ما وراء صفقة الجزر المصرية

ما وراء صفقة الجزر المصرية

السيسي والملك سلمان في مصر (الأناضول)

لا شيء في السياسية يحدث بالصدفة، لكن التواريخ تتقارب، مر منذ عدة أيام تاريخ سقوط بغداد، يمشي بمحاذاة الأيام هادئًا وكأنه وجه رجل مشوه لا يريد لأحد أن يراه، ثم تأتي مصائب القاهرة القديمة الجديدة تجدد التشوهات الخلقية التي تعاني منها منطقتنا بائسة المصير.

الخرائط يرسمها الموظفون، والصفقات يبرمها الساسة الكبار أو ما يمثلهم، من الوسطاء أو السماسرة

المصائب أو ما يسميه السياسيون "صفقات" لا تحدث عبثًا، الخرائط لا يرسمها العبثيون أو الحالمون ولا المشفقون ولا المنفيون، الخرائط يرسمها الموظفون، والصفقات يبرمها الساسة الكبار أو ما يمثلهم، من الوسطاء أو السماسرة.

اقرأ/ي أيضًا: مقابر من طين

كتب جيفري جولدنبرج في مقاله لمجلة "دي أتلاتيك" تحت عنوان "عقيدة أوباما" موضوعًا عن انتهاء عصر السيطرة العسكرية الأمريكية وتدخلاتها في الشرق الأسود، محاولةً أن تترك العمل القذر لحلفائها الشرقيين النهمين المتطلعين إلى العمل بأيديهم في المنطقة، كل حسب مصالحه.

حين تحدث المصيبة لا أقرأ الخرائط وحدها بل أتوجه صوب التاريخ والسياسة، حاولت أن أفهم كيف ولماذا تخلى النظام المصري المجنون عن جزيرتين دفعة واحدة للسعودية التي لم تطالب بهما سوى في الغرف المغلقة، وفي الاجتماعات الجانبية، وليس لها فيهما أي حق تاريخي ولا سياسي، وحاولت أن أفهم لماذا الآن تحديدًا؟ ولماذا لم يتم إعلان تلك الصفقة المشبوهة على العلن "كديكور" ديمقراطي في مصر؟ وبعد عدة قراءات للمشهد البائس توصلت لعدة نقاط.

أولًا.. السيسي ينزلق 

الرجل جاء بانقلاب عسكري، وهناك مادة صريحة في الدستور الأمريكي تمنع الحكومة الأمريكية من الاستمرار في منح مساعدات عسكرية ومدنية للدول التي يقع فيها انقلاب عسكري. المعونات تنقسم إلى قسمين: معونات عسكرية تشمل معدات عسكرية وأجهزة صيانة دون "كاش" مدفوع، ومعونات مدنية تخص التنمية ومؤسسات المجتمع المدني الآخذة في الاضمحلال والهجرة من مصر، وهي على أي حال لزوم "الديكور" لا أكثر.

مصر الآن مخدرة ومخمورة بالعسكري الجديد ومستعدة تمامًا لتنفيذ أي أجندة طالما تثبت أركان الحكم

عضوان في الكونجرس الأمريكي، وهما جون ماكين وليندسي جراهام كانا يرفضان مساعدة نظام السيسي تمامًا، وأطلقا تصريحات مفادها أننا لا يمكننا مساعدة هذا النظام، وأنه أمر لا يمكن أن يتماشى مع "أخلاقيات وقيم الأمة الأمريكية". بعد عدة اجتماعات أدركت السياسة الأمريكية أن مصر لا يمكن تركها للحصول على مساعدات عسكرية من روسيا، وأنها تحتاجها حليفة، تحتاج مجالها الجوي والبحري المفتوح، وأرضها للتدريبات العسكرية، والأولوية التي تعطيها لعبور القوات الأمريكية عبر قناة السويس، وهي ميزات لا يمكن تركها لأي حليف آخر. مصر الآن مخدرة ومخمورة بالعسكري الجديد ومستعدة تمامًا لتنفيذ أي أجندة طالما تثبت أركان الحكم.

ثانيًا.. السعودية يجب أن تدخل على الخط

رغم كل ما فعله النظام من بطش وغباء في سيناء إلا أنه لم يستطع السيطرة على أفاعيل جماعة بيت المقدس، والولايات المتحدة تحتاج وفقًا لعقيدتها الجديدة إلى قوة كبيرة تسيطر حتى تستطيع أن تسحب قوات حفظ السلام الخاصة بها من المنطقة، وتحتاج لأن يبدو ذلك منطقيًا، والسعودية لديها الاستعداد لأن تتحالف مع الشيطان ضد التقارب الأمريكي مع إيران حتى تبدو وكأن لها تحالفها الخاص وقوتها الخاصة ضد إيران.

اقرأ/ي أيضًا: أوباما يضرب أسس "كامب ديفيد"

النظام المصري في حاجة إلى الدعم المادي للسيطرة، يُمنح الطرف السعودي بموجب صفقة جرت خلف الستار جزيرتي تيران وصنافير، تدخل بموجبه السعودية على الخط في اتفاق كامب ديفيد. فالجزيرتان تقعان تحت البند "ج" في المعاهدة، وتعتبران على أهمية كبرى لأمن إسرائيل في تواصلها مع آسيا والدول الإفريقية. 

ثالثًا.. ضخ الروح في المحور التقليدي

ما هو المحور التقليدي/الجديد؟ هو القاهرة-الرياض-تل أبيب، مجرد نافذة لتحصل السعودية، من خلال علاقاتها المباشرة الرسمية، بامتلاك الجزيرتين على ورقة ضغط على واشنطن، فيما يخص بسياستها تجاه إيران. مصر تبدو "الكوبري" الذي تعبر عليه السعودية بمالها وأجندتها السياسية لتحقيق مآرب سياسية، إقليمية بشكل أساس. الصورة تبدو وكأن أحدهم أطلق صاروخًا تجاه إيران فسقط في مصر. تتضح الصورة شيئًا فشيئًا، التاريخ لا يعير المهرجين اهتمامًا! 

اقرأ/ي أيضًا:

سلمان في القاهرة.. السعودية تحاول ضرب إيران من مصر

مصر..تسريبات بنما تعطل التصالح مع رجال مبارك