عليه بالتعازي والحزن بعد موته، كما كان خير تابع لواشنطن، ويكفيه خزيًا مواقفه الداعمة لغزو العراق ولحروب إسرائيل ضد الفلسطينيين (الذين حاصرهم وهم يُقصفون بالطائرات). فلم يدخر جهدًا في استرضاء الثنائي المجرم للصمت على سجله الحقوقي ومساعدته في توريث الحكم لنجله الحرامي هو الآخر بحكم محكمة.

أما إذا أردنا أن نذكر ما له فهناك الكثير بالطبع لذكره، فالراحل كان له من المال ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر. ترك البلد وما عليها لأبنائه وشركائهم، ويكفي أن نذكر آخر أخبار تلك الثروة منذ قرابة عام ونصف عندما رفضت المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي إلغاء تجميد ثروات المخلوع وأسرته، موضحة بأن سويسرا وحدها قامت بتجميد أكثر من نصف مليار يورو، بجانب المليارات والعقارات الأخرى في أمريكا وإنجلترا وقبرص وغيرها، وهو بالأصل ابن رجل بسيط كان يعمل حاجبًا بمحكمة.

آلاف من الكوارث والمصائب وملايين من الضحايا دفعوا ثمن وجوده على كرسي الحكم لفترة هي الأطول في التاريخ المصري تقريبًا، ومليارات جمعها وكنزها هو وأبناؤه من قوت الشعب الذي لم يجد كسرة الخبز ولا ملعقة الدواء، هذا هو ماله، أما ما قصده أتباعه بالقول "ما له" فقد أوجزها المصريون بجملة "أفضل حاجة عملها في تاريخه أنه مات".

 

اقرأ/ي أيضًا:

مصر الانقلاب..كوكتيل المنع والفقد

مصر..ستنتصر الحياة للمشاغب