ما وراء التعذيب

ما وراء التعذيب

أحد سجون التعذيب بألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية (Getty)

في حين ركّزت دراسات نفسية كثيرة على ضحايا التعذيب والآثار السلبية المختلفة التي يتعرضون لها، تجيء الدراسة الهامة والجريئة للباحثة والطبيبة النفسية بسمة عبد العزيز "ما وراء التعذيب: الجوانب النفسية والسياسية" لتزيل الكثير من الغموض عن شخصية القائمين بالتعذيب والآليات النفسية التي يستخدمونها من أجل تبرير أفعالهم وتحصين أنفسهم من الشعور بالذنب، ورغم مرور حوالي عشرة أعوام على صدور الدراسة إلا أنها تبقى مهمة ونادرة في مقاربتها للمشكلة المزمنة التي تدمنها السلطة المصرية، وبالطبع لا تزال صالحة للقراءة والإفادة.

في البداية تشير الباحثة إلى أن البشر وإن كانوا يشتركون مع معظم الكائنات الحيّة الأخرى في عديد من السلوكيات الأولية والغريزية كالبحث عن الطعام والشراب، فإنهم يتفرّدون عن سائر الكائنات الأخرى في لجوئهم إلى ممارسة التعذيب.

البشر وإن اشتركوا مع معظم الكائنات الحيّة في العديد من السلوكيات الأولية والغريزية، فإنهم يتفردون عنهم في لجوئهم لممارسة التعذيب

وعن المحركات التي تجعل القائمين على التعذيب يقومون بذلك، تقول عبد العزيز إنه ربما تكون الطاعة العمياء للرؤساء الأعلى مرتبة محركًا أساسيًا لدى هؤلاء الذين يتلقون الأمر بتعذيب الضحية، ويقومون بتنفيذه مباشرة بأنفسهم أو بأيديهم، حيث يمثّلون الفئة الأقل شأنًا في منظومة التعذيب، والتي تعاني من فقر الموارد المادية والظروف المعيشية السيئة، وتملك احتياجًا للتنفيس عن القهر، والإحباطات المستمرة.

اقرأ/ي أيضًا: ليست مجرد ناطحات سحاب لامعة.. إنها إمارات الظلام

لكن الأمر يختلف بالنسبة لهؤلاء الذين يصدرون الأوامر ويكتفون بالمتابعة، وإن كان يجمع بين المضطلعين بالتعذيب جميعًا -كأعضاء في منظومة وليس كأفراد- أنهم يمثلون جزءًا من نظام منهجي شامل، يحمل قيمًا موحّدة، أهمها استباحة حقوق المواطنين في سبيل البقاء في موقع النفوذ، وهم كأفراد يتميزون بكونهم أدوات طيّعة تدين بالولاء التام للنظام، الذي يمدّهم بالقوة دون أدنى مساءلة أو اعتراض.

وتفرد الباحثة جزءًا من الدراسة لتوضيح الآليات الدفاعية التي يستخدمها القائمون بالتعذيب للتقليل من معاناتهم وإحساسهم بالذنب. حيث يحاولون تكييف ممارسة التعذيب لجعلها عملًا صائبًا لا يقبل التشكيك. وفي هذا الصدد قد يلجؤون إلى إنكار العمل ذاته، أو إنكار المسؤولية عنه، أو تجريد الضحية من صفتها الإنسانية.

وبالإضافة إلى الأسس العرقية أو الطبقية التي قد يستخدمها القائمون على التعذيب لتسويغ أفعالهم، تشير الباحثة إلى أن هناك أسسًا أخرى أكثر شمولًا وتبسيطًا، تأتي من خلال تقسيم الأفراد في خانتي "معنا" و"علينا" حيث من الممكن أن تتسع هذه الـ"علينا" لتشمل أي مجموعة لها منهجيات خاصة أو مختلفة، ولا تدين بالولاء الواضح والصريح للنظام.

وفي أحد الأجزاء المهمة والمثيرة من الدراسة، تقرّبنا الباحثة أكثر من صورة القائمين بالتعذيب، مشيرة إلى أنهم -وعلى عكس الشائع تمامًا- لا يبدون في الغالب كوحوش مخيفة وإنما أشخاص عاديون يصعب تمييزهم عن غيرهم. ليسوا بالضرورة سعداء أو تعساء منقادين أو متسلّطين، وليسوا كذلك منطوين أو منبسطين.

بالإضافة للأسس العرقية والطبقية التي يستخدمها المعذبون، فهناك أسس تأتي من خلال تقسيم الأفراد في خانتي "معنا" و"علينا"

وفي محاولة لتفسير هذا التمايز الملحوظ بين الشكل "الطبيعي" الذي يظهر عليه الشخص الضالع في التعذيب، وبين تصرفه البشع والإجرامي تجاه الضحية، تعرض الكاتبة لفكرة انبثاق ذات أخرى مستقلة عن شخصية القائم بالتعذيب، حيث تعمل هذه الذات على تمكينه من التعاطي مع التناقض الرهيب بين سلوكه ومظهره أثناء عملية التعذيب، وسلوكه ومظهره في مختلف جوانب الحياة العادية.

وتكشف في النهاية عن وجود تقنيات معينة للتدريب على التعذيب، تبدأ بأشياء من قبيل القيام بطقوس بدنية خاصة شديد العنف، والإقلال من الحساسية تجاه التعذيب، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة محو الحساسية المنظّم الذي يتم بتعرّض المتدربين تدريجيًا للتعامل مع المحتجزين، وجعلهم يشاهدون آخرين وهم يقومون بالتعذيب. وفي كل هذه الخطوات فإن الحطّ والتحقير من شأن الضحية يصبح جزءًا ثابتًا، لا يخضع لتغيير.

وتلفت الباحثة في نهاية كتابها إلى رد فعل المجتمع على حالات التعذيب التي يتم الإعلان عنها أو نشرها، إذ عادة ما تقابل هذه الحالات باللامبالاة، أو بتجريم الضحية، في حالة استمرار معاناتها وإهانتها وانتهاكها دون أن تملك ظهيرًا تحتمي به أو يدافع عنها.. هنا يصبح التعذيب في ذهن الجمهور العادي جزاءً مناسبًا لما ارتكبته الضحية من جرائم مزعومة.

تبدو العودة إلى كتاب بسمة عبد العزيز ضرورية في هذه الفترة التي تشهد استكمال وزارة الداخلية المصرية نهجها الانتهاكي بحق المواطنين الأبرياء، على نحو يبدو أنه إطلاق ليد الداخلية للتنكيل بالمواطنين بممارسات خارج إطار القانون تتضمن التعذيب والاختفاء القسري وغيرها من الإجراءات التعسفية والانتهاكات المُمنهجة للحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، الأمر الذي أفضى مؤخرًا إلى تكرار حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز. وقد وثّقت المراكز الحقوقية على مدى سنوات ماضية عددًا كبيرًا من حالات التعذيب تمت في أقسام الشرطة، وتتشابه في كثير من وقائعها مع الحالة الأخيرة للمواطن مجدي مكين، إذ يُلقى القبض على شخص أو مجموعة من الأشخاص بسبب بلاغ سرقة أو على سبيل الاشتباه في ارتكاب جريمة معينة.

وفي معظم الأحيان يتم ذلك بطريقة تعسفية تتضمن أحيانًا تراشقًا لفظيًّا أو اشتباكًا بالأيدي يتم على إثره اصطحاب الشخص إلى القسم، حيث يتعرض للضرب في أثناء التحقيق، الأمر الذي ربما ينتهي في بعض الحالات إلى خروج المشتبه بهم جثثًا هامدة من غرفة التحقيق، أو على أجسادهم آثار الضرب والإهانة والتحرش الجنسي أحيانًا.

استمرار الممارسات الإجرامية للشرطة المصرية يؤكد وصولنا لحالة من الإجرام المتباهي لا يخشى معها المحاسبة لعلمه بأنه لا أحد سيحاسبه

ولا شك أن الأرقام الحقيقية لضحايا التعذيب تتجاوز تلك التي نجحت في توثيقها المنظمات والمراكز الحقوقية، أو التي نُشرت في الصحف ووسائل الإعلام، فضلًا على حالات أخرى رفض أصحابها رواية تفاصيلها، خشية انتقام ضباط الأقسام أو السجون، أو ربما لأنهم فقدوا أي ثقة في منظومة العدالة المصرية، بعد أن شهدت معظم الحوادث السابقة إفلات مرتكبيها من العقاب بمساعدة تواطؤ الحكومة وإصرار وزارة الداخلية على اعتبارها حالات فردية.

ولا شك أيضًا في أن استمرار الممارسات الإجرامية للشرطة المصرية يؤكد وصولنا إلى حالة من الإجرام المتباهي بنفسه، إجرام لا يخشى المحاسبة لعلمه بأنه لا أحد سيحاسبه، وفي أسوأ السيناريوهات سيتم نقل الشرطي المُدان إلى مكان آخر بالوزارة.

المتابع لتطورات قضية مجدي مكين سيلاحظ استمرار نهج الداخلية في التستّر على جرائم أفرادها، ونفس الاستهتار بالعقول بنفي الواقعة وإدمان الكذب، ونفس العقلية المجرمة التي لا ترى مانعًا في تعذيب مواطن أو متهم للحصول على الاعتراف المناسب.

خلاصة الأمر أننا أمام نظام غاشم لا يُقيم وزنًا للقانون، ثم يخرج على الناس بكل صفاقة ليطالبهم باحترام هذا القانون، وربما يقتلهم في نهاية الأمر لأنهم لم يلتزموا بهذا القانون. إنها عقلية الجلّاد المُغيّب في عالم يستحلّ فيه دم المعارضين ولا يرضى بديلًا عن الانبطاح التام أمام جبروته الذي لا يبدو له نهاية قريبة.

اقرأ/ي أيضًا:
شهادات ضحايا الانتهاكات بتونس.. قصص الألم والعبر
القتل على الطريقة المصرية