ما وراء حملة الإعلام الإماراتي والسعودي ضد عزمي بشارة؟

ما وراء حملة الإعلام الإماراتي والسعودي ضد عزمي بشارة؟

يتخصص الإعلام المعادي للثورات في تشويه المفكر عزمي بشارة

بدأت خلال الأيام الماضية تتكشف خيوط الأسباب المسوغة للتصعيد الدبلوماسي غير المسبوق الذي افتعلته ثلاث دول خليجية تجاه دولة قطر بمحاولة حصارها، وفي الوقت الذي حاولت الدوحة احتواء الموقف بعقلانية من دون أن تذهب للتصعيد، تابعت الدول الثلاث عرض جميع أوراقها، وليتخدث إعلامها بعدها عن مجموعة مطالب بدت أنها تريد عبرها فرض وصايتها على الدوحة. واللافت في حجم المطالب توجيه سهامها للمؤسسات الإعلامية المدعومة من قطر، زادت عليها بعض الأقلام الداعية لطرد المفكر العربي عزمي بشارة من الدوحة، ما دل على تأثير هذه الوسائل في المنطقة، وأن سياساتها التحريرية أصبحت أكثر سرعة في إيصال المعلومة للقراء، المعلومة التي لطالما حاولت الدول العربية منع وصولها لجيل الشباب خوفًا من تأجيج الاحتجاجات ضدها.

بان أن التصعيد غير المسبوق ضد قطر يخفي خوفًا من مؤسسات إعلامية جديدة في المنطقة نجحت في إيصال المعلومة للشباب ودعمهم

وروجت الحملة التي نظمتها بعض الدول الخليجية، من ضمن شروطها الاستفزازية، لبند إيقاف المؤسسات التي زعمت أن عزمي بشارة يرأسها، وختمتها بمطالب إغلاق قناة "الجزيرة" الإخبارية، والتلفزيون "العربي" بعد أن تحولا منبرًا لشباب الربيع العربي، دون أن تنسى المطالبة بطرد بشارة من الدوحة، ما يثير التساؤل حول حجم التأثير الذي صنعته هذه الوسائل، والتي ساهم بشارة في تأسيس بعض منها دون أن يديرها، وعن حجم القلق الذي يثيره الأخير في بعض النفوس.

اقرأ/ي أيضًا: صحيفة عكاظ.. تجهيل وتشهير ضد الإعلام الديمقراطي

عزمي بشارة.. تكذيب إعلام الدعاية والتلفيق

تُمثل تجربة عزمي بشارة السياسية والفكرية مرحلة مهمة على مدار الأعوام الفائتة، منذ خوضه للصراعات لأجل تحقيق مطالب حقوقية للقضية الفلسطينية داخل أروقة "الكنيست" الإسرائيلي كممثل عن حزب "التجمع الوطني الديمقراطي"، ما دفع بسلطات الاحتلال للتضييق عليه، ووصلت حد التهديد بتصفيته ليخرج على إثرها عام 2007 من الأراضي المحتلة إلى منفاه في الدوحة، حيث انصب عمله على الأعمال البحثية المرتبطة بالحقوق والمواطنة والديمقراطية ومجمل الحال عربيًا.

إقامة عزمي بشارة في الدوحة جعلته يساعد على تأسيس وسائل إعلام عربية تنطق بلسان شباب الربيع العربي مثل موقع  وصحيفة "العربي الجديد" أو تلفزيون "العربي"، وهذا لا يختلف عليه اثنان في ظل تنامي نفوذ وسائل التواصل الاجتماعي في المجتمع، كما لا يعتبره الدكتور بشارة سرًا بل يصرح به، لكن اللافت في المطالب المزعومة ربط اسم عزمي بشارة بجميع وسائل الإعلام الممولة من قطر، والتي لا علاقة له بها كالهافنغتون بوست عربي أو عربي 21 أو غير ذلك من المؤسسات الإعلامية، وليتضح لاحقًا أن المطالب غير بريئة، بالأخص أنها زعمت عمل عزمي بشارة بصفته مستشارًا سياسيًا لدولة قطر، وهو المفكر والباحث، والذي لا يتعاطى السياسة إلا من باب البحث والتفكير، وبالضرورة اتخاذ مواقف بشأن الثورات وأحوال الشعوب العربية يجدها واجبًا والتزامًا أخلاقيًا من موقعه كمثقف.

كما يجدر التنويه إلى أن إقامة الدكتور بشارة في قطر، التي أتت بعد اضطراره للعيش في المنفى خارج فلسطين، لا تعبر عن موقف مسيس بالضرورة. إذ أن قطر وقبل كل شيء دولة عربية، وليست جماعة أو حزب سياسي، والإقامة فيها متاحة لمئات الآلاف من العرب وغير والعرب دون أن يقتضي الأمر أي تبعات سياسية على صلة بسياسة البلاد وقيادتها.

في الوقت عينه نجد مفكر ومثقف بحجم بشارة غير متنكر لما أتيح له في هذه الإقامة من استقلالية في البحث والتفكير وخرية في الإنتاج المعرفي، هذا دون غض النظر عن دعم أفكار ومشاريع علمية ترجمها بشارة بمؤسسات بحثية رائدة وتحظى بمصداقية عالمية وعربية. ومن المهم تلمس المدى التنويري وعمق الالتزام بقضايا الديمقراطية والمواطنة عربيًا في عمل هذه المؤسسات، وهذا ما يشح مثيله عبر تجارب الأنظمة العربية القائمة حاليًا. 

إذا ما تتبعنا مسار حياة عزمي بشارة الفكرية نجد أنه عمل على تأليف أكثر من عشرة أعمال بحثية منذ خروجه من الأراضي المحتلة، أي أن الرجل كان يستثمر جهوده في العمل البحثي بينما كانت تثار حوله قصص وإشاعات. وعزمي بشارة نفسه أكد في أكثر من مناسبة، من بينها الحوار المنشور في موقع "راجع" الإلكتروني، والمقتبس كاملًا عن كتاب "في نفي المنفى.. حوار مع عزمي بشارة" للباحث صقر أبو فخر على أنه لا يدير أيًّا من وسائل الإعلام المذكورة.

في الحوار يشير عزمي بشارة، الذي يدير "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، إبان تأسيسه بقوله "هذه الفكرة أتيتُ بها أنا شخصيًا للشيخ تميم بن حمد حين كان وليًا للعهد. واستغرقت المناقشات أكثر من عام، إلى أن تحقق هذا الدعم، وهو مشروع عربي لإقامة مركز للبحوث حظي بدعم دولة قطر، وليس مشروعًا قطريًا أُنفذه أنا. ليست العلاقة بين الطرفين هكذا. وهذا ينطبق على المشروعات العلمية الأخرى"، ثم يضيف غامزًا للأصوات العربية المناهضة لمثل هذه المشاريع الثقافية في المنطقة العربية بأنها لو كانت بتمويل غربي لاعتبرت أمرًا عاديًا، أما أن يكون "التوجه إلى دولةٍ عربيةٍ، وعلى أرض عربيةٍ، فهذا مدعاة للغرابة ورفع الحواجب واللغو والكلام الفارغ"، إضافة لنفيه أن يكون مستشارًا لأمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني، وهي من الشائعات التي روجت لها الدول عينها.

ومن مجمل الادعاءات التي تضمنتها الحملة ضد عزمي بشارة إشاعة خبر هروبه، من قبل صحف إسرائيلية اسندت طرحها إلى صحف سعودية، من دولة قطر بحجة اعتزاله العمل السياسي، رغم أن بشارة أكد في أكثر من مناسبة اعتزاله العمل السياسي منذ أعوام سابقة، وأشار إليه بوضوح الشمس خلال حواره ضمن برنامج "وفي رواية أخرى" على "التلفزيون العربي" بتفرغه للعمل الفكري والبحثي، حتى أنه نوه لعدم تأديته أي عمل سياسي في السنوات الفائتة، أي أنه لم ينف أو يتجاهل قضية اعتزال العمل السياسي، إنما أعلنها وأوضح السبب الكامن وراء ذلك بدون أي تلاعب على المصطلحات.

اقرأ/ي أيضًا: مصادرة كتب عزمي بشارة في معرض الشارقة

وفي مقابل ذلك لا يُخفى على أحد الدور الذي يلعبه عزمي بشارة من وراء إنشاء المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الذي يُعد من أهم المراكز البحثية المنشأة حديثًا في المنطقة العربية. فالمتتبع لمسار الأعمال البحثية الصادرة عن المركز، لا يمكنه إنكار أنها من الأعمال الفكرية المهمة المقدمة للقارئ العربي كونها تُغطي معظم الدول العربية، وتُركز على مسائل كان من المُحرمات التطرق إليها سابقًا عبر تفكيكها لمنظومة السياسات القديمة التي كانت تحكم منطقتنا العربية.

إذ أن تركيز عزمي بشارة قد انصب خلال المرحلة المُلحقة لتأسيس المركز على تقديم مراجعات نقدية لاحتجاجات بلدان الربيع العربي بطريقة موضوعية، وكذا مساهمته في تأسيس منابر ناطقة بلسان جيل الثورات العربية، ومن هنا يكمن السبب وراء محاولات إغلاق وسائل الإعلام، أو طرد عزمي بشارة خوفًا من تزايد التحول الديمقراطي الذي ظهرت خيوطه الأولى على المنطقة، وأن تكون هذه الكتابات محفزًا على استمراريته، بالأخص أنه لا يزال قائمًا حتى اليوم.

محاولات إغلاق وسائل إعلام أو الخديث عن طرد بشارة يعكس خوفًا من التحول الديمقراطي الذي ظهرت خيوطه الأولى في المنطقة العربية

الدول المفتعلة للأزمة الدبلوماسية مع قطر تابعت هجومها على عزمي بشارة، من خلال تداول صحيفة "الحياة" بطبعتها السعودية لخبر يتحدث عن لقاء دار بين عزمي بشارة ومعارض قطري يحمل اسمًا وهميًا (سعود بن ناصر آل ثاني) لبحث أمور مرتبطة بالسياسة القطرية، عمل بشارة على نفيها بشكل قاطع.

واعتبر عزمي بشارة عبر منشور على صفحته الشخصية على موقع "فيسبوك" أن الصحف السعودية والإماراتية أو وسائل إعلام تابعة لها نشرت خلال الأيام الماضية "الكثير من الافتراءات والأكاذيب التي زج فيها باسمي لأهداف ومرامٍ لا تخفى على أي عاقل. ولم أرد أو أكترث بالرد لأنه لا يعقل أن أجر إلى مثل هذا الإسفاف، ولأن التكذيب لا ينفع في حالات التحريض المقصود، ولا سيما إذا كان إملاء من أجهزة أمنية".

الأحداث الأخيرة المتسارعة أفصحت أن مما يؤرق دول الثورات المضادة، ابتعاد عزمي بشارة عن الحياة السياسية بتفرغه للعمل البحثي، وهذا الكم من الأعمال المرجعية الصادرة بتأليفه، أو لباحثين عرب متعاونين مع المركز، علاوة على الندوات الفكرية المنظمة في الدول العربية، أو المجلات الدورية، كل ذلك ساهم في إثارة الذعر بين عدد من الدول فحاولت أن تنشر أخبارًا مضللة وأصرت عليها.

الإعلام سلاحًا في صف التحول الديمقراطي

استطاعت المشاريع الإعلامية التي ساهم في تأسيسها عزمي بشارة أن تُحدث فارقًا في التجربة الإعلامية الحديثة، وتكون مواكبة لما يحصل من تطور في وسائل التواصل الاجتماعي، فهي عملت على استقطاب جيل الربيع العربي الذي تلقى هزيمة على يد داعمي الثورات المضادة في تغطيتها لجميع التطورات، ومن ضمنها ما خصصته من ملفات على صفحاتها لقضايا سياسية حساسة تعصف بالمنطقة.

وأحدثت وسائل الإعلام، التي دعمت الدوحة تأسيسها، ضجيجًا على الصعيد العربي بعد أن عملت على تغطية الأحداث المهمة التي عصفت بدول الربيع العربي على وجه الخصوص، فكانت سباقًة لكشف وثائق تدين دعم الإمارات والسعودية لأطراف معينة في ليبيا، أو انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من نظام الانقلاب العسكري في مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي، وخلال هذه الفترة قامت الوسائل الإعلامية بنقل أهم المواد التحليلية عن الصحافة الغربية للغة العربية، واضعًة بين يدي الشباب العربي موادّ مرجعية، وقراءات لأهم المحللين الغربيين حول ما يحدث في المنطقة.

المطالب التي رافقت التصعيد الدبلوماسي على الدوحة، في شقها الإعلامي، محاولة واضحة لتكميم الأفواه المساندة للثورات

ولا يختلف أي من المتابعين للقنوات الإخبارية العربية حول ما قدمته قناة "الجزيرة" من تغطية متميزة على كافة المستويات، ودعمها لنشطاء الربيع العربي، أو تغطيتها للأخبار القادمة منها، مع استضافتها للمحليين العرب والغربيين من أجل التعليق على أهم الأحداث العالمية بطريقة مهنية في استضافتها لجميع الأطراف عبر منابرها حتى توصل للمتابع جميع الآراء، وهذه ميزة قل أن تجدها في المؤسسات الإعلامية العربية.

لذا كانت المطالب التي رافقت التصعيد الدبلوماسي على الدوحة، في شقها الإعلامي، محاولة واضحة لتكميم الأفواه بعد ما قدمته وسائل الإعلام المُطالب بإغلاقها من مستوى عال في المهنية عند نقلها للأخبار، عكس مختلف وسائل الإعلام التي حاولت تضليل الرأي العام في أكثر من مرة، وليس خافيًا على أحد حجم التضليل الذي ساقته وسائل إعلام بمستوى شبكة "سكاي نيوز" العربية أثناء تغطيتها لحادثة الانقلاب الفاشل في تركيا منتصف تموز/ يوليو الفائت، وثبت أن للإمارات يدًا فيها بمشاركة مستشار ولي عهد إمارة أبوظبي محمد دحلان، والذي يلعب دور المدافع عن الديكتاتوريات العربية.

بهذا الكم الهائل من الادعاءات التي صاغتها دول السعودية والإمارات والبحرين، ومعها مصر بقيادة السيسي، ظهرت كما لو أنها تقلد قرارات دونالد ترامب في مهاجمته لوسائل الإعلام التي تنتقد سياسته في البيت البيضاوي، وعلى الأغلب لن تكون هذه الحملة الأخيرة لأن صمود الدوحة شكل صدمة كبيرة لتلك الدول بعد أن ظنت أنه يمكنها فرض شروطها على دولة قطر، لكن على ما يبدو أن الأزمة المفتعلة انتهت بهزيمة لمحور الدول المضادة لثورات الربيع العربي، ومن بينها بقاء المنابر الإعلامية والبحثية في ميدان الثقافة العربية دون أن تتأثر بها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف كشفت مواقع التواصل تزييف العربية وسكاي نيوز.. القصة الكاملة

العربية وسكاي نيوز.. فضيحة إعلامية غير مسبوقة