ultracheck
  1. رياضة

ما رآه فرانز فكافكا.. مشاهد شكلت شخصية كريستيانو رونالدو

11 أغسطس 2026
كريستيانو رونالدو
كريستيانو رونالدو (جيتي)
محمود لياليمحمود ليالي

"كان كريستيانو رونالدو يقف أمام مرآة غرفة خلع الملابس عاريًا، متفاخرًا بأنه أجمل من ليونيل ميسي"، تلك القصة حكاها بيتر كراوتش، لاعب ستوك سيتي السابق، نقلا عن ريو فرديناند زميل رونالدو السابق في مانشستر يونايتد، وصحيح أنها قصة أحادية الجانب، لم يحكها أي لاعب بخلاف كراوتش، وليس لها أي شواهد أو متابعات من طريق آخر غير طريق فيرديناند، إلا أن المثير حقًا، أن رونالدو لم يُكذبها، لا هو ولا أحد من أسرته أو أقاربه أو داعميه ولا حتى فيرديناند نفسه.

فور انتهاء مباراة الديربي بين ريال مدريد واتلتيكو مدريد عام ٢٠١٦، والتي انتهت بانتصار أتليتكو  بهدف دون رد، أطل رونالدو على وسائل الإعلام قائلا بالنص: "لو أن لاعبو ريال مدريد أصبحوا في مثل مستواي، لانتصرنا في تلك المباراة، ولتصدر الفريق جدول ترتيب الليغا'، هذا ما قاله فقط لا غير، لم يتحدث عن مشاكل الفريق الفنية، ولم يحاول السيطرة على غضب الجمهور، بل اعتبر أنه اللاعب الجيد الوحيد في الفريق، وأن المشكلة بالتأكيد ليست فيه، وما دليله على ذلك؟

كان كريستيانو رونالدو يقف أمام مرآة غرفة خلع الملابس عاريًا، متفاخرًا بأنه أجمل من ليونيل ميسي

لا شيء إلا تسجيله 22 هدفًا، وكأن الأهداف تخلق من العدم، وتبدأ وتنتهي عند نقطة التسديد، ولكن، بحسب ما اصطلح عليه جمهور السوشيال ميديا، فهذا طبيعي أيضًا، لأن من يملك الهدف، يمكنه تخطي كل شيء، هياكل الضغط، والتكتيكات، ومساعدة الزملاء، وقدرته على صناعة اللعب، وحتى رأي الجمهور نفسه.

في عام 2011، صفرت عليه الجماهير أثناء مباراة دينامو زغرب في دوري أبطال أوروبا، فصرح قائلاً: "الناس يحسدونني لأنني ثري ووسيم ولاعب رائع، ولا يوجد تفسير آخر لهذا الأمر"، وعندما سألته صحيفة ماركا الإسبانية عن سبب اعتباره شريرًا بالنسبة للبعض، أعاد نفس الإجابة مرة أخرى بالنص، وعندما سألته عمَّن يحب من اللاعبين، رد عليها قائلًا: "نفسي، في المرآة".

ضع المرآة بجانب المرآة، لتكتشف أن التصريح الأول لبيتر كراوتش صحيح بنسبة كبيرة، ولكن هنا يبرز السؤال: لماذا يرى كريستيانو رونالدو نفسه بتلك الطريقة؟ وما هي الأحداث والمشاهد التي كونت شخصيته بهذا الشكل المثير للجدل؟

معضلة الأب

أولى مفاتيح فهم شخصية رونالدو، هو مشهد دخول والده عليه كل مساء، في كتابه "كريستيانو رونالدو" يروي الصحفي والكاتب الإسباني جيليم بالاجي، أن طفولة كريس كانت صعبة للغاية، بسبب وجود الأب، وغيابه في نفس الوقت، حيث ولد في مدينة فونشال بجزيرة ماديرا لأب يُدعى خوسيه دينيس أفيرو، يعمل بستانيًا بعد تركه للجيش، ويعاني من إدمان الكحول.

في تحليل شخصية رونالدو، يبدو أن كافكا لم يكن متشائمًا بقدر ما كان عالمًا بدهاليز النفس البشرية، وأزمات الإنسان المعاصر مع هويته وماضيه ومستقبله
 

إدمان الأب أدى إلى انفصاله عن العائلة بشكل شبه كامل، المشكلة لم تكن في أن الأب يعنف ابنه، بل على العكس من ذلك، كان رحيمًا معه لدرجة أنه تجاهله تمامًا، يدخل سكرانًا، يبدأ في الهذيان، ودون إدراك لشعور الطفل الراقد تحت قدميه، ومن هنا بدأ كريس في البحث عن أي وسيلة ليصبح مرئيًا في عيون والده، وعندما اكتشف أن المرة الوحيدة التي شعر فيها أنه يهتم به، كانت هي اللحظة التي رآه فيها يلعب كرة القدم، بدأ في حلب الفكرة، يجب أن أصل إلى النهاية، أن أصبح أعظم لاعب في العالم، حتى يراني والدي.

هذه العلاقة المضطربة خلقت لديه ما يُعرف في علم النفس "بالتعلق غير المنظم"، بحسب ما ذكرته عالمة النفس ماري اينسورث، تأتي هذه الحالة من تحول مصدر الأمان لدى الطفل إلى مصدر تهديد،  عندها ينفجر ذهن الطفل ويصاب بالشلل العاطفي، ليكبر وفي داخله خوف من الفقد، فلا يستطيع الثقة بأحد ولا يستطيع البقاء بمفرده، ويؤمن بالتدريج أن الحب والاهتمام ليسا حقوقًا مكتسبة وطبيعية وغير مشروطة، بل غنائم يجب الظفر بها باستمرار.

ذلك المشهد أثر بوضوح على شخصية رونالدو، أصبح لديه شعور دائم بفقدان الثقة في مسيرته وتاريخه، كل شيء يقف على المحك، وإذا توقف عن العطاء، سيفقد أمانه النفسي، أداءه الأسطوري كان مجرد تذكرة يشتري بها اهتمام عائلته ثم حب جمهوره، وتوقفه عن اللعب، يعني خسارته لتلك التذكرة.

وبما أن الإنسان مجبول على تجرع الهزيمة وكأس السم من حين لآخر، وأضعف من أن يظل على القمة طوال حياته، فقد وجد رونالدو في التصريحات المثيرة للجدل، والتي تتحدث عن مدى عظمته وقوته، سبيلًا آخر لكسب الاهتمام، بضع خطوات أخرى، ولو بسيطة، في طريق طويل مكفهر.

والدليل على ذلك هو تصريحاته المستمرة عن والده، وأمنيته التي كانت بأن يراه جالسًا على قمة كرة القدم، لكن لسوء الحظ، لم يحقق والده تلك الأمنية، وتوفي فور ذهاب رونالدو إلى مانشستر يونايتد، ليبقى وحده منذ تلك الساعة، يقضم أصابع الحسرة.

المسخ

"أنا أفضل لاعب في العالم، وثاني أفضل لاعب في العالم، وثالث أفضل لاعب في العالم، وأفضل لاعب في التاريخ، ليس لأني الأكثر اجتهادًا فقط، بل لأني الأكثر موهبةً أيضًا". كريستيانو رونالدو.

ثاني مشاهد التكوين النفسي لرونالدو كانت في سن الثانية عشرة، عندما غادر دفء عائلته في ماديرا لينتقل بمفرده إلى أكاديمية سبورتينغ لشبونة، وكأي غريب في بلاد غريبة، واجه سخرية من زملائه بسبب لكنته الريفية المختلفة تمامًا عن أهل المدينة، وعاش عزلة موحشة أجبرته على التحول التدريجي من طفل هش يبحث عن الأمان، إلى محارب منعزل يبني حول ذاته أسوارًا ودوائر يستحيل اختراقها، وهو ما أثر على حياته ونظرته للأمور.

ببساطة شديدة، هذا الانسلاخ العاطفي والجغرافي المبكر، كان هو السبب في شعور رونالدو الدائم بالتهديد وافتراضه أن الكل يحاربه، حتى طواحين الهواء، مما دفعه لتعويض هذا الخوف، بهوس نحو جسده وعقله، أراد لهم أن يتحولا إلى آلة  غير قابلة للكسر، ولا تعرف إلا طعم الانتصار، ومع الوقت، والنجاحات الكبيرة التي حققها، بدأ في الاقتناع بأن الضعف أو إظهار المشاعر سيجعله فريسة سهلة لأعدائه والمتمردين، كما حدث له في الصغر، وأي تراجع للوراء، أو تغيير بسيط في المسار، يعني عودة عقله الباطن إلى نقطة الضعف والعزلة التي عاشها في لشبونة.

وهذا ليس كلامنا بالطبع، بل هذا ما طرحه عالم النفس جيفري يونغ فيما سماه "مخطط الهجر"، والذي يتمحور حول الخوف المزمن من الفقدان، وأولى علاماته هو مقاومة التغيير، وعدم تقبل الضعف البشري.

يقاتل بشراسة لإقناع العالم بأنه إنسان آلي، لا يخسر، ولا يتعب، ولا يعود إلى الخلف، وأن المشكلة باستمرار ليست فيه، بل من العالم أجمع، الأضواء هي من تحميه، هي الدرع الوحيد القادر على حمايته من التلاشي والنسيان، وفي حال فشله، سيهجره الناس والأهل، ويصبح بلا قيمة، والفشل هنا يعني أن يصبح في المركز الثاني، المكان الذي يتمناه الكثير من الناس، يرفضه عقل رونالدو خوفًا من أضغاث الماضي.

في رواية "المسخ" لفرانز كافكا، كانت أكبر مخاوف البطل هو أن يصبح بلا قيمة، خاصةً بعد تحوله إلى حشرة ضخمة، وهذا يعني أنه لم يعد قادرًا على العمل، ولم يعد فردًا فاعلًا في العائلة، البطل لم يحزن لأن جسده تغير من حال إلى حال، بل لاقتناعه أن هذا التحول سيجعله منبوذًا بين أهله، حتى أخته التي تعاطفت معه في البداية، بدأت في تجاهله بالتدريج، ذلك لأنهم كانوا يتعاملون معه باعتباره ماكينة عمل وأموال، وعندما تفسد الماكينة، تُرمى في أقرب صندوق قمامة، بلا أي ذكرى، أو هوية.

وكما ترى، يبدو أن كافكا لم يكن متشائمًا بقدر ما كان عالمًا بدهاليز النفس البشرية، وأزمات الإنسان المعاصر مع هويته وماضيه ومستقبله، وما تعنيه قيمة الإنسان، والتي لا تستمد، بأي شكل من الأشكال، من عمله، بل من كونه إنسانًا، نجاحه المادي والمهني ليس دليلًا على أي شيء، وليس مبررًا للتنطيط على خلق الله.

 

كلمات مفتاحية
جياني إنفانتينو

ترامب وإنفانتينو في اختبار جديد.. هل يتراجع الدعم الأميركي لرئيس الفيفا؟

الدعم الذي قدمه ترامب لإنفانتينو بدا قويًا إعلاميًا، لكنه لم يتحول إلى ضمان سياسي مفتوح المدى

مانشستر سيتي

البريميرليغ يبتلع الميركاتو.. لماذا تعجز أوروبا عن مجاراة الإنفاق الإنجليزي؟

هيمنت الأندية الإنجليزية على قائمة أغلى الصفقات في أوروبا، في مؤشر جديد على اتساع الفجوة الاقتصادية بين الدوري الإنجليزي ومنافسيه في إسبانيا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا

باريس سان جيرمان

من مبابي إلى باركولا.. كيف أعاد باريس نفسه ليسيطر على أوروبا؟

غيّر باريس سان جيرمان موقعه في سوق الانتقالات، ولم يعد النادي الذي ينفق المبالغ الضخمة لشراء النجوم، بل أصبح من أكثر الأندية قدرة على تحقيق إيرادات كبيرة من بيع اللاعبين

الليالي البيضاء.. من دوستويفسكي إلى BookTok
أدب

الليالي البيضاء لدوستويفسكي: كيف أعاد "تيك توك" الرواية إلى الواجهة؟

في ليلة هادئة من ليالي سان بطرسبورغ، كان رجل وحيد يمشي بلا وجهة، كأنه يبحث في شوارع المدينة عن شيء لا يعرف له اسمًا

فيلم "عطلة منتصف الشتاء"
أفلام

فيلم "عطلة منتصف الشتاء".. الماضي يسافر معنا

الفيلم جيد جدًا، بالنسبة لي على الأقل، لأنه لا يتحدث عن الحرب تقريبًا. لا يعيد سردها ولا يحولها إلى درس في السياسة أو التاريخ

صورة تعبيرية
مجتمع

إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك

قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين

تلوث
علوم

الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل