ما هي العلاقة بين تعدين الذهب والإعاقات عند أطفال الأمازون؟
2 نوفمبر 2025
في قلب غابات الأمازون، حيث كانت الأنهار منذ قرون مصدرًا للحياة والغذاء، تتكشف مأساة صحية وإنسانية تهدد مستقبل أجيال كاملة. فبينما يستعد العالم لقمة المناخ COP30 التي ستُعقد في ولاية بارا البرازيلية، تكشف دراسة علمية غير منشورة، عرضتها وكالة "رويترز"، عن أدلة متزايدة تربط بين التلوث بالزئبق الناتج عن التعدين غير القانوني للذهب وبين إعاقات عصبية خطيرة لدى الأطفال، أبرزهم الطفلة راني كيتلين التي لم تستطع رفع رأسها منذ ولادتها.
رحلة البحث عن الحقيقة
في قرية ساي سينزا البرازيلية، إحدى مجتمعات شعب الموندوروكو، تعيش عائلة راني كيتلين مأساة يومية. الطفلة التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات تعاني من تشنجات عضلية حادة وعجز كامل عن التحكم برأسها. لم تكشف الفحوصات الوراثية عن أي خلل موروث، ما دفع العلماء إلى النظر في العامل البيئي، والذي يتمثل بالزئبق الذي يستخدمه المنقبون عن الذهب في فصل المعدن عن الرواسب، ثم يُلقى في الأنهار دون رقابة.
الأنهار التي كانت مصدر الحياة في الأمازون تحوّلت إلى ناقل للزئبق السام، نتيجة التعدين غير القانوني للذهب
النتائج الأولية للدراسة التي يقودها الباحث باولو باستا من معهد فيوكروز تشير إلى أن مستويات الزئبق لدى الأمهات في ساي سينزا تفوق الحد الآمن بخمسة أضعاف، ولدى الأطفال بثلاثة أضعاف. هذه الأرقام لا تمثل فقط خطرًا صحيًا، بل تطرح سؤالًا أخلاقيًا: من المسؤول عن هذه الكارثة الصامتة؟
السمك هو الغذاء الأساسي في هذه المجتمعات، لكنه بات ملوثًا بالزئبق. رئيس القبيلة زيلدومار، وهو أيضًا ممرض، يواجه معضلة وجودية: "إذا اتبعنا تعليمات الصحة العامة وتوقفنا عن أكل السمك، سنموت جوعًا". هذه العبارة تلخص التناقض بين البقاء البيولوجي والبقاء الأخلاقي، بين توصيات الدولة وواقع المجتمعات التي تعيش على هامشها.
اقتصاد الظل الذي يقتل بصمت
التعدين غير القانوني للذهب في الأمازون ليس ظاهرة جديدة، لكنه تفاقم في السنوات الأخيرة بسبب ارتفاع أسعار الذهب عالميًا. هذا النشاط يجذب آلاف العمال، ويغذي شبكات تهريب، ويترك وراءه تلوثًا لا يُمحى بسهولة. ورغم أن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا طرد آلاف المنقبين من أراضي السكان الأصليين منذ عودته إلى الحكم عام 2023، فإن الزئبق الذي خلفوه وراءهم لا يتحلل، بل يستمر في الدوران بين الهواء والماء والتربة لعقود، كما يؤكد الباحثون.
قمة COP30 التي ستُعقد في قلب الأمازون تحمل رمزية كبيرة، فالعالم يناقش مستقبل الغابات المطيرة بينما أطفال الأمازون يُولدون بإعاقات بسبب تلوث لم يختاروه. هل ستكون هذه القمة منصة لكشف هذه المأساة؟ أم ستُدفن تحت شعارات التنمية المستدامة؟
جريمة التي لا تترك أثرًا
إثبات العلاقة السببية بين الزئبق والإعاقات العصبية ليس أمرًا بسيطًا. فالفحوصات التي تكشف وجود الزئبق في الجسم تعكس النظام الغذائي الحديث، ولا تثبت التلوث السابق. كما أن عوامل أخرى مثل الأمراض المعدية وزواج الأقارب قد تكون مساهمة في هذه الحالات. "إنها جريمة مثالية، لأنها لا تترك أثرًا"، يقول عالم الوراثة فرناندو كوك.
الممرضة كليدياني كارفالو، التي بدأت منذ سنوات في ربط الباحثين بالأطفال المرضى، تقول: "إذا لم نبحث عن هذا المرض، فلن نجده. وإذا لم نجد الدراسات، فستُدفن هذه الأزمة إلى الأبد". كلماتها تعكس مقاومة الصمت، وإصرارًا على كشف الحقيقة مهما كانت معقدة.
بحسب بيانات جمعها فريق فيوكروز، هناك 546 حالة مسجلة حتى آذار/مارس 2025، معظمها في أراضي الموندوروكو واليانومامي والكايابو. لكن الباحثين يؤكدون أن هذه الأرقام لا تمثل سوى "رأس جبل الجليد". فعدد السكان في هذه المناطق يقدر بعشرات الآلاف، ما يعني أن الأزمة قد تكون أوسع بكثير مما تظهره الإحصاءات.