ultracheck
  1. عشوائيات
  2. أعمال

مبادلة الديون بالأصول.. السيناريو المرعب لحل أزمة الدين المصري

28 يناير 2026
المصريون
استهل المصريون عامهم الجديد بتفاؤل اقتصادي حذر (AP)
عماد عنان عماد عنان

استهل المصريون عامهم الجديد بتفاؤل اقتصادي حذر، عقب التصريحات المثيرة للجدل لرئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، في 24 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، والتي أشار فيها إلى أن الحكومة تسعى لخفض حجم الدين العام إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ خمسين عامًا.

وأكد مدبولي أن الحكومة بصدد إعداد حزمة إجراءات متكاملة، يجري استكمال تفاصيلها النهائية خلال الأيام المقبلة، بهدف تخفيف أعباء الدين. وأوضح أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي قد انخفضت إلى 84% مقارنة بـ96% قبل عامين، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول آليات هذا الانخفاض.

وبحسب تصريحات رئيس الوزراء، يُتوقع أن ينخفض الدين الخارجي لمصر من 161.2 مليار دولار في نهاية العام الماضي إلى نحو 12 مليار دولار، وهو مستوى يعادل الدين المسجل في عام 1975.

وتثير هذه التوقعات تساؤلات واسعة حول القدرة على تحقيق هذا الانخفاض الكبير، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة التي تواجه البلاد، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة زيادة غير مسبوقة في حجم الدين العام.

رقم مرعب

حذر أستاذ اقتصادات التمويل في كلية التجارة جامعة القاهرة، حسن الصادي، من أن حجم الدين المصري وصل إلى "رقم مرعب"، ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث القدرة الفعلية على السداد، مشيراً إلى أن جميع إيرادات الدولة الحالية لا تكفي لتغطية فوائد الدين الداخلي والخارجي، دون حتى حساب أصل الدين.

ووافقه الرأي الخبير الاقتصادي والبرلماني السابق محمد فؤاد، الذي أوضح أن إجمالي الدين الداخلي والخارجي لمصر يبلغ نحو 380 مليار دولار، بنسبة تصل إلى 84-90% من الناتج المحلي، معتبرًا أن المبادلة بين الديون والأصول أو الإعفاء من الديون، هي السبيل الوحيد لتخفيف عبء الدين.

حذر أستاذ اقتصادات التمويل في كلية التجارة جامعة القاهرة، حسن الصادي، من أن حجم الدين المصري وصل إلى "رقم مرعب"، ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث القدرة الفعلية على السداد

وفي السياق ذاته، أقر وزير المالية المصري السابق والمدير التنفيذي في صندوق النقد الدولي، محمد معيط، بزيادة فوائد الديون المصرية ثلاث مرات تقريباً، معزياً ذلك إلى عوامل متعددة أبرزها مسار الإصلاح الاقتصادي وتقلبات أسعار الصرف.

ولا تزال البلاد تعتمد بشكل كبير على أدوات الدين الحكومية لتغطية التزاماتها، على الرغم من التجارب السابقة التي أبرزت مخاطر الاعتماد على رؤوس الأموال الساخنة، كما أشار معيط سابقاً بعد تخارج نحو 20 مليار دولار عقب جائحة كورونا.

تساؤلات مشروعة

أثارت تصريحات رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حول خفض حجم الدين العام المصري إلى مستويات غير مسبوقة جدلًا واسعًا، دفع خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، لطرح سلسلة من التساؤلات المشروعة حول إمكانية تحويل هذه التصريحات إلى واقع ملموس.

وفي تصريحات صحفية، أشار الشافعي إلى أن الحديث عن خفض الدين كنسبة من الناتج المحلي يطرح أسئلة أساسية: ما هي النسبة المستهدفة؟ وعلى أي مدى زمني سيتم تحقيقها؟ وأضاف بحسم: "هو لم يفصح".

وأوضح الخبير الاقتصادي أن الدين الخارجي الحالي لمصر يشكل بين 86% و88% من الناتج المحلي الإجمالي، متسائلاً: "إلى أي مستوى سيصل؟ هل ستنخفض النسبة إلى 50%؟ أم سيتم التخلص من الدين كلياً؟ وما الإجراءات المحددة التي ستتيح القول بأن الدين أصبح تحت السيطرة؟".

وأكد أن مصر تمتلك الإمكانيات لتحقيق خفض حقيقي للدين، لكن ذلك يتطلب وجود رؤية متكاملة يمكن من خلالها التأكد عمليًا من قابلية الخطة للتنفيذ، مشددًا على الحاجة للإجابة عن أسئلة استراتيجية: هل سيتم معالجة الدين بإصدار ديون جديدة؟ هل هناك مصادر واضحة للسداد؟ هل يمكن تحقيق قفزة في الصادرات أو زيادة أعداد السياح لتعزيز إيرادات الدولار؟ وهل ستقوم الحكومة ببيع شركات أو إعادة هيكلة وزارات لتعزيز الفعالية الاقتصادية؟

سيناريوهان لا ثالث لهما

في تعليقه له على تصريحات رئيس الوزراء، أكد الإعلامي محمد علي خير عبر برنامجه التلفزيوني أن تحقيق أكبر انخفاض لنسبة الدين في تاريخ مصر الحديث يتطلب أحد "سيناريوهين" رئيسيين، لا ثالث لهما.

السيناريو الأول يتعلق بالسداد النقدي المباشر، حيث تبلغ مديونية مصر الإجمالية نحو 380 مليار دولار مقابل ناتج قومي يقارب 420 مليار دولار، ما يجعل نسبة الدين تتجاوز 85%.

وبهدف خفض هذه النسبة إلى 45%، تساءل خير: "هل تمتلك الحكومة سيولة دولارية بقيمة 190 مليار دولار لسداد نصف المديونية فوراً؟"، معرباً عن شكوكه في توافر هذا الرقم الضخم حالياً.

أما السيناريو الثاني، فهو رفع الإنتاج الوطني بشكل كبير، بحيث يرتفع الناتج القومي الإجمالي من 420 مليار دولار إلى نحو 550 مليار دولار، لتصبح نسبة الدين الحالية متماشية مع الهدف المرجو، وأوضح خير أن هذا الخيار ليس سهلاً، خصوصاً وأن الناتج القومي بالدولار ظل ثابتاً تقريباً خلال العقد الماضي.

وكشف الإعلامي المصري أنه استفسر من مصادر حكومية حول إمكانية بيع أراضٍ أو أصول لتوفير السيولة اللازمة لتخفيض الدين، مؤكداً أن الإجابة كانت بالنفي القاطع: "قالوا لي لا.. وممنوع".

وفي ظل هذا الغموض، دعا خير إلى انتظار الإعلان عن ما وصفه بـ"الخطة السحرية" أو الآلية التفصيلية التي ستتيح للحكومة تحقيق هذا التخفيض التاريخي في معدلات الدين، قائلاً: "ننتظر الأيام القليلة القادمة لنعرف كيف ستفعلها الحكومة".

مبادلة الديون بالأصول.. السيناريو المرعب

وسط الجدل المستمر حول الدين العام المصري، أعاد رجل الأعمال حسن هيكل طرح مقترحه المعروف باسم "المقايضة الكبرى" عبر حسابه على منصة "إكس"، والذي يستهدف تصفير الدين المحلي عن طريق نقل ديون الحكومة إلى البنك المركزي مقابل الحصول على أصول لا تدر دخلًا.

وأوضح هيكل أن المقترح يقوم على بيع أصول الدولة للبنك المركزي الذي يمتلك السيولة، وإنشاء صندوق سيادي لإدارة هذه الأصول بطريقة احترافية، على أن تُوظف ميزانية الدولة المحررة من فوائد الدين في القطاعات الحيوية مثل التعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية، فضلًا عن دعم القطاعات الإنتاجية، معتبراً أن من دون هذه الخطوة ستظل مصر محاصرة في دائرة مستمرة من الديون الثقيلة.

غير أن المقترح لم يلق قبولًا لدى بعض كبار المصرفيين، إذ علق هشام عز العرب، رئيس أكبر بنوك القطاع الخاص، بأن تطبيق مثل هذا النموذج يعني "إعلان الإفلاس"، خاصة مع امتلاك المستثمرين الأجانب نحو 40% من أدوات الدين الحكومية (أذون الخزانة)، حيث بلغت استثماراتهم في هذه الأدوات 43 مليار دولار بنهاية تموز/يوليو الماضي، مقابل نحو 40 مليار دولار في حزيران/يونيو من العام الماضي.

وأكد عز العرب أن مصر تتمتع بإمكانات كبيرة للوفاء بالتزاماتها دون المساس بودائع المواطنين، مشددًا على أهمية التركيز على نسبة الدين إلى إجمالي إيرادات الدولة، حيث يمكن لمبدأ وحدة الموازنة أن يخفض خدمة الدين إلى النصف تقريبًا دون اللجوء إلى بيع الأصول.

ومع استمرار الجدل، رد حسن هيكل مشددًا على حجم الدين المحلي الذي بلغ نحو 13 تريليون جنيه (حوالي 270 مليار دولار) مقارنة بإيرادات الموازنة البالغة 3 تريليونات جنيه (63 مليار دولار)، مشيرًا إلى أن خفض سعر الفائدة إلى 17% سيؤدي إلى استهلاك نحو 70–80% من الإيرادات في خدمة الدين، ما يعزز حجته حول ضرورة بيع الأصول.

لا تزال مصر تعتمد بشكل كبير على أدوات الدين الحكومية لتغطية التزاماتها، على الرغم من التجارب السابقة التي أبرزت مخاطر الاعتماد على رؤوس الأموال الساخنة

خطة التخارج من المأزق

في محاولة للخروج من المأزق المالي الحالي وخفض الدين العام لمستويات كبيرة، قدم الدكتور حسن يوسف، أستاذ الاقتصاد بجامعة أوهايو، خطة عاجلة تهدف إلى خفض الدين إلى نحو 50% من قيمته الحالية، تقوم على تحقيق انضباط مالي صارم عبر عدة سنوات متتالية، مع تحقيق فائض أولي مستمر يتراوح بين 3 و5٪ من الناتج المحلي، بحيث تتجاوز إيرادات الدولة مصروفاتها قبل احتساب الفوائد بشكل واضح ومستدام.

وشدد يوسف على ضرورة تقليص النفقات غير الضرورية، وقف الهدر، وتجنب التوسع في مشاريع كبيرة ضعيفة العائد، مع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي والخدمات الأساسية، فضلاً عن توسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة التحصيل بدلاً من الاعتماد على رفع الضرائب على قاعدة محدودة من المكلفين.

كما ركز الأكاديمي الاقتصادي على إبطاء نمو الدين نفسه عبر التوقف قدر الإمكان عن الاقتراض لتمويل الإنفاق الجاري، وحصر الاقتراض في المشروعات الإنتاجية القادرة على توليد عائد يغطي جزءاً من ديونها.

وأوضح أن إعادة هيكلة الدين القائم عبر إطالة آجال السداد وخفض أسعار الفائدة وتحويل الديون عالية التكلفة إلى أخرى أقل تكلفة أو عبر شراكات مع جهات تنموية، تعد من الأدوات الأساسية لتخفيف العبء، مشددًا على ضرورة توجيه عوائد بيع الأصول أو الطروحات الحكومية لسداد جزء فعلي من الدين، وليس لتمويل التزامات جديدة، لضمان تحقيق تأثير ملموس على نسبة الدين إلى الناتج المحلي.

في المحصلة، يرى فريق من الخبراء أن مثل هذه التصريحات، في ظل الواقع الاقتصادي الراهن، قد لا تتجاوز كونه "تخديرًا نفسيًا" للمواطنين، ومحاولة لطمأنة الشارع المحتقن من خلال خطاب شعبي يبدو موضوعياً لكنه بعيد عن الواقع.

بينما يأمل آخرون في أن تؤدي طفرة استثمارية كبيرة إلى تحقيق هذه الأهداف الطموحة، إلا أن هذه التوقعات تظل محاطة بمخاطر محتملة، أبرزها اللجوء إلى بيع أصول الدولة، ما قد يضع الأمن القومي والثروات الطبيعية على المحك.

وبين هذه الرؤى المتناقضة، يظل المواطنون في مصر على يقين بأن الأيام المقبلة ستحدد مدى جدية الحكومة في تنفيذ هذه الوعود، وما إذا كانت التصريحات تعكس استراتيجية اقتصادية واقعية أم مجرد رسائل رمزية تهدف إلى امتصاص غضب الشارع دون تقديم حلول فعلية للمعضلة المالية.

كلمات مفتاحية
الولايات المتحدة

جيل أميركي يفقد ثقته بالمستقبل.. لماذا أصبح الشباب أكثر تشاؤمًا من كبار السن؟

يشعر كثير من الشباب الأميركيين بأن الطريق نحو الاستقرار أصبح أطول وأكثر تكلفة وغموضًا من أي وقت مضى، في لحظة يبدو فيها "الحلم الأميركي" أقل وضوحًا بالنسبة لجيل كامل

سامسونغ

أزمة عمالية تهدد ربع صادرات كوريا الجنوبية.. ماذا يحدث داخل سامسونغ؟

لا يقتصر تأثير ذلك على الاقتصاد الكوري فقط، بل تمتد أهميته إلى سوق التكنولوجيا العالمي، خاصة في مجالات الرقائق الإلكترونية والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية

الاقتصاد الروسي يتراجع لأول مرة منذ 2023.. هل بدأت كلفة الحرب تُرهق موسكو؟

سجل الاقتصاد الروسي أول انكماش فصلي له منذ بداية عام 2023، في مؤشر جديد على الضغوط المتزايدة التي تواجهها موسكو مع استمرار الحرب في أوكرانيا وارتفاع كلفة التمويل والتضخم

القمح في مصر
مجتمع

لماذا لم تحقق مصر الاكتفاء الذاتي من القمح؟

يأتي القمح في صدارة هذه المعادلة بوصفه العمود الفقري للأمن الغذائي المصري والعالمي

حشوة الزومبي
الترا لايت

"حشوة الزومبي" تثير الذهول.. عندما تدخل دهون الموتى عالم التجميل

بسبب محدودية الدهون البشرية المتاحة، وصلت تكلفة بعض عمليات حشوة الزومبي في الولايات المتحدة إلى نحو 100 ألف دولار

التضامن مع فلسطين
قول

الألمان يكرهون البطّيخ

لا يحتاج اللّوبيّ الصّهيونيّ لعناء كبير لاستدراج السّواد الأعظم من النّخب السّياسيّة والفكريّة والإعلاميّة في ألمانيا حتّى ينحاز لإسرائيل

صورة تعبيرية
رياضة

هل قتلت التكنولوجيا عفوية كرة القدم؟

التكنولوجيا جعلت الحياة أسهل بلا شك، لكنها في المقابل سحبت شيئًا من التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي منحتها روحها الخاصة، وربما هذا تمامًا ما حدث لكرة القدم أيضًا