مباراة السعودية وفلسطين.. اللعب بالبديهيات

مباراة السعودية وفلسطين.. اللعب بالبديهيات

رجال شرطة فلسطينيون يتابعون زيارة نادي برشلونة (جيتي)

صخب كثير، سياسي ورياضي وعنصري، رافق ولا يزال قضية مباراة فلسطين والسعودية ضمن التصفيات المؤهلة لكأس العالم وكأس آسيا، ورفض المنتخب السعودي لعبها داخل فلسطين، على ملعب فيصل الحسيني في الرام قضاء القدس، والمطالبة بلعبها على أرض محايدة، حتى لو كلف الأمر خسارة نقاط المباراة الثلاث.

هنا الحديث كله سياسي في سياق رياضي، ولكن الكثير مما يقال يستحق التوقف عنده والتساؤل بشأنه، بل ومساءلة آراء ومواقف يطرحها كثيرون كمسلمات.

المعلن، أن السعودية لا تريد لعب المباراة في فلسطين لأن ذلك شكل من أشكال التطبيع. هذا المعلن، ولم يفلح أي كان حتى الآن في اقتراح سبب آخر لرفض السعودية لعب المباراة في فلسطين، بل ودنوّها من خسارة النقاط الثلاث لقاء موقفها. هنالك قناعة لدى كثيرين أن هذا المبرر ليس حقيقيا، انطلاقا من رؤيتهم وقناعتهم بموقف السعودية من إسرائيل، وهذا يدفع للتساؤل ببساطة مرة أخرى، لماذا إذن ترفض السعودية لعب المباراة في فلسطين؟ إن كان هنالك هدف خفي للسعودية يتعلق بموقف من اتحاد كرة القدم الفلسطيني فالأمر لا يحتمل ما يقال في الأسطر التالية، وإن كانت هذه مناسبة مهمة لطرحه.

السلطة، لم تفلح في مواجهة السعودية والتشبث بموقفها، وبخلاف التراشق الإعلامي، تبيّن أن السلطة نفسها رضخت للطلب السعودي. وهذا ما لا يتناسب مع كل الادعاءات التي طرحت من قبل عن رفض الخضوع للإرادة السعودية والإصرار على "الملعب البيتي" الفلسطيني.

في السياسة لا يمكن للسلطة الفلسطينية أن تقول للسعودية أي لا. فهي الظهير السياسي الأول للسلطة في الضفة، والداعم المالي الأهم لها

في السجال على السوشال ميديا والإعلام الفلسطيني، ينبري فلسطينيون للاستهزاء من الموقف السعودي المعلَن برفض التطبيع، عبر كيل الكثير من الادعاءات عن تطبيع السعودية وعلاقاتها مع إسرائيل. وهذا مدخل طريف للنقاش. ويعني ببساطة، أنه ما دامت السعودية مطبعة أصلا، وصاحبة مواقف في صالح إسرائيل، فلماذا لا تطبّع هنا أيضا! ويعني ببساطة التسليم بالموقف المطبّع والبناء عليه طلبا لمباراة على أرض فلسطين. وإن كانت السعودية مطبعة وفق قناعة الكثيرين، فلماذا سترفض هذه المشاركة المختلَف على تطبيعها من عدمه؟! 

مهم هنا التنبه للإنجاز الذي حققته السلطة خلال سنوات عبر خلق تفريقات عديدة لموضوع دخول العرب إلى مناطق السلطة الفلسطينية، والقول إنه ليس تطبيعا، ولا يتضمن أي ختم لجواز سفر عربي بختم إسرائيلي. هنا من المهم ألا يتعامى المرء عما يجري فعلا، كلنا نعرف أن كل من يدخل إلى فلسطين يدخل بموافقة إسرائيلية وتنسيق مع إسرائيل، بختم على جواز السفر أو بدونه. كل من يدخلون توافق على دخولهم إسرائيل، بعيدا عن كل العنتريات الجوفاء التي رافقت دخول كثيرين في الآونة الأخيرة.

هنالك من يريدون ألا نسمي هذا تطبيعا، كأن الكلمة هي المهمة، طيب، سنسميه "الدخول إلى مناطق السلطة عن طريق تنسيق السلطة مع إسرائيل بشأن هذه الدخول وموافقة إسرائيل عليه". للأمانة تبدو كلمة "تطبيع" بسيطة أمام هذا العازل السلطوي التسيقي.

مسألة أخرى طرحها النقاش الصاخب: عمليا هل تستطيع السلطة وأمنها حماية الملعب؟ وهذا متطلب يحق لأي دولة التساؤل عنه في منطقة حرب أو مواجهة أو توتر أمني. السلطة قالت بوضوح إنها لا تستطيع، سيقول البعض إن هذا مخرج للأزمة توصلت له السلطة بعد ضغط ولي العهد السعودي عليها. لنقل نعم، صحيح. ولكن عمليا هل تستطيع السلطة حماية الملعب؟ تستطيع السلطة حماية الملعب بطريقة وحيدة، التنسيق الأمني مع الاحتلال لضمان مباراة هادئة، كما تفعل دوما. عدنا إلى التنسيق، الذي تحاول السلطة إيهامنا أنه أهون من التطبيع أو أنه ليس تطبيعا.

صوت الناشطين الباكين بعد تراجع اتحاد كرة القدم الفلسطيني عن المطالبة بطرد إسرائيل من كونغرس الفيفا، لا يزال قويا وواضحا في أسماعنا

مسألة أخرى: هنالك تضمين مستمر لخطابات اتحاد الكرة والمدافعين عنه فلسطينيا، يتعلق برفع اسم فلسطين وفرض واقع على الاحتلال من خلال الرياضة، وشيء يشبه بث روح وطنية من خلال كرة القدم وتحميل المباريات معاني شبيهة بتلك المتداولة عند مشجعي منتخبات بلادهم القومية. هنا لعب سياسي مصلحيّ من بوابة الرياضة باختصار. والسؤال هنا: هل حققت الرياضة أية مكاسب سياسية للفلسطينيين؟ هل ساهمت في محاكمة إسرائيل والتضييق عليها؟ صوت الناشطين المصدومين الباكين حول محفل الفيفا الذي تراجع فيه اتحاد كرة القدم الفلسطيني عن المطالبة بطرد إسرائيل من كونغرس الفيفا، لا يزال قويا وواضحا في أسماعنا، إن كان "التراس" اتحاد الكرة الفلسطيني نسيه.

أما اللعب على المشاعر الوطنية في سياق كهذا فيجب ألا ينطلي على أحد، لعبة السلطة الأثيرة هذه صارت مملة، فلسطين معروفة وحاضرة بشهدائها وتضحياتهم، فلسطين رقم صعب بمقاومتها ونضالها. هنالك من يريد أن يبدأ معنا لعبة رفع اسم فلسطين من الصفر في كل مرة، هذا استغفال للناس ببساطة، واستهانة بتضحياتهم الحقيقية.

كل هذه النقاشات تتجاوز بديهات من المهم تجليتها، وعدم السماح بالمرور عليها دون نقاش. هنالك من يرى الوضع القائم هو نهاية المنى، سلطة مناطق أ في النهار، هذا هو الحلم الفلسطيني، وتعالوا لنرتب الوقائع التي تزيد من جعله واقعا قارا، منها ببساطة التنسيق مع إسرائيل لدخول فريق عربي ليلعب في مناطق السلطة. بالمناسبة مناطق السلطة جزء من فلسطين، ليست فلسطين ببساطة.

والصخب كله مدخل لفهم كيف تعمل دعوات زيارة فلسطين وفق منطق السلطة، مرة دعوات ذات طابع اقتصادي عن إنعاش البلدة القديمة في القدس، ومرة التأكيد على عروبة فلسطين. الأولى تشبه طرح نتنياهو للسلام الاقتصادي، والثانية هي نفسها لعبة تأكيد المؤكد وتمرير وقائع تثبت الأمر الواقع. إن كان الزائر العربي سيمارس سلوكا سياحيا، فلا داعي لكل الادعاءات عن دعم فلسطين والفلسطينيين ومواجهة الاحتلال، في القدس يدفع المقدسي الضرائب للاحتلال ويطارد كل يوم ويدفع للخروج من بيته ومتجره، وحل الأمر ليس في زيادة الحركة التجارية في البلدة القديمة بمباركة من وزارة الخارجية والداخلية الإسرائيلية، هذا تسطيح لواقع الاحتلال الطارد للمقدسيين. وإن كان القادم العربي سيواجه إسرائيل ومخططاتها، فإسرائيل أذكى من أن تمنحه إذن دخول.

ماذا نسمي دخول العرب إلى مناطق السلطة بتنسيق بين السلطة وإسرائيل وموافقة أمنية إسرائيلية؟

يكفي عبثا بالبديهيات بالله عليكم.

هنالك تفاصيل مهمة على هامش هذا النقاش، حملات شكر السعودية المضحكة، أولها تصريحات حماس، التي لا يراد منها إلا مناكفة السلطة ولا تبنى على أي موقف قاطع من قضية التطبيع أو نقاش عام وشعبي حوله. ثانيها أداء الإعلام السعودي، وهو الضليع الخبير في إثارة كرة القدم وتحازباتها، والحافل بالشعبوية والبعد عن أي مهنية والمحمل بفيض دعوات عنصرية. وهذا كاف لغض الطرف عنه أو مطالبة السلطة بالتحرك الدبلوماسي مع السعودية لإسكاته، أما استخدامه للدفاع عن مواقف السلطة وتجييش الفلسطينيين معها، فيعني التورط في لعبة أخرى للسلطة وألتراسها.

في الخلاصة، هنالك أسئلة تحتاج لإجابات: ماذا نسمي دخول العرب إلى مناطق السلطة بتنسيق بين السلطة وإسرائيل وموافقة أمنية إسرائيلية؟ ماذا ستجني القضية الفلسطينية حين يلعب منتخب عربي على ملعب في مناطق السلطة بموافقة إسرائيلية؟ ما الفوائد الوطنية من الأمر؟ هل ثمة عاقل يصدق أنه يمكن فرض أمر واقع على إسرائيل من خلال التنسيق معها؟ 

اقرأ/ي للكاتب:

أمن السلطة الفلسطينية يستهدف "العربي الجديد"

من الليمون والتفاح إلى البارود والقنابل