ما هي الهاوية؟

ما هي الهاوية؟

عبد الله مراد/ سوريا

ما هي الهاوية؟ سأحاول أن أشرحها هنا في بضعة أسطر. في سرعة مذهلة ومفزعة في آن واحد تتحول وتنقلب الأمور في نفس الإنسان، يفقد فيها المرء السيطرة على ذاته. غرق مرعب في اليأس، وذلك الكيان البشري الواحد والمتكامل يتحول إلى فردين؛ فرد يائس، وفرد آخر سابق على مرحلة اليأس، الفرد الأخير يصبح شاهدًا على الفرد الأول وحالة يأسه. وفي العادة، يتمكن الأخير من السيطرة على الأمور ويتغلب على التغيير المفاجئ الذي أصاب الكيان الأولي، ولكن تخيلوا ما الذي يحدث إذا تحوّل هذا الفرد إلى مجرد مراقب سلبي: هذه هي الهاوية.

الفرد اليائس يمثل للآخر العقلاني كل ما يطمح إليه ويقمعه في آن واحد

وكي أوضح الأمور أكثر، سأتحدّث قليلاً عن هذين الفردين الذين أفرزهما الكيان الأصلي، وعن الصراع الدائم بينهما في النفس البشرية. يبدو الفرد اليائس ككيان مستقل، لا يتوقف عن التردد على الكيان الأصلي، ولا يبدو أنه يعنيه أي شيء مما سلف، وحتى الظروف التي قادت إلى ظهوره مجدداً لا تثير انتباهه، بل إنه جاحد لكل شيء محيط به أو سابق لوجوده. هو فرد قاسٍ، كليّ، عنيف. لا يمكننا الجزم أبدًا إن هو قد زال يومًا عن الكيان الأصلي بعد كل هزيمة لحقت به، بل إن ظهوره المتكرر يجعلنا نتيقن من وجوده الدائم في الكيان الأب، ولكنه يكون في معظم الأوقات في حالة كمون.

هو مثل الابن الجاحد لفضل والده، والده الذي لم يطرده يومًا ولكنه أيضًا لم يتوقف عن قمعه وإذلاله. في الحقيقة، وليس تبريرًا لممارسات الأب، فإنه لا توجد صيغة جاهزة أو ممكنة للقضاء عليه، فهو جزء أصيل وحقيقي من كياننا البشري. وإننا منتجون له وخاضعون لتأثيره. لا، لا يمكن القول إن الظروف الخارجية هي التي تصنعه، بل هي المحفّز إلى ظهوره وانقضاضه على الكيان الموجود. والظروف الخارجية ليست إلا من صنيعتنا، وهذا الفرد جزء من كياننا، الأمر الذي يقودنا إلى التساؤل إن لم يكن هذا الفرد مسؤول إلى حدّ ما عن إنتاج هذه الظروف؟ كل ما أريد الإقرار به هنا هو العلاقة الجدلية بين الخارج والداخل، هذا كل ما في الأمر.

الآن، فعلى الرغم من التعاطف الذي قد يثيره هذا الفرد، الغارق في يأسه، الملعون دائمًا، القاسي، المحروم من كل عاطفة؛ إلا أنّ عواطفي تميل أحيانًا إلى الفرد الآخر، الشاهد على التحول. هو الابن الأكبر والمفضل لدى والده، وهو الوحيد القادر على تحمّل مسؤولياته، لكنه يبقى ساخطًا، ولو بصمت، على والده لإبقائه على الابن الآخر. هو يعرف جيدًا أنه عندما يحضر الفرد اليائس فإن الجميع ينظر إليه كهاملت، بينما هو يبقى مجرد هوراشيو.

ما الفرق بين هاملت وهوراشيو؟ هاملت هو الطاغي والبطل الرئيسي في كل حدث، هو العاطفي والشهواني والمجنون، بينما هوراشيو هو الصديق والمرافق والعقلاني... عند حضور الأول يتحول الثاني إلى شخص هامشي.

من هذه الهاوية يُصنع العالم، وفي هذه الهاوية يقتل الإنسان نفسه أو غيره

ومع ذلك، لا تخلو نظرة هوراشيو إلى هاملت من فتنة، فالفرد اليائس يمثل للآخر العقلاني كل ما يطمح إليه ويقمعه في آن واحد. هو يتمنى لو يكون هاملت، وإلا فسيبقى دائمًا عاديًا ومبتذلًا، وهو يبذل كل ما بوسعه كي يبقى عاديًا ومبتذلًا، لماذا؟ ربما كان الخوف هو ما يمنعه. الخوف من نفسه وقدراته، الخوف من جبروته، أو ربما الخوف من انكشاف ضعفه أو عجزه، ربما. لذلك، تفتنه دائماً رؤية الأول حاضرًا وطاغيًا، هو شعور خفيّ، لا يطفو على السطح إلا لوقت قصير وغير مرئي.

هو يعرف أنه لو طغى مثله وتجبّر واستسلم لأنانيته، فإنه قد يملك ذاته والوجود للحظة، هذه اللحظة النادرة الحقيقية هو ما يسعى إليه الفرد اليائس. لكن هذه اللحظة قد لا تقود إلا إلى الموت، ومن الموت يخاف الابن الأكبر. هو يقبل أن يكون مجرد شاهد على الوجود، وشاهد على هاملت، على أن يخسر وجوده العادي والمبتذل.

ربما أنتم تتساءلون الآن عن السبب الذي يدفعني إلى ذكر الهاوية وتفاصيل هذا الصراع؛ باختصار، لأنه من هذه الهاوية يُصنع العالم، وفي هذه الهاوية يقتل الإنسان نفسه أو يقتل غيره، وعلى حافة هذه الهاوية ينجز الفنان عمله.