ما هي أسباب القلق المتصاعد من تأثير روبوتات الدردشة على الديمقراطية؟
7 ديسمبر 2025
كشفت دراسات علمية حديثة أن روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على التأثير في توجهات الناخبين السياسيّة، بدرجة تفوق أساليب الدعاية الانتخابية التقليدية، ما يثير مخاوف واسعة بشأن نزاهة العمليات الديمقراطية في العديد من الدول.
ووفق دراسة نُشرت في مجلة "نيتشر" العلمية، فإن محادثات قصيرة مع روبوتات دردشة قادرة على تغيير تفضيلات ناخبين حقيقيين في الانتخابات، بنسبة وصلت إلى 15 نقطة مئوية. كما أظهرت دراسة موازية في مجلة "ساينس" أن سر هذه القدرة الإقناعية يعود إلى أسلوب عرض المعلومات بطريقة حوارية وتراكميّة، ما يجعل الرسائل السياسية أكثر تأثيرًا من الإعلانات المعتادة.
وقال الباحث ديفيد راند من جامعة كورنيل إن قوة هذه الروبوتات "مذهلة"، خصوصًا أنها تُستخدم يوميًا من قبل أكثر من 100 مليون شخص حول العالم، مؤكدًا أن تأثيرها بات ملموسًا في تشكيل الرأي العام.
لم تعد روبوتات الدردشة مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت لاعبًا مؤثرًا في تشكيل الوعي السياسي، ما يفتح الباب أمام تحديات غير مسبوقة للديمقراطية في عصر الذكاء الاصطناعي
تجارب واقعية على ناخبين في ثلاث دول
أُجريت التجارب على نحو 6000 مشارك من الولايات المتحدة وكندا وبولندا، حيث طُلب من المشاركين تقييم تفضيلاتهم لمرشحين سياسيين على مقياس من 0 إلى 100، ثم خاضوا محادثات مباشرة مع روبوتات صُممت خصيصًا لدعم مرشحين محددين.
في الولايات المتحدة، شارك أكثر من 2300 شخص قبل انتخابات 2024 التي جمعت بين الرئيس دونالد ترامب ونائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، وسُجّل تحوّل في التفضيلات السياسية بمعدل يتراوح بين نقطتين إلى أربع نقاط نحو المرشح الذي دعمه الروبوت.
أما في كندا وبولندا، فقد كان التأثير أشد وضوحًا، إذ تغيّرت ميول المشاركين بمتوسط 10 نقاط كاملة بعد محادثاتهم مع الروبوتات، وهو ما وصفه الباحثون بأنه "غير مسبوق" مقارنة بوسائل التأثير التقليدية.
لماذا كانت الروبوتات أكثر إقناعًا؟
أشارت الدراستان إلى أن الروبوتات لم تعتمد على العاطفة أو السرد القصصي، بل على إغراق المستخدم بسيل من المعلومات. وكلما زادت كمية المعلومات، زادت قدرة الإقناع، ولكن على حساب الدقّة، حيث تزايدت نسبة المعلومات الخاطئة.
وحذّرت ليزا أرجيل من جامعة بوردو من أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى "أداة خطيرة جدًا"، معتبرة أن الخطر يكمن في تحويل المستخدمين من أشخاص أكثر اطلاعًا إلى أفراد أكثر عرضة للتضليل.
محتوى السياسات أقوى من الخطاب الشخصي
أظهرت النتائج أن الروبوتات التي ركزت على البرامج والسياسات السياسية كانت أكثر تأثيرًا من تلك التي ركزت على الشخصيات والصفات الفردية للمرشحين. كما أن تقديم الأدلة والحقائق عزّز من قوة الإقناع بشكل كبير.
في التجربة البولندية، وعند منع الروبوت من استخدام "الحقائق"، انهارت قدرته الإقناعية بنسبة 78%، ما يبرز الدور الحاسم للمعلومات، سواء الصحيحة أو المضللة، في التأثير على مواقف الناخبين.
وكشفت التجارب أيضًا أن الروبوتات التي دعمت مرشحين من التيارات اليمينية قدمت ادعاءات غير دقيقة بشكل أكبر مقارنة بتلك التي دعمت مرشحين من التيارات اليسارية، وهو ما يفسره الباحثون باعتماد النماذج على محتوى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي كمصادر رئيسية للمعلومات.
وأوضح ديفيد راند أن النماذج "تتعلم من الإنترنت"، حيث تُظهر الدراسات أن المستخدمين اليمينيين على وسائل التواصل يميلون لمشاركة معلومات مضللة أكثر من غيرهم.
الحقيقة والكذب لهما التأثير نفسه
وفي دراسة موسعة شملت نحو 77 ألف مشارك في المملكة المتحدة، تبيّن أن المستخدمين تأثروا بالمعلومات الصحيحة والخاطئة على حد سواء.
وركّزت هذه التجربة على أكثر من 700 قضية سياسية مثل الإجهاض والهجرة بدلًا من أسماء المرشحين. وبعد محادثات مع الروبوتات، تغيّرت مواقف المشاركين بمعدل 5 إلى 10 نقاط، بينما لم تُسجل أي تغييرات تُذكر لدى مجموعات المقارنة التي لم تتفاعل مع الذكاء الاصطناعي. الأخطر أن أكثر من ثلث هذه التغييرات استمرّت حتى بعد مرور شهر كامل من انتهاء التجربة.
أسلوب الحوار هو العامل الحاسم
لم يكن نوع نموذج الذكاء الاصطناعي هو العامل الأهم في التأثير، بل طبيعة التفاعل. فقد تبيّن أن المحادثة التفاعلية ثنائية الاتجاه كانت أكثر إقناعًا بمرتين تقريبًا مقارنة بالرسائل ذات الاتجاه الواحد.
وعلى عكس المخاوف السابقة، لم تُظهر ميزة "تخصيص الرسائل حسب الفئة الديموغرافية" تأثيرًا كبيرًا، بل كان العامل الأهم هو طريقة تدريب النماذج والأوامر التي تتلقاها.
وخلص الباحثون إلى ضرورة تحرّك صُنّاع القرار ومطوري تقنيات الذكاء الاصطناعي لضبط كيفية تدريب هذه النماذج، ومنع استخدامها كأداة للتلاعب السياسي على حساب النزاهة المعلوماتية.
ويحذر ديفيد راند قائلًا: "عندما تتفاعل مع روبوتات الدردشة، فهي تنفذ ما طُلب منها بالضبط. لا يمكن افتراض أنها تعمل وفق نوايا حسنة دائمًا، بل يجب التساؤل عن دوافع من صمّمها والأجندة التي طُلِب منها تمثيلها".
وتؤكد هذه الدراسات أن روبوتات الدردشة لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت لاعبًا مؤثرًا في تشكيل الوعي السياسي، ما يفتح الباب أمام تحديات غير مسبوقة للديمقراطية في عصر الذكاء الاصطناعي.







