ultracheck
  1. ثقافة
  2. فنون

"ما تركته النجاة": حين يرسم من قلب المخيم

1 مايو 2026
معرض "ما تركته النجاة"
فعاليات معرض "ما تركته النجاة" (وسائل التواصل الاجتماعي)
هند جودة هند جودة

بمشاركة أربعة وستين رسامًا ورسّامة، وبجهود ورعاية ذاتية، أطلق الفنان الفلسطيني غانم الدّن معرضًا فنيًا حمل عنوان "ما تركته النجاة". تمّ إعداد المعرض في مرسم الفنان الشخصي، حيث بدت الفكرة كأنها تنبع من بهجة فعل الرسم وحده، لا من الأدوات والإمكانات المادية، بل من انفتاح القلب على الخطوط والمعنى والحواس، وما تعنيه النجاة من خفّة أو ثقل في الحالة التي مرّ بها قطاع غزة.

الفن في قلب الركام

في مخيم البريج، الذي مُسحت حدوده الشرقية بما فيها من منازل وأراضٍ زراعية، وبقيت حدوده الغربية بما فيها من بقايا منازل وخيام ممتدة، يقع مرسم الفنان الناجي غانم الدّن وبيته، الذي كان مقرًّا لورشة عمل، ثم تحوّل لاحقًا إلى مكان للمعرض.

بنشاط يغذّيه شغف لا ينتهي، تمّ الإعداد للمعرض واختيار المشاركين، وصولًا إلى يوم السابع والعشرين من نيسان/أبريل، موعد افتتاح معرض "ما تركته النجاة".

معرض "ما تركته النجاة"

لكن، ماذا يعني أن ترسم بعد أن تمرّ المذبحة فوقك؟ وهل تمرّ المذابح دون أن تترك أثرها؟

لقد تجاوز الأمر مسألة القتل في غزة إلى الحرمان من كل ما هو أساسي، فضلًا عن محاولة ممنهجة لتدمير الوجه الحضاري للقطاع. فأين اختبأ الفن في ركام المدينة؟

بنشاط يغذّيه شغف لا ينتهي، تمّ الإعداد للمعرض واختيار المشاركين، وصولًا إلى يوم السابع والعشرين من نيسان/أبريل، موعد افتتاح معرض "ما تركته النجاة"

لم تكتفِ آلة الاحتلال بتحويل قطاع غزة إلى أرض خراب معزولة بشريط يفصل أجزاءه، محاطة بسياج محكم ومعابر مغلقة، بل استهدفت أيضًا المسارح والمراكز الثقافية والمتاحف وورش الرسم بشكل ممنهج، ومنها "محترف شبابيك" في مدينة غزة.

قال صاحب المبادرة، الفنان غانم الدّن، في كلمة الافتتاح: "لم يتوقف الفنانون في هذه الحرب اللعينة عن إظهار معاناة غزة. كانت مبادرتي بسيطة، تقوم على دعوة مجموعة من الفنانين الشباب لممارسة النشاط الفني. استهدفت الفرصة عددًا محدودًا، لكننا تفاجأنا بحجم الإقبال، وفي النهاية استقبلنا الجميع في هذا المرسم، الذي يعدّ الناجي الوحيد في غزة، بجهود ذاتية، في منطقة ناجية، بأفكار ناجية، لجيل ناجٍ، وريشات ناجية، في مخيم وقطاع منهار. هذه قمة التناقض بين الهدم والبناء".

معرض "ما تركته النجاة"

ويضيف الدّن: "الحرية التي نريدها كشعب لا تنتزع إلا بالإرادة والسعي الدؤوب، من خلال لوحات ناطقة بمشاعر الرسامين وظروف مجتمعهم. مجموعة رائعة من الشباب نطقت برسالة عظيمة؛ ضحكت، بكت، غنّت، عزفت موسيقى، وتشاركت الطعام والشراب والخطى والألوان".

ويتابع: "أربعة أشهر من التركيز، بوجود لجنة مساندة ولجنة تحكيم مكوّنة من عدد من الفنانين المحليين، لاختيار اللوحات المشاركة. بكثير من الشغف أُنتجت لوحات هذا المعرض، وحالة الاحتضان المجتمعي التي نراها اليوم تؤكد أن هذا مجتمع يكافح دون توقف لتثبيت فكرة إبداعه".

ويؤكد الدّن أن "ما دام هناك مرسم ناجٍ، فنحن مستمرون. فالجزء الذي تبقّى سيُبنى عليه، وستتواصل من بعده بقية الأجزاء".

نجاة مرسومة على الجدران

يبدو المعرض مثيرًا للفرح والحزن معًا، إذ إن تلك اللوحات التي رُسمت بوصفها إعلان نجاة، مثقلة بأثر الحرب، لكنها تثير شعورًا ليس من السهل وصفه، يمكن الإحساس به من خلال إقبال الجمهور على المعرض وتأمل لوحاته. المعرض الذي لا تصل إليه إلا بعد المرور عبر ممر ضيّق.

يُشار إلى أن من الإضافات المعاصرة لهذا المعرض إطلاق نسخة إلكترونية بالتزامن مع الافتتاح، بهدف إتاحة فرصة لانتشاره على نطاق واسع.

إيمان مخيمر، إحدى زائرات المعرض وشقيقة الرسامة أروى مخيمر، وصفت تجربتها قائلة لموقع "الترا صوت": "كان النزوح يبعثر السكان ويمزّقهم، كأنهم داخل خلاط كهربائي. كان الشتات قاسيًا على مجتمع المخيم الصغير. استعدتُ ذكريات النزوح المؤلمة في الطريق إلى المعرض، الذي لا يخلو من مشاهد البيوت المدمّرة والخيام. أذكر كيف عاد الناس بسرعة إلى المخيم بعد توقف القصف، ليجدوا ركامًا أو أشباه بيوت تنتظرهم، فحاولوا ترميمها بأدوات بسيطة ليستقروا بعد عناء النزوح".

وتتابع: "ما يحدث في هذا المعرض يشبه إعادة شعور العائلة إلى الناس، بيتًا صغيرًا للفرح، رغم حزن اللوحات."

وتضيف إيمان: "شعرتُ أنه احتفال حقيقي بالنجاة، كأن لسان حال الرسامين والزوار يقول: لا بأس بكل ذلك الألم المعلّق على الجدران، ما دمنا نستعيد من جديد شعور العائلة".

معرض "ما تركته النجاة"

حين تتكلم الذاكرة بالألوان

في اللوحات المشاركة، تظهر وجوه كثيرة؛ إذ تكاد لا تخلو لوحة من وجه. وجوه شاحبة، باكية، مغمضة أو مشدوهة. البحر حاضر بقوة، إلى جانب غالونات المياه، وأجساد ناحلة، والخيام، وأجزاء من الجسد، وهياكل عظمية، وقلوب وأصابع، في إشارة واضحة إلى ما خلّفته الحرب في الذاكرة والجسد.

تظهر أيضًا فتيات يحملن الورود في خلفيات داكنة، وساعات تدور وتتلاشى على طريقة سلفادور دالي، إضافة إلى حضور واضح للأجنحة في فضاء اللوحات، وكأنها ترمز إلى الرغبة في الابتعاد عن القبور التي امتلأت بها الأرض، أو بحثٍ عن نجاة إضافية للروح.

يقول الفنان التشكيلي محمد العصار، أحد زوّار المعرض، لموقع "الترا صوت": "كان هناك تناقض في شعوري بين السعادة والألم؛ السعادة بوجود هذا التعبير الفني الذي يعكس مدارس متعددة، من الواقعي إلى السريالي والتجريدي، رغم صغر أعمار المشاركين. أما الألم فلأن هذه اللوحات تجسّد ما يفطر القلب، كونها قصصًا واقعية عايشها الرسامون."

ويضيف: "لفتتني أعمال الفنانة سيرين أبو سمرة. حين سألتها عن مدلولات الرموز في لوحاتها، أخبرتني أنها فقدت خطيبها في الحرب دون أن تتمكن من وداعه. عبّرت عن ذلك بلوحة الغروب، الذي كان موعد وداعهما الدائم قبل استشهاده، وكأنها تثبّت لحظة الوداع الأخيرة عبر لوحة لامرأة تنتظر تحت شمس تغيب."

ويُشار إلى أن أصغر المشاركات في المعرض طفلة في التاسعة من عمرها تُدعى تولين، رسمت لوحة صغيرة لورود زاهية وفراشات وطيور بأقلام تلوين خشبية. كان الاحتفاء بتولين كبيرًا، في كلماتها عن نفسها وابتسامتها أيضًا.

الحب كطريقة لرؤية العالم

في إحدى المقابلات المسجلة مع الفنان بابلو بيكاسو، مع الصحفي موريس سيفينيو عام 1961، وعلى هامش أحد معارضه، يقول له سيفينيو: "أنت تحب كثيرًا كلمة حب يا بابلو بيكاسو". فيرد بيكاسو قائلًا: "نعم، بالنسبة لي لا يوجد سوى الحب. أحبّ الناس كثيرًا، لدرجة أنني قد أقع في حبّ مقبض باب أو وعاء زجاجي".

وقد يختلط عليك الأمر بين الجمادات والناس في حديث بيكاسو، لكنك تستنتج في النهاية طبيعة الفنان في داخله، حين يتعامل مع كل ما حوله بوصفه كائنًا حيًا، يمكن أن يُحب أو يُحزن.

وحين سأله سيفينيو مجددًا: "لو كان عليك أن تختار الحقبة والرسم واللوحة التي يجب أن تبقى بعدك، فماذا ستكون؟" يجيب بيكاسو: "الأمر صعب. في زمن غرنيكا رسمتُ غرنيكا، لقد كانت كارثة كبرى، ولكن في النهاية هكذا هي الأمور، إنها تجربة شخصية، وفي العمق هي ذكريات نكتبها لأنفسنا في دفاتر".

إنه الحب إذن، وهو الواقع أيضًا.

معرض "ما تركته النجاة"

حين يتحول الحب إلى مساحة عرض للحياة

أن يُفتح مرسم شخصي للموهوبين، ثم أن تُفتتح صالة بيت لعرض اللوحات واستقبال جمهورها في مكان ضيّق، مع تدافع لا يثير حنق أحد، وبوجود كل تلك الكاميرات التي ترتفع لتوثيق الحدث.

لقد كان الحب، حب الحياة والفنون وحب الناس، هو الذي تحرّك بانفتاح وحرية ضد ممارسة المحو، متمرّدًا على واقعه، دون أن يبالي بكتابة عنوان المعرض على جدار بلا يافطة، ولا يتذمّر من ضيق المساحة، حتى امتلأت جدران البيت والممرات، فأضيفت بعض الجدران القماشية.

إنه الحب الذي يجعل موسيقيًا يعزف في زاوية الحديقة الخارجية، وهو الذي أتى بالناس جماعيًا للاحتفاء بنجاتهم معًا، في موعدٍ مرتّب مع شكلٍ رفيع من أشكال التعبير عن "ما تركته النجاة"، رغم كل تلك الأنقاض في الجوار.

كان حجم الحضور للمعرض في يوميه الأول والثاني لافتًا، على الرغم من بساطته وانعدام التجهيزات المتعارف عليها. لكن مجتمع غزة يتعامل مع الظروف كعادته، ويجد طريقه بين الكوارث التي لا تهدأ. إنها "ما تركته النجاة": كل تلك الأحزان الثقيلة، والأكتاف التي تعبت لكنها تواصل حمل الحياة، بحثًا عن الأمل أو طريقة لصناعته.

كلمات مفتاحية
المعاقب

بعد "ديرديفيل".. حلقة "المعاقب" الخاصة تعيد تعريف السوداوية في مارفل

حلقة تقدم أكثر مشاريع مارفل سوداوية عبر فرانك كاسل الغارق في الدم والهلاوس والانهيار النفسي

"The Boys"

أكثر جنونًا من الواقع.. كيف تنبأ صانع "The Boys" بصعود الاستبداد في الموسم الخامس؟

في أكثر من مناسبة، لم يتردد إيريك كريبك في القول إن مسلسل "The Boys" (الرفاق) أصبح تجربة سردية تحاول فهم كيف تتشكل السلطة في زمن تتحول فيه الحقيقة إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة

المتحف القومي السوداني

من الركام إلى الفضاء الافتراضي.. المتحف القومي السوداني يُعاد إحياؤه

أُعيد فتح المتحف، الذي تعرّض للتخريب والنهب على يد عناصر قوات الدعم السريع خلال سيطرتهم على العاصمة الخرطوم، في صيغة افتراضية على يد علماء آثار، بهدف عرض المجموعات المسروقة والحد من الاتجار بها

كأس العالم 2026
رياضة

عن المسافات الهائلة بين المدن المستضيفة لكأس العالم.. من أكثر المتضررين؟

ستشهد كأس العالم 2026 تفاوتًا كبيرًا في حجم التنقلات بين الفرق، فستضطر بعض المنتخبات إلى قطع آلاف الأميال خلال دور المجموعات، بينما ستتمتع أخرى بجدول مريح يسمح لها بالبقاء في منطقة جغرافية واحدة

كأس العالم 2026
رياضة

كيف يكشف مونديال 2026 أزمات العالم المعاصر؟

يخضع مواطنو 39 دولة لقيود سفر أميركية متفاوتة تحول دون وصولهم إلى الولايات المتحدة، تنقسم بين حظر شامل وحظر جزئي

لبنان
مجتمع

من إرث العائلة إلى تأثير النجوم.. المنتخبات التي يشجعها اللبنانيون في كأس العالم

يختار مشجعو كرة القدم منتخباتهم المفضّلة وفقًا لثلاثة معايير أساسية؛ النتائج والنجاحات، و توارث الأطفال المنتخب المفضل عن آبائهم أو أقاربهم، وأحيانًا التمرّد على العائلة

كأس العالم 2026
الترا لايت

هل تتحول كأس العالم 2026 إلى عبء مناخي عالمي؟

قد ينتج كأس العالم 2026 نحو 7.8 ملايين طن متري من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بانبعاثات كأس العالم 2022 في قطر