ما سرّ عدم شعبية كرة القدم في الولايات المتحدة؟
14 يوليو 2025
يُتابع خمسة مليارات نسمة كرة القدم حول العالم، من مقاهي قاهرة المُعزّ، وحتى حانات أيرلندا. وبالنسبة لبعضهم، هي مسألة حياة أو موت، سائرين وراء فريقهم أينما ذهب، ويتابعونه أينما كانوا. ولكن بنسبة كبيرة، لا يوجد هؤلاء المهووسون في الولايات المتحدة الأميركية، التي يُفضل سكانها مباريات كرة السلة، وكرة القدم الأميركية، على مشاهدة كرة القدم «الحقيقية».
لغياب شعبية كرة القدم في الولايات المتحدة أسباب منطقية في الغالب، بعضها رياضي، وبعضه الآخر يأخذ أبعادًا تسويقية
يتساءل الكثيرون عن غياب كرة القدم عن ساحة الرياضات الشعبية في الولايات، وفشلها في جذب الانتباه في دولة تعشق الرياضة. والسؤال ليس له إجابة واحدة، بل له أبعاد كثيرة، منها ما يرتبط بثقافة الاستهلاك الأميركية، ومنها ما يعود لأسباب تاريخية.
وصول متأخر إلى الولايات المتحدة
اشتهرت كرة القدم في مطلع القرن العشرين، وبالأخص في الدول الأوروبية واللاتينية، التي تبنّت هذه الرياضة كرياضة «رسمية» في معظم البلاد. وصادف في ذات الوقت، تكوُّن الرياضات الأميركية، مثل كرة السلة، كرة القدم الأميركية، وكرة القاعدة (البيسبول). وصبّت كل جمعيات هذه الرياضات جهدها في تلميعها، ووسمتها بلقب «الرياضات الوطنية».
عمل عشاق هذه الرياضات على إنشاء روابط محلية، وتحولت إلى نشاط رسمي في الجامعات الأهلية منذ قديم الأزل، لتُصبح الرياضات الأكثر مشاهدة داخل البلاد التي صنعتها، بل وجزءًا من الهوية الأميركية، وعمودًا أساسيًا في صناعة الترفيه داخل البلاد. وصادف أن هذه الفترة كانت بداية انتشار كرة القدم في بريطانيا وأميركا الجنوبية، ولكن الولايات المتحدة اكتفت بثلاثي الرياضات المحلية خاصتها، ولم تترك مساحةً لكرة القدم للدخول إلى هذا العالم.

غابت فكرة الأكاديميات الجامعية لكرة القدم، مما جعل فرصة وجود دوري للمحترفين معدومة. ووصلت إلى أميركا على يد المهاجرين من البلاد اللاتينية، ومارس معظمهم الرياضة كهواية، وغابت الرسميات والتنظيم عنها، وأي مجهود في تنظيمها كان على مستوى الهواة.
أرادت الولايات المتحدة أن تستضيف كأس العالم لكرة القدم، وقد أقامته بالفعل في عام 1994، ولكن اشترطت الفيفا أن يكون هناك دوري رسمي للمحترفين في البلاد. مما جعلها تنشئ دوري الـ ـMLS في 1993، أي قبل البطولة بموسمٍ واحد، ثم بدأ في عام 1996، بعد أن أصبح شركة ذات مسؤولية محدودة. ليُصبح من أحدث خمس دوريات رسمية من الدرجة الأولى للرجال حول العالم.
كرة القدم مملة ومعقدة للمستهلك الأميركي
يريد المشاهد الأميركي مباراة مليئة بالأحداث، وخلال فتراتٍ قصيرة. ويُنظر إلى كرة السلة كخير مثال على هذا، فالمباراة وقتها الرسمي 48 دقيقة، مُقسمة إلى أربعة أشواط، ووقت الشوط 12 دقيقة فقط، ومتوسط النقاط في المباراة 114 نقطة للفريق. وعلى الصعيد الآخر، شوط كرة القدم يمتد لـ45 دقيقة دون أي تدخل إعلاني، ومتوسط الأهداف في مسابقة مثل الدوري الإنجليزي 3.28 هدفًا.
يريد الأميركيون مباراة مليئة بالأهداف، مُقسمة إلى أشواط قصيرة، وفيها فائزٌ واحد. ولا يقبلون بالمباريات البطيئة التي قد تنتهي بالتعادل دون أهداف، وهذا عكس ما تُقدمه كرة القدم لمشاهدها. وحتى لو كانت طبيعة كرة القدم تلك هي ما جعلها معشوقة حول العالم، فالمشاهد الأميركي اعتاد على نقيضها.

يُقاس هذا الأمر أيضًا على التوجه التكتيكي لكرة القدم، حيث قد يقضي المشاهد دقائق طويلة في متابعة بناء هجمة واحدة، قد لا تُثمر عن هدف في نهايتها. ومثلها أساليب اللعب الدفاعية، التي قد تجعل المشاهد يُتابع مباراة كاملة يرى فيها فريقه يُدافع فقط، منتظرًا فرصة واحدة لتسجيل الهدف القادم، وهو ما يُنفّر مشاهدًا اعتاد على مباريات أكثر حدة وتغيّرًا.
غياب أيقونات كرة القدم عن الولايات المتحدة
تمتلك البرازيل بيليه، والأرجنتين لها ميسي، والولايات المتحدة ليس لها لاعب أيقوني. وحتى الدول النامية في كرة القدم، مثل المجر، أنتجت بوشكاش، الذي جعل بلاده كلها تهتم بالرياضة. فشلت الولايات في أن تُنتج لاعبًا قدّم مستويات قوية عالميًا، حيث اهتم جميع الأطفال الصغار برياضات أميركا المحلية، وصبّوا جهودهم في أن يُصبحوا كريم عبد الجبار أو بيل راسل القادمين.

أنتجت أميركا لاعبين جيدين، مثل ديمبسي وبوليسيتش، اللذَين قدّما مستويات جيدة مع فرقهم، ولكن لم يُصبحوا أيقونات لهذه الفرق، ولم يتركوا بصمة كبيرة مثل أبناء جيلهم في الكرة. وهذا لا يُشجع المشاهد الأميركي على متابعة كرة القدم، خصوصًا أن الفرق الكبيرة حول العالم، مثل ريال مدريد ومانشستر يونايتد، لم تمتلك لاعبًا أميركيًا ذا بصمة قوية في الرياضة. وهذا ما قد يجعل الأميركيين بعيدين عن اللعبة، لعدم وجود جذور من المواهب تُشجعهم على متابعتها.
التغطية الإعلامية والإعلانية أثرت على الرياضة
عانت كرة القدم من قلة التغطية الإعلامية في الولايات، ويعود ذلك إلى هيمنة الرياضات الأخرى على الساحة الرياضية، مثل كرة السلة وكرة القاعدة. عملت شبكات التلفزيون على تلميع هذه الرياضات بشكلٍ أكبر، وتغطية كل الأخبار الخاصة بها. وحتى قبل ولادة دوري كرة القدم الأميركي، لم تهتم القنوات ببثّ المباريات المُقامة في الدول الأوروبية، والتي كان توقيتها غالبًا في فجر اليوم داخل الولايات المتحدة، وما كان يُعرض في الماضي هو مباريات محدودة أو تغطية عابرة لأهم الأحداث.
يُذكر أيضًا أن كرة القدم لا تُدر المال مثل الرياضات الأخرى، التي تمتلك فترات توقف بين الأشواط، مما يُتيح للقنوات عرض الإعلانات خلالها. ومع تركيز الجمهور الأميركي على الرياضات الوطنية، لم يكن هناك دافع كافٍ لهذه الشبكات لنقل الدوريات الأجنبية، واكتفت فقط بمسابقة كأس العالم كل أربعة أعوام.
تغير الوضع منذ بداية الألفية، وبالذات منذ كأس العالم 2014، وبدأ الاهتمام يزداد باللعبة، خاصةً بين الشباب. وتمكنت بعض الشبكات من الحصول على حقوق الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي يُعتبر الأقرب للثقافة الأميركية بسبب اللغة. وزاد الوصول الأميركي إلى دوري بلادهم، خصوصًا بعد انضمام ليونيل ميسي إلى إنتر ميامي، والذي حصلت منصة Apple TV على حقوق بثه، وأتاحته لجميع مشتركيها في أي مكان.
نمو بطيء لكنه مبشّر
تنمو شعبية كرة القدم على الأراضي الأميركية، وإن كانت بمعدلات بسيطة بين كل عام وآخر، لكنها لا تزال تنمو وتصل لقاعدة أكبر، خصوصًا بين الشباب المهتمين بالرياضات العالمية. وهناك فرصة لأن تصبح كرة القدم أكثر شعبية، ويُعتبر كأس العالم القادم فرصة ذهبية، قد يُساهم في نمو الرياضة التي حضر مبارياتها 11 مليون مشجع في عام 2024، لأول مرة في سنة واحدة.