ما قصة الأعلام التي رفعها نجوم إسبانيا بعد التتويج بالمونديال؟
21 يوليو 2026
لم يكن المشهد الأكثر إثارة بعد تتويج إسبانيا بلقب كأس العالم 2026 هو رفع الكأس الذهبية، بل الأعلام التي التف بها اللاعبون خلال الاحتفالات. فبينما كانت الجماهير تحتفل بالعلم الإسباني في مدرجات ملعب "ميتلايف" وفي شوارع مدريد، ظهر عدد من نجوم المنتخب وهم يرتدون أعلام كتالونيا وإقليم الباسك والأندلس وغاليسيا وجزر الكناري وغيرها من الأقاليم الإسبانية.
وأثار المشهد تساؤلات واسعة بين المتابعين خارج إسبانيا، فلماذا يحتفل أبطال العالم بأعلام مختلفة؟ وهل تحمل هذه الأعلام رسائل سياسية، أم أنها تعكس طبيعة الدولة الإسبانية وتركيبتها التاريخية؟
لم يكن أبطال العالم يحتفلون بأقاليمهم بدلًا من إسبانيا، بل بإسبانيا التي صنعتها أقاليمها المختلفة
الإجابة لا تتعلق فقط بكرة القدم، بل بتاريخ يمتد لأكثر من قرن، أصبحت خلاله الملاعب واحدة من أبرز المساحات التي تعبر فيها الأقاليم الإسبانية عن هويتها الثقافية والاجتماعية.
دولة واحدة تضم 17 هوية إقليمية
لفهم المشهد، لا بد من فهم طبيعة الدولة الإسبانية نفسها. فإسبانيا ليست دولة مركزية بالمعنى التقليدي، بل تتكون من 17 إقليمًا ذاتي الحكم، يتمتع كل منها بحكومة وبرلمان وصلاحيات واسعة في مجالات التعليم والثقافة والصحة والإدارة المحلية، كما يمتلك كل إقليم علمًا رسميًا ورموزًا خاصة به.
ولهذا، فإن رفع العلم الإقليمي في المناسبات الرياضية لا يُنظر إليه داخل إسبانيا باعتباره منافسًا للعلم الوطني، بل باعتباره تعبيرًا عن الانتماء إلى المنطقة التي نشأ فيها الشخص، تمامًا كما يعتز الأميركيون بولاياتهم أو الألمان بمقاطعاتهم، وإن كانت الحالة الإسبانية أكثر تعقيدًا بسبب التاريخ السياسي لبعض الأقاليم.
وفي احتفالات كأس العالم، ظهر اللاعبون وهم يجمعون بين الهويتين، فقد مثلوا إسبانيا داخل الملعب، ثم احتفل كثير منهم بأعلام الأقاليم التي صنعت بداياتهم الكروية وشكلت هويتهم المحلية.
كرة القدم.. مرآة للتنوع الإسباني
لا تعكس تشكيلة المنتخب الإسباني أفضل المواهب في البلاد فحسب، بل تعكس أيضًا التنوع الجغرافي والثقافي للدولة. وجاء توزيع لاعبي المنتخب المتوج بكأس العالم على النحو التالي:
كتالونيا: 8 لاعبين.
إقليم الباسك: 5 لاعبين.
الأندلس: 3 لاعبين.
غاليسيا: لاعبان.
مدريد: لاعبان.
فالنسيا: لاعبان.
جزر الكناري: لاعبان.
قشتالة وليون: لاعب واحد.
أستورياس: لاعب واحد.

ويكشف هذا التوزيع أن أكثر من نصف عناصر المنتخب جاءوا من كتالونيا وإقليم الباسك، وهما المنطقتان اللتان تمتلكان واحدة من أقوى المدارس الكروية في البلاد، كما أنهما الأكثر ارتباطًا بالهوية الإقليمية في الخطاب الرياضي والسياسي.
في المقابل، ساهمت بقية الأقاليم في تشكيل منتخب يمثل معظم أنحاء البلاد، ليصبح لقب كأس العالم إنجازًا صنعته مواهب جاءت من ثقافات ولهجات وخلفيات مختلفة، لكنها اجتمعت تحت قميص المنتخب الإسباني.
النادي الذي أصبح رمزًا لهوية كتالونيا
يصعب الحديث عن العلاقة بين كرة القدم والهوية في إسبانيا دون التوقف عند نادي برشلونة، الذي يرفع منذ عقود شعار "أكثر من نادٍ". فبالنسبة إلى ملايين الكتالونيين، لا يمثل برشلونة مجرد فريق ينافس على البطولات، بل يعد أحد أبرز رموز الهوية الكتالونية. وخلال فترة حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو بين عامي 1939 و1975، عندما فرضت قيود على استخدام اللغة الكتالونية وبعض الرموز المحلية، تحول ملعب "كامب نو" إلى مساحة حافظ فيها كثير من أبناء الإقليم على هويتهم الثقافية.
ولهذا، أصبح العلم الكتالوني مشهدًا مألوفًا في مدرجات برشلونة، وانتقلت هذه الثقافة إلى أجيال من اللاعبين الذين نشأوا في أكاديمية "لا ماسيا"، سواء كانوا كتالونيين أو من أقاليم أخرى.
كرة القدم بوصفها تعبيرًا عن الشخصية المحلية
في إقليم الباسك، تبدو العلاقة بين الكرة والهوية أكثر وضوحًا. فأتلتيك بلباو يعد أحد أكثر الأندية ارتباطًا بخصوصية منطقته، بعدما تبنى لعقود سياسة الاعتماد على اللاعبين ذوي الجذور الباسكية، في واحدة من أكثر التجارب تميزًا في كرة القدم العالمية.
كما يمتلك الإقليم منتخبًا غير رسمي يخوض مباريات ودية في المناسبات المختلفة، على غرار منتخب كتالونيا، وهو ما يعكس قوة الانتماء الإقليمي، حتى وإن كانت هذه المنتخبات لا تشارك في البطولات الرسمية التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم.
لماذا أثارت هذه الأعلام كل هذا الجدل؟
رغم أن رفع الأعلام الإقليمية أمر مألوف داخل إسبانيا، فإن الصور القادمة من احتفالات كأس العالم أثارت نقاشًا عالميًا، خصوصًا بسبب ظهور علمي كتالونيا وإقليم الباسك.
ويعود ذلك إلى أن الإقليمين شهدا خلال العقود الماضية حركات سياسية طالبت بدرجات مختلفة من الحكم الذاتي أو الاستقلال، ما جعل أي ظهور لرموزهما يحظى بمتابعة إعلامية واسعة.
لكن خبراء في الشأن الإسباني يميزون بين الأعلام الرسمية للأقاليم، التي تعد جزءًا من النظام الدستوري الإسباني، وبين الأعلام التي تستخدمها بعض الحركات الانفصالية. وتشير التقارير التي تناولت احتفالات المنتخب إلى أن اللاعبين ظهروا بالأعلام الرسمية التي تعبر عن انتمائهم الجغرافي والثقافي، وليس بالضرورة عن مواقف سياسية.
تقليد يتكرر منذ سنوات
في الواقع، لم تكن هذه المرة الأولى التي يحتفل فيها لاعبو إسبانيا بأعلام أقاليمهم. فقد تكرر المشهد بعد التتويج بكأس العالم 2010، كما ظهر في احتفالات المنتخب بألقاب بطولة أوروبا، فضلًا عن الألعاب الأولمبية وبطولات العالم في رياضات مختلفة، حيث اعتاد الرياضيون الإسبان إبراز انتمائهم المحلي إلى جانب احتفالهم باسم الدولة.
وأصبح هذا المشهد جزءًا من الثقافة الرياضية الإسبانية، حتى وإن كان يبدو غير مألوف في نظر جماهير اعتادت رؤية المنتخبات الوطنية تحت علم واحد فقط.
ربما تكمن المفارقة في أن المنتخب الإسباني هو أكثر المؤسسات الرياضية قدرة على جمع هويات تبدو متباعدة خارج الملعب. فاللاعب القادم من برشلونة، والآخر من بلباو، وثالث من إشبيلية أو فالنسيا أو لاس بالماس، يحمل كل منهم تاريخًا وثقافة ولهجة مختلفة، لكنهم يرتدون القميص ذاته ويدافعون عن الهدف نفسه.
ولهذا، فإن الأعلام التي ظهرت في احتفالات كأس العالم لم تعكس انقسامًا داخل المنتخب بقدر ما جسدت طبيعة إسبانيا نفسها، دولة تضم هويات إقليمية قوية، لكنها قادرة على الاجتماع تحت راية واحدة عندما يتعلق الأمر بتمثيل البلاد.
وربما لهذا السبب بدت صور الاحتفال بالأعلام المتعددة، بالنسبة للإسبان، تعبيرًا عن وحدة تقوم على التنوع، بينما رآها كثيرون خارج البلاد مشهدًا يحتاج إلى تفسير. فلم يكن أبطال العالم يحتفلون بأقاليمهم بدلًا من إسبانيا، بل كانوا يحتفلون بإسبانيا التي صنعتها أقاليمها المختلفة.