ما دور أستراليا في عمليات الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط؟

ما دور أستراليا في عمليات الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط؟

قاعدة "باين غاب" بأستراليا (ABC)

أستراليا هادئة الحس سياسيًا ليست كذلك على ما يبدو، فوفقًا لتقرير أعده الموقع الإلكتروني لهيئة الإذاعة الأسترالية (ABC) بالتعاون مع موقع "ذا إنترسيبت" الأمريكي، بالاعتماد على وثائق مسربة من وكالة الأمن القومي الأمريكية، فإن ثمة مركز دفاع مشترك بين الولايات المتحدة وأستراليا، بمحطة باين غاب الفضائية الواقعة شمال أستراليا؛ يمد الجيش والأجهزة الاستخباراتية الأمريكية ببيانات وإحداثيات خاصة بمواقع محددة حول العالم بغية استهدافها عسكريًا. وننقل لكم في السطور التالية ترجمة هذا التقرير بتصرف.


كشفت وثائق مسربة من وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) أن المعلومات التي توفرها القاعدة الواقعة خارج مدينة أليس سبرينغز الأسترالية، والمعروفة رسميًا باسم مرفق الدفاع المشترك "باين غاب"، والتي تديرها الولايات المتحدة بالمشاركة مع أستراليا منذ عام 1988؛ تُستخدم في الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة. وتوفر القاعدة معلومات جغرافية مفصلة للجيش الأمريكي يمكن استخدامها لتحديد الأهداف، بما في ذلك أهداف القوات الخاصة، وهجمات الطائرات بدون طيار.ويُشار هنا إلى أنّ استخدام الجيش الأمريكي للطائرات بدون طيار، أودى بحياة مئات المدنيين في دول مثل باكستان وأفغانستان وسوريا واليمن والصومال.

تلعب محطة باين غاب الأسترالية دورًا هامًا في توفير معلومات ميدانية مفصلة للجيش والأجهزة الاستخباراتية الأمريكية

وتأتي الوثائق، التي ينشرها برنامج "Background Briefing" للمرة الأولى، ضمن أرشيف ضخم من الوثائق السرية التي سربها إدوارد سنودن، مخبر وكالة الأمن القومي. وقد أظهرت إحدى الوثائق، والتي جاءت تحت عنوان "العلاقات الاستخبارية لوكالة المخابرات المركزية مع أستراليا" والتي، وُضع عليها علامة "سري للغاية"؛ أنّ دور محطة باين غاب، التي تطلق عليها وكالة الأمن القومي اسمًا سريًا هو "رينفال - RAINFALL"، صار بمرور الوقت أكثر تركيزًا على الجانب العسكري.

اقرأ/ي أيضًا: "القنّاص الأمريكي".. قنّاص الخدع

وجاء في الوثائق أن "مركز الدفاع المشترك في باين غاب (رينفال)، هو موقع يلعب دورًا هامًا في دعم كل من الأنشطة الاستخباراتية والعمليات العسكرية"، بينما جاء في وثيقة أخرى أن "واحدة من المهام الرئيسية لرينفال، هي كشف وتحديد الموقع الجغرافي لاستخبارات الاتصالات، والاستخبارات الإلكترونية، وإشارات الأجهزة الأجنبية".

تحديد الأهداف للهجمات العسكرية الأمريكية

ويُعتبر تحديد مصدر الإشارات أمرًا بالغ الأهمية فيما يخص تحديد أهداف العمليات العسكرية، بما في ذلك هجمات الطائرات المقاتلة بدون طيّار.

ريتشارد تانتر، الأستاذ في كلية الدراسات السياسية والاجتماعية بجامعة ملبورن، والذي شارك في كتابة تقرير معهد نوتيلوس الأخير عن محطة باين غاب؛ قال إنّ الوثائق تؤكد على الدور العسكري للمركز، وأن هذه الوثائق "تعطي تأكيدًا رسميًا على أن باين غاب متورطة، مثلًا، في تحديد الموقع الجغرافي للهواتف المحمولة التي يستخدمها الناس في أنحاء العالم، من المحيط الهادي وحتى أفريقيا".

محطة باين غاب هي المنطقة الوحيدة في أستراليا الممنوع الطيران فوقها
محطة باين غاب هي المنطقة الوحيدة في أستراليا الممنوع الطيران فوقها

وأضاف تاتنر، أنّ الوثائق المُسرّبة "تبين لنا أن باين غاب تعرف المواقع الجغرافية، ولديها قدرة على الوصول لأرقام الهواتف والوصول أيضًا إلى محتوى أي اتصالات. وتمنح القدرة للجيش الأمريكي على كشف الأهداف محل الاهتمام، وتحديدها بشكل فوري".

وفي وثيقة سرية أخرى من وكالة الأمن القومي، وهي عبارة عن ملف تعريف لموقع باين غاب، توضح أن دور المركز ليس فقط جمع الإشارات، بل تحليلها أيضًا. وجاء في ملف التعريف أن دور المحطة هو "كشف وجمع وتسجيل وتحليل والإبلاغ عن الإشارات المبدئية، التي تم جمعها من الكيانات المستهدفة المكلفة". وتضم هذه الإشارات المبدئية بيانات الاتصالات لأنظمة الرادار والتسليح مثل الصواريخ "أرض جو"، والمدفعية المضادة للطائرات والطائرات المقاتلة، وهي المعلومات التكتيكية الحيوية التي يتم تزويد القوات الأمريكية بها في ساحة المعركة بالزمن الحقيقي تقريبًا.

عسكري سابق رفيع المستوى يتحدث عن دور باين غاب

يُدعى ديفيد روزنبرغ، وهو عسكري سابق خدم 23 عامًا في وكالة الأمن القومي الأمريكية، وقد عمل في باين غاب قائدًا لفريق تحليل إشارات الأسلحة لمدة 18 عامًا، حتى عام 2008. ويُؤكد روزنبرغ على قدرة محطة باين غاب على تحديد المواقع الجغرافي، مُوضحًا: "نحن نتحدث عن قدرة الأقمار الصناعية على تحديد موقع جغرافي معين للبث الإلكتروني".

يقوم دور باين غاب على التقاط إشارات البث من مواقع محددة والإبلاغ الجيش الأمريكي بها والذي يحدد طبيعة الاستفادة من هذه البيانات

وكشف روزنبرغ عن نوعية المهام التي كانت تطلب منهم في باين غاب، وهي "أن نبحث عن إشارة محددة تُبثّ من موقع محدد، فإذا وجدناها نقوم بالإبلاغ عنها. وكذلك إذا ما وجدنا أي شيء آخر مثير للاهتمام"، حسبما قال، مُضيفًا: "هذا هو نوع المهام الذي نبحث عنه، ثم ينتقل الأمر ليد متلقي هذا النوع من المعلومات لاتخاذ القرارات المتعلقة بالأسئلة التالية: هل لهذا صلة بالأمر؟ هل ذلك ما نبحث عنه؟ هل هؤلاء هم الأشخاص الذين نستهدفهم؟".

اقرأ/ي أيضًا: في حلب.. الأسد وأمريكا يتبادلان الأدوار

ديفيد روزنبيرج (ABC)
ديفيد روزنبيرغ (ABC)

لكن روزنبرغ يزعم أن منع سقوط ضحايا من بين المدنيين، هو أولوية قصوى بالنسبة إليهم، قائلًا: "هناك شيء واحد يمكنني أن أقوله، هو أن حكومتي أستراليا والولايات المتحدة سترغبان بالطبع في تقليل وقوع الخسائر في صفوف المدنيين"، مُعتبرًا أنّ ما تقوم به باين غاب يساعد على الحد من وقوع الخسائر في صفوف المدنيين، من خلال توفير معلومات استخباراتية دقيقة.

هل يمكن اتهام أستراليا بارتكاب جرائم حرب؟

ليس الجميع متأكدين من أنّ الأمور بهذا الوضوح، إذ تختلف الآراء حول هذه النقطة، وتعتقد إميلي هوي، وهي مديرة شؤون الدعوة والبحث في مركز قانون حقوق الإنسان بأستراليا، بأن "دور باين غاب المحتمل في هجمات الطائرات بدون طيار، قد يترك الأستراليين عرضة للمحاكمة"، موضحةً أنّ المشكلة القانونية التي سببتها هجمات الطائرات بدون طيار، هي "احتمالية وجود انتهاكات قوانين النزاع المسلح، أو جرائم الحرب كما تُعرف بالعامية، واحتمال تورط أستراليا في تلك الجرائم من خلال مركز الدفاع المشترك في باين غاب".

ولأنّ أستراليا من خلال باين غاب الواقعة على أراضيها، والتي تساهم في إدارتها، تُساعد الولايات المتحدة في تحديد مكان المتهمين الذين تستهدفهم، لذا قد تكون مسؤولة عن أية جرائم ارتكبتها الولايات المتحدة، من جهة التواطؤ والمساعدة في ارتكباتها، كما تقول إميلي هوي. 

يبقى سؤال لمزيد التوضيح، تطرحه هوي، وهو: "هل القتل الذي تمارسه الولايات المتحدة يدخل ضمن نطاق جرائم الحرب أم لا؟". الإجابة على هذا السؤال المفصلي، يحتاج في نظر هوي إلى مزيدٍ من المعلومات ومن المناقشات حول قاعدة باين غاب وطبيعة دورها، مُضيفةً أنّ "ما لدينا هنا هي ادعاءات ذات مصداقية وجدية ضد موظفي باين غاب، باحتمال تورطهم في المساهمة في ارتكاب جرائم حرب، لكن ليست لدينا أية شفافية إطلاقًا حول ما حدث".

في المقابل ثمّة رأي مختلف يطرحه بيتر جينينجز، المدير التنفيذي لمعهد السياسة والاستراتيجية الأسترالي (ASP)، وهو مركز أبحاث مستقل، يُمول بدرجة كبيرة من وزارة الدفاع. ويتمثل هذا الرأي في قول جينينجز بأنّ "دور باين غاب هو جزء طبيعي من تحالف أستراليا مع الولايات المتحدة"، مُضيفًا أنّه "إذا قبلتَ أن الولايات المتحدة وأستراليا، تقاتلان في الصراعات الضرورية بالشرق الأوسط، فمن الملائم إذن أن تدعم مرافق الاستخبارات لدينا تلك الصراعات".

على مدار سنوات ساهمت باين غاب في تمهيد تنفيذ العمليات العسكرية للجيش الأمريكي خاصة في الشرق الأوسط (australianmap)
على مدار سنوات ساهمت باين غاب في تمهيد الطريق أمام عمليات عسكرية للجيش الأمريكي (australianmap)

ويرى جينينجز أنّ كلًا من الولايات المتحدة وأستراليا وغيرهما من البلدان، تُنفّذ عمليات عسكرية ضد من أسماه بـ"العدو الراسخ"، المتمثل في المتطرفين والإرهابيين المنتشرين في عدد من بلدان الشرق الأوسط، وعليه فإنه يعتقد أنّه "من المعقول جدًا أن نستخدم مواردنا الاستخباراتية لدعم العمليات العسكرية في تلك الدول".

تتباين الآراء حول ما إذا كانت أستراليا بهذا الشكل متورطة في جرائم حرب أم أن دورها جزء من تعاون دولي لمكافحة الإرهاب!

قول آخر في هذه القضية، يأتي على لسان "سيان ويستمورلاند"، الذي عمل لمدة أربع سنوات كفني إشارات الطائرات بدون طيار في سلاح الجو الأمريكي بأفغانستان، إذ يقول ويستمورلاند إنّه من الصعب تحديد من المسؤول عن أي معلومات استهداف، مُوضحًا قوله هذا، بأنّ "كل هذه المعلومات التي يتم الحصول تُستخدم أساسًا لتطوير الأهداف ومعرفة أين ستكون الضربة القادمة؟".

اقرأ/ي أيضًا: فيديو: ماذا تعرف عن أم القنابل؟

وينظر ويستمورلاند إلى الأمر على أنّه تعاون بين الدول، فبحسب قوله "هناك دول مختلفة تقوم بأمور مختلفة، جميعها تعمل معًا"، لذا فهو يرى أنه من الصعب القول إنّ الإستراليين مسؤولون عن ذلك، أو البريطانيين أو غيرهما من الدول المتعاونة، بتعبيره، مختتمًا حديثه بأنّ "الجميع يعملون معًا، فإذا كان الأستراليون متورطين في جزئية استخدم في الهجمات، فهم أيضًا مشتركون مع غيرهم في النتيجة النهائية، أيًا كانت".

 

اقرأ/ي أيضًا:

تنامي الحركات اليمينية مع مجيء ترامب.. راعي التطرف في الولايات المتحدة

الشرق الأوسط: مأساة العرب