ما مصير العمالة الأجنبية في لبنان في ظل كارثته الاقتصادية؟

ما مصير العمالة الأجنبية في لبنان في ظل كارثته الاقتصادية؟

عاملتان أجنبيتان في لبنان تسيران حيوان رب عملهن الأليف في أحد شوارع بيروت (باتريك باز/ا.ف.ب/Getty)

طفت في الأسابيع الأخيرة إلى سطح المشكلات الكبيرة التي يعاني منها لبنان على المستويات كافة، أزمة العمال الأجانب  الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين مطرقة الكورونا التي أدّت إلى إقفال البلاد وتوقّف عدد الكثير من الأعمال فبات عدد كبير منهم بلا عمل بانتظار القادم المجهول، وبين سندان ارتفاع سعر صرف الدّولار مقابل اللّيرة اللّبنانيّة بشكل جنونيّ، ما جعل آلاف الشّركات وأرباب العمل غير قادرين على دفع مستحقّات العمال الأجانب في لبنان.

سجل ألترا صوت شهادات لعدد من العاملات الأجنبيات في لبنان أثبتت عدم تلقيهن أجورهن، مع غيرهن، لأكثر من 4 شهور على التوالي حتى لحظة إعداد هذا التقرير

ومع تفاقم أزمة صرف الليرة اللبنانية في الأسابيع الأخيرة، وفي ظل شحّ الدولار في السوق، تعذّر على أرباب العمل تأمين رواتب العمال المتّفق عليها بالدولار الأمريكي، وقام عدد كبير بدفع رواتب العمال بالليرة اللبنانية بحسب سعر الصرف الرسمي، ما أدّى إلى  خسارة العمال لأكثر من 65 % من قيمة رواتبهم الأصلية، فيما وجد القسم الآخر منهم بدون رواتب لعدة أشهر، فاستنفذوا كل مدّخراتهم المالية، ووجدوا أنفسهم مسجونين داخل لبنان في ظل إقفال المطار، مع عدم قيام سفارات بلادهم بإجراءات جدّية لمساعدتهم.

اقرأ/ي أيضًا: القطاع العام في لبنان.. فشل بطعم طائفي

وظهرت أول نتائج الأزمة بين العمال وأرباب العمل قبل أيّام في بيروت، حيث تجمّع أكثر من مئة عامل أجنبيّ يعملون في مجال جمع النّفايات في بيروت وجبل لبنان لصالح شركة رامكو أمام مقر الشّركة، مطالبين بالحصول على رواتبهم بالدّولار الأمريكيّ كما تنصّ عقودهم، أو باللّيرة اللّبنانيّة بحسب سعر السّوق ( 420 ألف ليرة تقريبًا لكلّ مئة دولار ) وليس السّعر الرّسميّ الّذي يضعه مصرف لبنان ( 151 ألف ليرة لبنانيّة). وقد شهد تحرّك العمّال توتّرًا بينهم وبين أصحاب الشّركة، ما دفع القوى الأمنية اللّبنانيّة إلى التّدخّل والعمل على تفريق المتظاهرين بالقوّة، وهو الأمر الّذي أثار غضب ناشطين لبنانيّين على مواقع التّواصل، فدعوا إلى وقفة احتجاجيّة للتّضامن مع العمّال المهضومة حقوقهم.


مشهد عام ضمنه عاملات أجنبيات في أحد أسواق بيروت الشعبية (أنور عمرو/أ.ف.ب/Getty)

وانتشر مقطع فيديو على مواقع التّواصل الإجتماعيّ، لنوار المولوي زوجة رئيس الوزراء حسّان دياب، تحدّثت فيه عن ضرورة التّخلّص من خدمات العمّال الأجانب  في لبنان، والاستعاضة عنهم بعمال لبنانيّين، داعية إلى تغيير في العقليّة اللّبنانيّة، وتقبّل مزاولة بعض الأعمال الّتي كانت حكرًا على الأجانب، كأعمال التّنظيف، التّدبير المنزليّ، ونواطير البنايات. وقد لاقى كلام المولوي ردودًا متباينة على مواقع التّواصل الإجتماعيّ، فأصبح التّرند رقم واحد على تويتر في السّاعات التّالية.

وللإضاءة على واقع العمالة الأجنبيّة في لبنان في الظّروف الرّاهنة، كان لألترا صوت حديث مع أحد الموظّفين (لبنانيّ، طلب عدم كشف هويّته)  في إحدى الشّركات اللّبنانيّة الّتي تُعنى باستقدام العمال الأجانب من جنوب شرق آسيا. وقد أكّد الموظّف لنا أنّ معظم الشّركات الّتي تعمل في هذا المجال، تختبئ خلف عناوين كاذبة (شركات تنظيف ، شركات نقل بضائع)، ويتركّز عملها بالأساس على استقدام العمّال فتعدهم بفرص عمل في لبنان مع عقود جيّدة، إلّا أنّ أكثر هذه الوعود تكون وهميّة، حيث يصل العامل إلى لبنان، ويجد نفسه بلا عمل لعدّة أشهر. مع الإشارة إلى أن دخول لبنان والإقامة به تكلّفه حوالي 5 آلاف دولار، يذهب القسم الأكبر منها للشّركات الوهميّة الّتي تحقّق أرباحًا خياليًّا من خلال المتاجرة بالعمّال.

اقرأ/ي أيضًا: واقع "الهشك بشك" في لبنان

ينشط في لبنان أكثر من 300 ألف عامل أجنبيّ، غالبيتهم من بنغلادش، يتقاضون رواتب شهريّة تتراوح بين 150 و300 دولار، ويعملون بشكل رئيسيّ في مجالات التّنظيف ونقل البضائع وفي المصانع والمؤسسات التّجاريّة. قبل سنتين رفعت الحكومة اللّبنانيّة رسوم تجديد إقامة العامل بقيمة ضعفين ونصف ما ضاعف الأعباء التي يتكبّدها العامل. يعمل بعض العمّال لمدّة تتراوح بين 12 و16 ساعة، ولا يحصلون على أيّام إجازة أسبوعيّة. لا توجد في لبنان أيّة جمعيات أو منظّمات تعمل على حماية العمّال الأجانب، وبالتّالي فإنّهم يخضعون تمامًا لسلطة رب العمل، ما يجعل الكثير منهم يرزحون تحت ظروف عمل قاسية وغير إنسانيّة أو قانونيّة. 

واستغرب الموظّف في الشّركة، غياب أي مساندة من سفارات الدّول المعنية لمواطنيها من العمّال في لبنان، مع العلم أنّ هؤلاء يساهمون في إدخال ملاييين الدّولارات شهريًّا إلى بلادهم. يقول أحد العمّال أن بلادهم لا تسأل عنهم بتاتًا، بالرّغم من أنّها تحصل على رسم سنويّ منهم. 

ولا يختلف الوضع فيما يخصّ العاملات المنزليّات، الّلواتي يأتي معظمهنّ من إثيوبيا والفيليبين، إذ أصبح عدد كبير من الأسر غير قادرة على دفع رواتب العاملات. 

يخضع العمال الأجانب في لبنان تمامًا لسلطة رب العمل، ما يجعل الكثير منهم يرزحون تحت ظروف عمل قاسية وغير إنسانيّة أو قانونيّة

في هذا الصدد تقول إحدى العاملات الإثيوبيّات الّتي تعمل في بيع الخبز الإثيوبيّ لحسابها في بيروت لألترا صوت، أنّ عددًا كبيرًا من رفيقاتها العاملات في المنازل، لم يحصلن على رواتبهم منذ أكثر من 4 أشهر، في ظلّ الأزمة الماليّة الّتي يعيشها لبنان، وانخفاض سعر صرف اللّيرة مقابل الدّولار، حيث أصبح راتب العاملة المنزليّة يفوق الحدّ الأدنى للأجور في لبنان. 

تشكّلت قناعة لدى اللّبنانيّين اليوم أنّ لبنان الّذي يعرفونه لم يعد له وجود، وأنّ السّنوات القادمة ستشهد تغييرات كبيرة في نمط حياتهم. الأمور الّتي أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة مواطني الطّبقة الوسطى في السّنوات الأخيرة، ستصبح محصورة في المستقبل بفئة قليلة تعيش أوضاع ما فوق الطبقة الوسطى بمستويات متباينة. 

ينتظر اليوم آلاف العمال فتح مطار بيروت ليغادروا لبنان نهائيًا بدون رجعة. وكانت سفارة الفيليبين قد عرضت بالفعل على العمّال الفيليبيّين في لبنان تقديم بطاقة سفر مجانيّة لهم، في حال قرّروا مغادرة لبنان، وقد حصلوا على 5 آلاف طلب مغادرة حتى الآن!.

 

اقرأ/ي أيضًا:

موسم الصيد العشوائي في لبنان.. أين القانون؟

خصخصة الكهرباء في لبنان.. فواتير اللحم الحيّ