مبادرات قاسم اسطنبولي.. مسرح وسينما لإحياء ثقافة الأطراف

مبادرات قاسم اسطنبولي.. مسرح وسينما لإحياء ثقافة الأطراف

قاسم اسطنبولي (فيسبوك)

لطالما كانت بيروت حاضنة لكافة التجارب الثقافية الجديدة والمعاصرة والمبتكرة، إلا أن هذا التمركز الثقافي والاقتصادي حول بيروت قد أدى إلى اختلال في موازين التنمية البشرية على كافة الأصعدة، وكتحصيل حاصل كان حتميًا أن تتأثر حركة الثقافة والفنون في المدن الأخرى في لبنان بفعل المركزية الإدارية والاقتصادية وتمركزها في العاصمة بيروت، وكذلك نتيجة أسباب عديدة لا مجال لذكرها في هذا المقال.

هذا التمركز الثقافي في العاصمة، أدى إلى تراجع الحركات الثقافية والفنية في مناطق الأطراف، ووصل إلى حد تهميش هذه المدن والقرى وتراجعها على الصعيد الثقافي بشكل عام، سواء لناحية وجود الفضاءات والمساحات الثقافية والفنية، أو لناحية وضع السياسات الفنية والثقافية وتخصيص ميزانيات لها من قبل الحكومات المتعاقبة، ما خلق هوة عميقة بين اللبنانيين في مناطق الأطراف وبين حركة الثقافة والفنون ومساراتها، ويمكن القول إن هذا "الحرمان" الثقافي له أبعاده السياسية التي أدت إلى ما أدت إليه.

تهميش الأطراف ثقافيًا

يعمل الممثل والمخرج قاسم اسطنبولي على إحياء الحركة الثقافية والفنية في مدينتي صور والنبطية، جنوب لبنان، بعد أن كانت المساحات الفنية والثقافية قد أقفلت أو أهملت في الجنوب، واستطاع من خلال مسرحه كسر المركزية الثقافية وخلق روح فنية وثقافية جديدة قادرة على اجتذاب مختلف شرائح المجتمع المحلي في المدينتين.

يعمل الممثل والمخرج قاسم اسطنبولي ويكدّ لأجل إحياء الحركة الثقافية والفنية في مدينتي صور والنبطية

بعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، عمل اسطنبولي على تأسيس فرقة "مسرح اسطنبولي" عام 2008 مع زملاء له في المعهد، وقاموا بتقديم عروض مسرحية كمسرح الشارع ومسرح الشنطة والمسرح التفاعلي.

اقرأ/ي أيضًا: أوروبا في مسرح المدينة.. لوركا وكافكا مع راشيل كوري في بيروت

وفي حديث معه قال اسطنبولي لموقع "ألترا صوت": "في ظل المركزية الثقافية وانحسار الأنشطة الثقافية الفنية في أماكن محددة في بيروت وبعض مناطق جبل لبنان، وفي ظل تهميش الحركة الثقافية في مناطق الأطراف كالبقاع والجنوب والشمال، لذلك كان لا بد من العمل على تغيير هذا الواقع في الخارطة الثقافية في لبنان".

بالنسبة له كان الدافع والمحرك وراء ذلك هو حلم والده في افتتاح مسرح في مدينتي صور والنبطية، ومن هنا كانت البداية نحو تحقيق الحلم الذي صار حلمه الشخصي في ظل غياب كلي للمسرح والسينما في الجنوب اللبناني.

في عام 2014، حاول اسطنبولي تغيير هذا الواقع من خلال افتتاح منصة ثقافية في مدينة صور وهي عبارة عن مسرح صغير أطلق عليه "مسرح الغرفة"، يتسع لـ60 مقعدًا. بعد ذلك قام بإعادة تأهيل وفتح السينمات المقفلة من سينما الحمرا في مدينة صور عام 2014، وسينما ستارز في مدينة النبطية عام 2016، وسينما ريفولي عام 2019 التي تحولت إلى المسرح الوطني اللبناني، كأول مسرح وسينما مجانية في لبنان، لتكون منصة ثقافية حرة ومستقلة ومجانية وتشهد على إقامة المهرجانات المسرحية والسينمائية والموسيقية والكرنفالات والورش التدريبية المجانية للجمهور.

وهدفه من ذلك جمع الناس حول الفن والجمال والحب، من أجل بناء جيل جديد منفتح على كافة أشكال الفنون والثقافة، وترسيخ الحركة المسرحية والسينمائية والموسيقية والفنية في القرى والبلدات المهمشة، كي يكون الفن حقًا للجميع، ويساهم في الإنماء الثقافي المتوازن بين المركز والأطراف.

يرى أن هذا المشروع كسر المركزية الثقافية بشكل ملموس، ففي العام 2019 شهد إطلاق أول مهرجان "مونودراما للمرأة" في لبنان، ومهرجان "شوف لبنان بالسينما الجوالة" من خلال بوسطة الفن المتنقلة بين المناطق، ومهرجان لبنان المسرحي للرقص المعاصر، ومهرجان لبنان المسرحي لفن الحكواتي، ومهرجان صور الموسيقي الدولي وغيرها من النشاطات الثقافية المتعددة.

الفن يُحدث تغييرات في المجتمعات على كافة الأصعدة، ويطال البنى الفكرية للجماهير

كل هذه المهرجانات انطلقت بمشاركة فنانين من مختلف دول العالم، ساهموا بمشاركتهم في تأسيس الثقافة في الجنوب اللبناني وجاؤوا إليه على نفقتهم الخاصة. يشير اسطنبولي إلى أن "كل هذا يدل على إيمان وتطوع كل فريق العمل في جمعية تيرو للفنون والتي تضم شباب وصبايا لبنانيون وفلسطينيون وسوريون وعراقيون يعيشون في جنوب لبنان".

العلاقة مع جمهور الأطراف

يعلق اسطنبولي على أهدافه من المشروع بقوله "مشروعي هدفه الاستقلالية والحرية وجعل الفن متاحًا للناس، خاصة أن جميع النشاطات والعروض والمهرجانات والورش التدريبية هي مجانية". محدثًا بذلك تغييرات اجتماعية وثقافية وسياحية لمناطق الأطراف.

اقرأ/ي أيضًا: هل ثمة "مسرح احتجاجي" عربي؟

برأيه، الناس تحب الفن، ولكن يجب فتح منصات لهم للفرجة والتعبير، خاصة للأطفال والشباب وإعطائهم مساحات تخولهم إطلاقها. فالجمهور المتلقي الذي يأتي لمشاهدة مسرح اسطنبولي هم العائلة بكل أفرادها، ولا تذكرة للدخول، ولا أماكن محددة محجوزة لشخصيات معينة، بل هو مفتوح للفقراء والأغنياء على حد سواء.

يقول "نحن نقوم بالذي نستطيع القيام به من أجل عشقنا وممارستنا لتجربة حياة، من الناس ولأجل الناس، ومشروعنا وقضيتنا التي نؤمن بها تقوم على الناس".

بالنسبة لاسطنبولي التجربة ناجحة ويجب تعميمها في مناطق الأطراف كافة: "الجمهور يملئ المسرح في كل مناسبة، والمسرح مفتوح للجميع، والعروض اليوم تأتي من مختلف قارات العالم إلى المسرح الوطني اللبناني، ولدينا صندوق على باب المسرح يدعمنا الناس والرواد المختلفين. وأما بالنسبة لبعض الفنانين في لبنان بشكل عام، فما زالوا ينظرون إلى مدينة صور على أنها مدينة بعيدة جدًا عن بيروت، لكنه يدعوهم للمشاركة في مشروعه عبر عروضهم الفنية".

خنق الحركة الثقافية

الفن يحدث تغييرات في المجتمعات على كافة الأصعدة، ويطال البنى الفكرية للجماهير، وهذه التغييرات تساهم بشكل غير مباشر في إحداث تغييرات سياسية فيما بعد. فجميع الأنظمة تخشى من الفنون وتحاول تقييدها وحصرها لخدمتها. من هنا بدأت الصعوبات، فحتى الآن لا يعرف الممثل والمخرج قاسم اسطنبولي "ما هو السبب الحقيقي وراء إقفال سينما الحمرا في مدينة صور وسينما ستارز في النبطية حتى اليوم؟".

قاسم اسطنبولي: "من هم المستفيدون من إقفال منصة حرة ثقافية مجانية مفتوحة للناس؟"

يتساءل اسطنبولي: "من هم المستفيدون من إقفال منصة حرة ثقافية مجانية مفتوحة للناس؟ ومن هم الخائفون من وجود هكذا منصة؟ ففي قرى الأطراف لا يوجد سوى المقاهي فيما تغيب المكتبات والمسارح والسينمات! إنه سؤال مطروح منذ مدة ولا يلقى أي إجابة من المعنيين، فما هي الثقافة التي يودون انتاجها وتصديرها للشباب وللأجيال القادمة؟".

المبادرات الثقافية يجب دعمها من قبل المؤسسات الخاصة والعامة، ويجب العمل على إدخال المواد الفنية مادة المسرح في المناهج الدراسية، والعمل على التحرر من سيطرة المؤسسات الحزبية والدينية على المؤسسات الثقافية والأعمال الفنية، وهذا ما نفتقده حتى الأن. برأيه "الفن والثقافة بلا حرية يعني بوق وطبل ومزمار".

سينما ضد القمع

ينعقد مهرجان صور السينمائي للأفلام القصيرة لهذه السنة من 15 إلى 17 شباط/فبراير في دورته السابعة في مدينة صور، وقد اختار اسطنبولي لهذه الدورة عنوان "سينما ضد القمع"، وهي تتضمن حوالي 53 فيلمًا قصيرًا من 28 بلدًا، وتجمع الأفلام بين الدرامي والوثائقي والأنيميشن، ويعلق اسطنبولي على ذلك في حديثه لنا: "الهدف من المهرجان تسليط الضوء على قضية القمع في العالم، خصوصًا الأفلام من البلدان التي شهدت وتشهد اليوم تحركات وتظاهرات وانتفاضات وثورات شعبية ومطلبية".

اقرأ/ي أيضًا: عزّوز عبد القادر.. أن تسحب أفريقيا إلى المسرح

يعتبر المهرجان منصة لدعم سينما الشباب وطلاب الجامعات، وهو "تظاهرة فنية من خلال حضور مخرجي الأفلام إلى لبنان من العديد من الدول، وسيتخلل المهرجان ورشات تدريبية وجلسات حوارية ونقاشات مع الجمهور مما يعمق التفاعل بين الشباب والمخرجين السينمائيين". ويشير إلى أن هذا المهرجان هو "أول مهرجان سينمائي في تاريخ الجنوب اللبناني"، وتأسس في سينما الحمرا في مدينة صور جنوب لبنان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قناديل ملك الجليل.. أصل الفلسطيني حصان

تيسير خلف.. وقائع السيرة الدمشقية لمسرح أبي خليل القباني