ما قصة احتفال الولايات المتحدة بذكرى تأسيسها؟
4 يوليو 2026
تحتفل الولايات المتحدة، السبت، في الرابع من تموز/يوليو، بمناسبة مرور 250 عامًا على اعتماد إعلان الاستقلال، في ذكرى تُعرف رسميًا باسم الذكرى نصف الألفية لتأسيس البلاد، أو "أميركا 250". وليست المناسبة مجرد عيد استقلال تقليدي، بل محاولة لصناعة احتفال وطني واسع يمتد على مدار عام، ويجمع بين التاريخ والسياسة والعروض العسكرية والمهرجانات والفعاليات الثقافية، في لحظة تبدو فيها أميركا منقسمة داخليًا بقدر ما تحاول استعراض وحدتها أمام العالم.
متى بدأ الاحتفال؟
بدأ التخطيط المؤسسي للاحتفال قبل سنوات طويلة من موعده، وأُقر القانون عام 2016، الذي أنشأ لجنة الذكرى نصف الألفية للولايات المتحدة، لتتولى تنظيم فعاليات الذكرى وإحيائها. وبعد ذلك، أعلنت خدمة المتنزهات الوطنية الأميركية ولجنة "أميركا 250" أن فترة الإحياء ستنطلق في الرابع من تموز/يوليو 2020 وتستمر حتى عام 2026.
أما في عهد الرئيس دونالد ترامب، اكتسب الاحتفال طابعًا جديدًا بعد توقيعه أمرًا تنفيذيًا أنشأ بموجبه "فريق عمل البيت الأبيض للاحتفال بعيد ميلاد أميركا الـ250".
لماذا تحتفل أميركا؟
يعود سبب الاحتفال إلى الرابع من تموز/يوليو 1776، اليوم الذي اعتمد فيه إعلان الاستقلال، وهو النص الذي أعلن انفصال المستعمرات الأميركية عن بريطانيا، ورسّخ في الذاكرة الأميركية فكرة تأسيس جمهورية تقوم على الحرية والحقوق والحكم الذاتي. ويصف البيت الأبيض هذه الذكرى بأنها "أهم محطة في تاريخ البلاد".
ولا يُراد للاحتفال أن يكون مجرد يوم للألعاب النارية، بل مناسبة لإعادة سرد قصة تأسيس الولايات المتحدة، من الحرب الثورية إلى إعلان الاستقلال، ومن رموز مثل فيلادلفيا، بوصفها مهد إعلان الاستقلال والدستور، وجبل راشمور، الذي ألقى منه ترامب خطابه، وتمثال الحرية، إلى المدن والولايات التي تريد إبراز مساهمتها في التاريخ الأميركي.
اتهم مشرعون ديمقراطيون ترامب بإضعاف الجهود المشتركة للاحتفال بالذكرى، معتبرين أنه همّش لجنة "أميركا 250"، التي تعاني عجزًا ماليًا يُقدَّر بنحو 100 مليون دولار
ترامب يحوّل المناسبة إلى هجوم على الشيوعية
قدّم ترامب الذكرى بصورة أثارت الجدل، وبدلًا من استخدام المناسبة للحديث عن تأسيس أميركا، حوّلها إلى خطاب سياسي حاد ضد الديمقراطيين.
وفي خطابه من جبل راشمور، وصف الشيوعية بأنها "تهديد مميت للحرية الأميركية"، وقال إنها "أكبر تهديد" للبلاد، حتى مقارنة بالحربين العالميتين وهجمات 11 أيلول/سبتمبر، مبتعدًا عن التقليد الرئاسي المعتاد في مناسبات الاستقلال الكبرى، حيث غالبًا ما تُقدَّم كلمات توحيدية وغير حزبية.
واختار ترامب جبل راشمور لإطلاق احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة لما يحمله الموقع من رمزية وطنية، إذ يضم منحوتات أربعة من أبرز الرؤساء الأميركيين الذين ارتبطت أسماؤهم بتأسيس الدولة وتطورها: جورج واشنطن، توماس جيفرسون، أبراهام لينكولن، وثيودور روزفلت.
وأضاف ترامب، صباح السبت، أن الهوية الأميركية تتعرض لهجوم من الأفكار الشيوعية، مستهدفًا من وصفهم بـ"المتطرفين" و"المتشددين" الذين يهاجمون التاريخ الأميركي.
وبعد حديثه عن مخاطر الشيوعية، قال الرئيس إن السبيل الوحيد لضمان فوز الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي هو إلغاء قاعدة التعطيل في مجلس الشيوخ، وتمرير قانون "أنقذوا أميركا"، الذي سيُلزم الأميركيين بإثبات أنهم مواطنون أميركيون عند التسجيل للتصويت، وإبراز بطاقة هوية صالحة تحمل صورة قبل الإدلاء بأصواتهم، ليتحول الخطاب إلى رسالة انتخابية واضحة قبل أربعة أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر.
وكرر الرئيس الأميركي إحدى أبرز رسائله السياسية في الآونة الأخيرة، متهمًا الديمقراطيين التقدميين بأنهم شيوعيون يشكلون تهديدًا وجوديًا للولايات المتحدة.
وجاء ذلك بعد ساعات من خطاب ألقاه عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، المنتمي إلى التيار الاشتراكي الديمقراطي، أبدى فيه تأييده للمهاجرين، واعتُبر على نطاق واسع ردًا على ترامب وحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجددًا".
جدول برنامج الاحتفال
يمتد البرنامج الرسمي على مراحل. بدأ البيت الأبيض بعرض ضوئي على نصب واشنطن بين 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 و5 كانون الثاني/يناير 2026، استخدم تقنية الإسقاط الضوئي لتحويل النصب إلى شاشة تسرد مراحل من قصة أميركا، من الاستقلال إلى التوسع والابتكار. كما أُطلقت متاحف متنقلة بعنوان "شاحنات الحرية" تجوب الولايات المتصلة خلال عام 2026، وتعرض قصة الاستقلال وإنجازات الأميركيين خلال 250 عامًا.
إلا أن هذه الفعاليات لم تخلُ من الجدل السياسي، إذ تحولت الاحتفالات إلى ساحة خلاف، بعدما فضّلت إدارة الرئيس دونالد ترامب تنظيم فعاليات منفصلة عبر مجموعة "الحرية 250"، بينما امتنعت ولايات يقودها الديمقراطيون عن المشاركة في بعض الأنشطة، ونظم ناشطون تقدميون فعاليات موازية في واشنطن.
اتهامات لترامب
في المقابل، اتهم مشرعون ديمقراطيون ترامب بإضعاف الجهود المشتركة للاحتفال بالذكرى، معتبرين أنه همّش لجنة "أميركا 250"، التي تعاني عجزًا ماليًا يُقدَّر بنحو 100 مليون دولار، في وقت حصلت فيه مجموعة "الحرية 250" على 68 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب. كما طالب عدد من أعضاء الكونغرس بالتحقيق في آلية توزيع الأموال العامة والتبرعات الخاصة، وسط تساؤلات بشأن احتمال وجود تضارب في المصالح.
وقال السيناتور الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا أليكس باديلا، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ هذا الأسبوع: لا يستطيع أن يمنع نفسه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشيء لا يخصه ولا يمتدحه ولا يسلط الضوء عليه. لم يستطع الرئيس ترامب إلا أن يجعل الذكرى الـ250 لتأسيس أميركا تتمحور حوله شخصيًا.
وتساءل باديلا كذلك عن حجم الأموال العامة التي أُنفقت على "الحرية 250" مقارنة بلجنة "أميركا 250"، وما إذا كان هناك تضارب في المصالح ناجم عن توجيه التبرعات الخاصة إلى المجموعة المفضلة لدى ترامب.
وقلل عدد من الجمهوريين من حجم الخلاف، مؤكدين أن الاحتفال يجب ألا يتحول إلى مناسبة حزبية، وأن هناك متسعًا لمختلف الجهات للمشاركة في إحياء الذكرى. لكن جماعات تقدمية أعلنت تنظيم فعاليات ومسيرات مضادة، معتبرة أن الاحتفالات الرسمية باتت تعكس رؤية سياسية ضيقة، بينما أعرب عدد من أعضاء الكونغرس من الحزبين عن أملهم في أن تبقى الذكرى مناسبة توحد الأميركيين بدلًا من تعميق الانقسام السياسي.
استقلال أميركا
كانت أميركا قد بدأت طريقها نحو الاستقلال بعد اندلاع حرب الاستقلال ضد بريطانيا عام 1775، احتجاجًا على الضرائب والسياسات البريطانية التي فرضت على المستعمرات الثلاث عشرة دون تمثيل سياسي، لتستمر الحرب حتى اعترفت بريطانيا رسميًا باستقلال الولايات المتحدة بموجب معاهدة باريس عام 1783.
وعند إعلان الاستقلال كانت الولايات المتحدة تتألف من 13 مستعمرة بريطانية أعلنت انفصالها عن التاج البريطاني، وأصبحت تُعرف لاحقًا بالولايات الثلاث عشرة المؤسسة. وخلال القرنين التاليين توسعت البلاد عبر شراء أراض وضم أقاليم جديدة وانضمام ولايات تباعًا إلى الاتحاد، حتى بلغ عدد الولايات 50 ولاية.