ما يحدث في الهند ليس شغبًا.. إنها ممارسات وحشية ضد المسلمين

ما يحدث في الهند ليس شغبًا.. إنها ممارسات وحشية ضد المسلمين

ما يحدث في الهند هو استهداف ديني وحشي (Getty)

يراجع المقال أدناه، المترجم عن صحيفة الغارديان البريطانية، الوصف الرائج في الإعلام والخطاب السياسي لما يحدث في الهند ضد الأقلية المسلمة، باعتباره شغبًا. وعلى العكس يجادل أن الوصف الأدق، هو أن ما يحدث يمثل هجومًا عنصريًا ضد أقلية دينية.


في أغسطس/آب 1958، بدأت عصابات من الشباب البيض بمهاجمة الهنود الغربيين في نوتينغ هيل بلندن على نحو ممنهج، فاعتدوا عليهم بالقضبان الحديدية والسواطير وزجاجات الحليب. أفاد أحد رجال الشرطة في تقريره أنه سمع 300 من المهاجمين يصيحون "سنقتل كل الأوغاد السود. لماذا لا ترسلونهم إلى أوطانهم؟". استمرت الهجمات أسبوعًا قبل أن تتمكن الشرطة من استعادة النظام.

ما يحدث في الهند ليس مجرد صراع ديني بين المسلمين والهندوس، بل صراع سياسي بين رؤيتين للهند. بين من يرون الهند دولة منفتحة وعلمانية ومن يسعون إلى تأسيس دولة هندوسية متعصبة

ما زالت هذه الحادثة معروفة حتى اليوم باسم "شغب نوتينغ هيل". لكن الأمر لم يكن شغبًا بأي حال من الأحوال. بل كان هجومًا عنصريًا خبيثًا استمر أسبوعًا. وصفها القاضي الذي حكم على تسعة شباب بيض في المحكمة الجنائية في لندن، بأنها حملة "لصيد الزنوج". لكن هناك تاريخ طويل من وصف العنف العنصري بكلمة "شغب"، لتصويرة كموجة عنف عامة بدلًا من كونها هجمات تستهدف مجموعات بعينها.

اقرأ/ي أيضًا: إبادة عرقية.. المذبحة الطائفية مستمرة في شوارع الهند

وهذا هو الحال مع موجة العنف التي اندلعت في أجزاء من العاصمة الهندية دلهي، الأسبوع الماضي. تحدث الصحفيون والسياسيون عن "شغب" و"عنف مجتمعي". لكن هذا الوصف لا يقل خطأ عن وصف الهجوم على سكان نوتينغ هيل السود بالشغب. ما شهدته دلهي خلال الأسبوع الماضي، كان المناظر الهندي لحملات "صيد الزنوج"، عنف موجه ضد المسلمين تقوده عصابات من القوميين الهندوس، من أنصار حزب BJP (حزب الشعب الهندي) الحاكم، وقد هتف الكثيرون منهم "جاي شري رام" (أي المجد للإله راما) و"الهند للهندوس".

بدأ العنف بعد أن قال كابيل ميشرا السياسي المحلي في الحزب الحاكم في مؤتمر يوم الأحد الماضي، إنه سيخلي هو وأنصاره الشوارع من المتظاهرين ضد تعديل قانون المواطنة بأنفسهم، إن لم تفعل الشرطة ذلك.

التعديل الجديد في قانون المواطنة يسمح للمهاجرين من الدول المجاورة بالحصول على الجنسية الهندية، إلا إن كانوا مسلمين. وهو أول قانون منذ إعلان استقلال الهند يقصي المسلمين صراحة وقد أدى إقراره إلى إشعال موجة احتجاجات واسعة.

في غضون ساعات من إنذار ميشرا، بدأت عصابات حزب الشعب الهندي بمهاجمة المتظاهرين ضد قانون الجنسية. وفي غضون أيام، أحرقوا منازل المسلمين ومتاجرهم ومساجدهم، والمسلمين أنفسهم. قتل ما لا يقل عن 39 شخصًا من بينهم رجال شرطة.

وقد تعرض الهندوس أيضًا للهجوم وأحرقت منازلهم. دفع هذا الأمر لتصوير الأحداث في دلهي على أنها شغب عام وخروج عن القانون، بل وحتى عنفًا مسلمًا.  في عام 1985، سلح كثير من الهنود الغربيين أنفسهم بالهراوات والأحجار، وتجمع العديد منهم بحثًا عن بيض ليهاجموهم. لم يمنع هذا من وصف الحادثة على أنها هجوم عنصري ضد السكان السود. ولا ينفي قيام المسلمين بالرد على هذه الحوادث بالعنف أن مصدر هذا "الشغب" هي الشيفونية الهندوسية ومشاعرهم العدائية تجاه المسلمين.

يعتنق حزب الشعب الهندي أيديولوجيا الهندوسية، التي ترى بأن الطريقة الهندوسية في الحياة هي النموذج الأصلح للهند. وكان على جميع المسلمين الهجرة إلى باكستان إبان الانفصال، كما قال جيراج سينغ، الوزير في الحكومة، الشهر الماضي.

ومثله مثل العديد من الحركات الرجعية في أوروبا، فاز حزب الشعب الهندي الحاكم بدعم شعبي كبير بسبب استياء الجماهير من فشل الأحزاب الرئيسية خصوصًا حزب المؤتمر، الذي حكم الهند في معظم تاريخها بعد الاستقلال. حين وصل حزب الشعب الهندي للسلطة في 2014، كان تعصبه الهندوسي محصورًا ومحدودًا، لكن بعد فوزه بولاية ثانية في انتخابات العام الماضي، رأى رئيس الوزراء نارندرا مودي في ذلك ضوءًا أخضر لفرض سياساته الاقصائية دون قيود.

في آب/أغسطس 2019، جردت الحكومة إقليم جامو وكشمير ذي الأغلبية المسلمة من استقلاله الذاتي، وهو مطلب للقوميين الهندوس منذ الخمسينات، وتعاملت قوات الأمن مع الاحتجاجات المحلية بوحشية. ثم جاء تعديل قانون المواطنة ليكون جزءًا من هجوم من جزئين ضد المواطنين المسلمين. أما الجزء الثاني فهو تأسيس السجل الوطني للمواطنين، والذي يفرض على كل الهنود تقديم أوراق بجنسيتهم. ملايين من الهنود الفقراء لا يملكون مثل هذه الأوراق. لغير المسلمين يوفر تعديل قانون المواطنة طريقة لحل المشكلة. لكن المسلمين المقصيين بفضل القانون، يخشون من أنهم سيصيرون أجانب حتى لو عاشوا في الهند لأجيال متعاقبة. وقد تصير أوضاعهم مثل أوضاع الروهينجيا في ميانمار.

اقرأ/ي أيضًا: نسخة "قوانين نورمبرغ" في الهند.. مودي يتجه لتشكيل دولة للهندوس فقط

تكشف محاولة إقصاء المسلمين عن الأيديولوجيا المتعصبة لحزب الشعب الهندي، لكن المعارضة الواسعة للقانون من المسلمين والهندوس على السواء تظهر عمق الكراهية المتجذرة ضد التعصب. في دلهي، في وسط العنف والاضطرابات، تروى قصص عديدة عن هندوس يحمون جيرانهم المسلمين ومسلمون ينجدون الهندوس.

مثله مثل العديد من الحركات الرجعية في أوروبا، فاز حزب الشعب الهندي الحاكم بدعم شعبي كبير بسبب استياء الجماهير من فشل الأحزاب الرئيسية خصوصًا حزب المؤتمر

ما يحدث في الهند ليس مجرد صراع ديني بين المسلمين والهندوس، بل صراع سياسي بين رؤيتين للهند. بين من يرون الهند دولة منفتحة وعلمانية ومن يسعون إلى تأسيس دولة هندوسية متعصبة. نتيجة هذا الصراع ليست مهمة للمسلمين أو الهنود وحدهم، بل لنا جميعًا.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

كشمير.. قصة الإقليم الذي يهدد بإشعال حرب نووية