ما هي أبرز ملامح تغير موقف الشارع الأميركي من دعم إسرائيل؟
22 يوليو 2025
يلاحظ المتابعون لاتجاهات الرأي العام في الولايات المتحدة الأميركية بروز ديناميكية جديدة في المواقف تجاه إسرائيل، تتجه بشكل متزايد نحو انتقادها والدعوة إلى إعادة ترتيب العلاقات الأميركية الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بمستوى الدعم الممنوح لها، لا سيما خلال حروبها في المنطقة وممارساتها بحق الفلسطينيين. وقد شكّلت حرب الإبادة في غزة دافعًا أساسيًا لتسارع هذه الديناميكية وتصاعد الحساسية تجاه الدعم الأميركي غير المشروط لدولة الاحتلال.
ويُلاحظ أن هذا التحول في المزاج العام الأميركي لا يقتصر على الحزب الديمقراطي وقاعدته، بل امتد إلى الحزب الجمهوري، وحتى إلى أوساط من اليهود الأميركيين، ووجد صداه أيضًا داخل حركة "ماغا" اليمينية المتطرفة التي يقودها الرئيس دونالد ترامب.
استطلاعات الرأي تبين الانزياح
أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز "بيو" الأميركي حدوث تغيّر ملحوظ في مواقف الأميركيين تجاه إسرائيل، إذ كشف أن نحو 53% من البالغين في الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إلى إسرائيل بشكل إيجابي، مرجعًا هذا التحول أساسًا إلى سلوك إسرائيل العسكري في قطاع غزة، وسياستها الإقليمية عمومًا. وتُظهر بيانات المركز أن هذه النسبة ارتفعت من 42% قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ويبدو هذا الانحسار في التعاطف مع إسرائيل أوضح في صفوف القاعدة الشعبية للحزب الديمقراطي، حيث بلغت نسبة من لا يحملون مواقف إيجابية تجاه إسرائيل 69%، مقابل 37% فقط في صفوف الجمهوريين.
النظرة الإيجابية لإسرائيل تراجعت في أوساط الحزبين الديمقراطي والجمهوري
لا يقتصر تراجع النظرة الإيجابية إلى إسرائيل على استطلاع مركز "بيو"، إذ أكد "مجلس شيكاغو للشؤون الدولية" أيضًا أن دعم إسرائيل تراجع داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وأشار إلى أن هذا التراجع بلغ، في صفوف الديمقراطيين، أدنى مستوياته منذ بدء المركز بإجراء استطلاعاته في ثمانينيات القرن الماضي.
هل ينعكس هذا التحول الشعبي على التمثيل السياسي؟
يرى مارك بوكيز، مدير الاتصال في منظمة "العدالة لليهود في نورث كارولاينا"، أن انتقاد إسرائيل لم يعد من المحرمات في الأوساط السياسية الأميركية، بما يشمل الجاليات اليهودية. وقال بوكيز: "الرواية المؤيدة لإسرائيل التي لطالما تبناها الحزب الديمقراطي تشهد تغيرًا جوهريًا، لصالح خطاب أكثر حساسية وانتقادًا لإسرائيل".
جاء تعليق بوكيز بعد قرار لافت اتخذه الحزب الديمقراطي في ولاية نورث كارولاينا نهاية حزيران/يونيو، يقضي بـ"فرض حظر فوري على كل المساعدات العسكرية والدعم اللوجستي لإسرائيل، واستمراره حتى تؤكد منظمة العفو الدولية أن إسرائيل لم تعد تطبق نظام الفصل العنصري".
وقد أُقرّ القرار بأغلبية 161 صوتًا مقابل 151، ما يعكس تنامي نفوذ التيار التقدمي داخل الحزب، وهو التيار الذي يدعو لوقف الحروب، وضمان التعليم والصحة المجانية، ويعارض سياسات السوق النيوليبرالية.
في المقابل، لا يزال التيار التقليدي داخل الحزب، الذي يقوده كبار السن، يصرّ على التحالف الوثيق مع إسرائيل، مع التركيز على مواجهة الصين وروسيا، والدفاع عن القطاع الخاص.
وقد أثار القرار ردود فعل غاضبة من داعمي إسرائيل، حيث وصف النائب الديمقراطي ويلي نيكل القرار بأنه "متطرف"، مضيفًا: "قطع الأسلحة عن إسرائيل سيكون بمثابة حكم بالإعدام على آلاف الأشخاص".
وسارع الجمهوريون لاستغلال هذا الانقسام، وصرّح المتحدث باسم الحزب الجمهوري في نورث كارولاينا، مات ميرسر، بالقول: "اليسار المتطرف يواصل تبني سياسات مضللة ومعادية لإسرائيل وأميركا".
وفي ولاية ويسكنسن، اتخذ الديمقراطيون قرارًا مماثلًا بتقييد تصدير الأسلحة الهجومية لإسرائيل، وربطها باحترام القانون الدولي، ومرّر بأغلبية كبيرة بلغت 236 صوتًا مقابل 30. كما سبق أن أقر الحزب في 2024 قرارًا يدعو لوقف الدعم العسكري لإسرائيل حتى توافق على وقف إطلاق النار في غزة.
أما على مستوى الترشيحات الداخلية، فقد شكّل فوز المعارض الشرس لسياسات إسرائيل، زهران ممداني، بالسباق التمهيدي داخل الحزب الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك صدمة كبيرة للأوساط المؤيدة لإسرائيل. ويُعد هذا الفوز مؤشرًا على قوة التيار المناهض لإسرائيل داخل الحزب، لكنه أيضًا يسلّط الضوء على حجم الانقسام داخله، لا سيما بعد خسارة كامالا هاريس الانتخابات الرئاسية الأخيرة أمام دونالد ترامب.
وقد صرّح ممداني بأنه لن يتردد في اعتقال بنيامين نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب في حال زار نيويورك أثناء ولايته.
التحول يمتد إلى "ماغا"
بعد الضربة الأميركية للمفاعلات النووية الإيرانية في حزيران/يونيو 2025، ظهرت أصوات داخل حركة "ماغا" التي يتزعمها ترامب تدعو إلى إعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل ورفض الزج بالولايات المتحدة في حروب لا مصلحة لها فيها.
ومن أبرز هذه الأصوات الإعلامي تاكر كارلسون، الذي انتقد مساعي نتنياهو لدفع واشنطن نحو مواجهة عسكرية مع إيران، قائلًا: "كفى انجرارًا وراء إسرائيل". كما صرّح ستيف بانون، أحد أبرز منظّري "ماغا"، لمجلة نيوزويك:"لقد جرّونا إلى حرب كانوا يعلمون أنهم لا يستطيعون الانتصار فيها. علينا أن نعيد ضبط العلاقة. لا يوجد تحالف بيننا وبينهم، كما هو الحال مع أوكرانيا. يجب أن نتوقف عن اعتبارهم حلفاء، فهم ليسوا كذلك".






